صحيفة القوات المسلحة | شئ للوطن | صلاح غريبة يكتب ….. «الاستهبال السياسي» و«العدوان الخارجي»: رؤية السودان للحل ورفض للمحاور المشبوهة
٨شئ للوطن
م.صلاح غريبة
Ghariba2013@gmail.com
«الاستهبال السياسي» و«العدوان الخارجي»: رؤية السودان للحل ورفض للمحاور المشبوهة
شكلت التصريحات الأخيرة للسفير السوداني بالقاهرة، الفريق أول ركن عماد الدين عدوي، بوصلة واضحة ومباشرة لتحديد الموقف السوداني الرسمي إزاء الأزمة الراهنة وجهود حلها، خاصة فيما يتعلق ببعض اللاعبين الإقليميين ومسارات المبادرات الدولية. هذه التصريحات ليست مجرد وجهة نظر دبلوماسية، بل هي صرخة سيادية تحدد بوضوح من هو الصديق ومن هو الخصم، وتُعري ما يسميه السفير بـ “الاستهبال السياسي” في التعاطي مع مأساة السودان.
إن النقطة الأكثر محورية في تصريحات السفير عدوي هي الرفض القاطع لانخراط السودان في أي مبادرة تضم دولة الإمارات العربية المتحدة. هذا الموقف ليس مجرد تحفظ، بل هو اتهام صريح وواضح لدولة الإمارات بأنها شريك أساسي ومخطط لـ “عدوان خارجي” تدعمه مجموعات كبيرة من المرتزقة.
وصف السفير لعدم استقامة مشاركة دولة عدوانية في أي مبادرة سلام بأنها محاولة لـ “تغيير جلدها” وادعاء دور الوسيط، يكشف عن عمق الأزمة الثقة بين الخرطوم وأبو ظبي. فالمطلب السوداني بإبعاد الإمارات عن مظلة أي مبادرة رباعية هو جوهر الموقف، ويعكس قناعة راسخة بأن الإمارات، من وجهة نظر الحكومة السودانية، ليست جزءًا من الحل، بل هي المُوفر للغطاء السياسي والإعلامي والدعم اللوجستي للمليشيات المتمردة. التوصيف هنا دقيق وحاسم: العدوان هو التوصيف الدقيق، وبالتالي، إبعاد المُعتدي هو بداية الحل.
لم يكتفِ السفير بتحديد العدو، بل وجه انتقادًا لاذعًا للتعاطي مع الملف الإنساني، واصفًا الحديث عن عون إنساني لأهل الفاشر بعد أن غادروها بـ “الاستهبال السياسي“. هذا الوصف القوي يسلط الضوء على تكتيكات قد تستغل الحاجة الإنسانية كستار سياسي.
يؤكد السفير أن لجوء المواطنين، بما في ذلك نازحو الفاشر، إلى مناطق القوات المسلحة مثل الدبة بالولاية الشمالية، هو دليل قاطع على أن الجيش السوداني هو ملاذ الأمان الوحيد. هذا التأكيد ينزع الصفة الإنسانية البريئة عن أي تحركات لا تأخذ في الاعتبار أن السبب الأصلي للنزوح هو العدوان والاعتداء على المدنيين. الهدف من هذا الوصف هو إيصال رسالة بأن الأولوية ليست لـ “الإغاثة بعد القتل” وإنما لوقف العدوان نفسه ومحاسبة المتسببين فيه.
في المقابل، شكلت زيارة وزير الخارجية المصري إلى بورتسودان نقطة إيجابية في الخطاب السوداني. فقد أشار السفير عدوي إلى أن الزيارة كانت موفقة وتعكس اهتمام مصر ودعمها، مؤكدًا على الثوابت المصرية في الحفاظ على المؤسسات الوطنية وعلى رأسها القوات المسلحة، وحماية وحدة السودان واستقراره.
هذه المقارنة في الخطاب ليست بريئة؛ فهي ترسم الحدود الفاصلة بين الدول التي تؤكد على سيادة الدولة السودانية ومؤسساتها الرسمية، وتلك التي تتدخل لـ “تغيير جلدها” عبر دعم المليشيات. الرسالة الأساسية من هذه الإشارة هي تثمين الدعم السياسي الواضح، واستنكار ما حدث من انتهاكات في الفاشر، وتأكيد على أن أي مسار لحل الأزمة يجب أن يبنى على احترام السيادة ووحدة الأراضي السودانية.
إن خلاصة الموقف السوداني، كما عبر عنه السفير، هي أن الحل يكمن في التوصيف الدقيق للأزمة. ما يحدث ليس مجرد صراع داخلي على السلطة، بل هو “عدوان خارجي“. وبمجرد قبول هذا التوصيف، يتضح مسار الحل: محاسبة دولة العدوان، وإبعادها عن أي مسار تفاوضي، والالتزام بالمبادرات التي تشارك فيها الحكومة السودانية كدولة ذات سيادة، مثل مخرجات جدة.
في الختام، تعكس تصريحات السفير عدوي انتقالًا من مرحلة “التوجس” إلى مرحلة “الوضوح الصريح” في الدبلوماسية السودانية. إنها دعوة للأطراف الدولية للتحلي بالصراحة والجدية والابتعاد عما وصف بـ “الاستهبال السياسي“، والتعامل مع الأزمة على أنها مسألة سيادة ووقف عدوان، وليس مجرد ملف إنساني مفتوح.