سامي محمد الأمين يكتب:قراءة في شروط النهوض بالناقل الوطني _سودانير _ (1)

155

سامي محمد الأمين يكتب:قراءة في شروط النهوض بالناقل الوطني _سودانير _ (1)

مقال سبق نشره

بمناسبة مرور ٨٠ عاما علي تأسيس الخطوط الجوية السودانية هذه رؤية متواضعة علها تسهم في اضاءة بعض الجوانب المطلوبة للنهوض بالناقل الوطني ومن هنا الدعوة مقدمه للجميع للمشاركة كل حسب رؤيته علنا ننتج رؤية وطنيه موحدة ومتكاملة بعيدا عن اي انتماء فكري او عقدي الا الانتماء للسودان فالخطوط الجوية السودانية ليست مجرد شركة نقل جوي تعثّرت بفعل الأزمات، بل انعكاس ومرآة للدولة، وقدرتها على إدارة أصولها الاستراتيجية، وحسن توظيف موقعها الجغرافي، ومواردها البشرية، وعلاقاتها الدولية. ومن هذا المنظور، فإن الحديث عن تطوير سودانير لا يجوز أن يُختزل في مجرد استجلاب طائرات أو تغيير إدارات، بل يجب أن يُطرح بوصفه مشروع دولة متكامل الأبعاد، تتقاطع فيه الحوكمة الرشيدة، والسياسات الاقتصادية، والالتزامات القانونية الدولية، ومتطلبات السلامة والتشغيل.

لقد أثبتت التجارب الإقليمية، وفي مقدمتها التجربة الإثيوبية، أن شركات الطيران الوطنية لا تنهض بالقرارات الآنيه ، ولا بالمعالجات الجزئية، وإنما برؤية استراتيجية طويلة الامد ، تنطلق من فهم عميق لصناعة الطيران بوصفها نشاطاً عالي الحساسية في مسألة ادارة الوقت، ورأس المال، والسمعة، والامتثال التنظيمي.

اولا : الإطار التنظيمي… المدخل الحقيقي للإصلاح
إن أولى خطوات إعادة إعمار سودانير تبدأ من خارج أسوارها، وتحديداً من سلطة الطيران المدني، باعتبارها الجهة الضامنة لسلامة الأجواء، والمعبّرة عن التزام الدولة بالمعايير الدولية. فالمصادقة على اتفاقية كيب تاون وبروتوكول الطائرات لم تعد ترفاً تشريعياً، بل ضرورة عملية لتقليص تكلفة إيجار الطائرات، واستعادة ثقة الممولين والمؤجرين، وفتح نوافذ التمويل المغلقة منذ سنوات لشركات الطيران بالسودان .

وفي السياق ذاته، فإن تجديد وتفعيل اتفاقيات النقل الجوي الثنائية، خاصة مع دول غرب ووسط إفريقيا، يشكّل ركيزة استراتيجية لإعادة تموضع سودانير في سوقها الطبيعي. فالسودان، بحكم الجغرافيا والتاريخ، مؤهل ليكون جسراً جوياً بين إفريقيا والشرق الأوسط ودول غرب افريقيا وحدها بها كثافة سكانية تفوق ال٥٠٠ مليون نسمة بسوق نقل جوي مستقبلي يفوق العشرين مليون راكب في ظل عدم وجود شركات كبيرة وهو سوق تاريخي للناقل الوطني ولعب دورا هاما في تنمية سوق النقل الجوي فيه ، غير أن هذا الدور ظل معطلاً بفعل غياب الرؤية، لا ضعف الإمكانات.

أما ملف الحظر الأوروبي، فيجب أن يُعالج باعتباره قضية مؤسسية لا سياسية، تتطلب مراجعة شاملة للإطار التشريعي، واكماله بالاجراءات وقوائم التفتيش وكتيبات المفتشين سواء باعادة كتابة ال scaps التي كانت جزءا من اللوائح التي حلت الالsucars بديلا عنها او استلهام نموذج اجراءات الاتحاد الاوربي ومؤامتها مع اللوائح الحالية ومن ثم انفاذها وبناء قدرات التفتيش والرقابة، بمطلوبات منظمة الطيران المدني الدولي والتي قطع السودان فيها شوطا كبيرا باعتراف المنظمة نفسها بالاضافة الي متطلبات وكالة سلامة الطيران الأوروبية، بعيداً عن الخطاب السياسي . ولعل من اهم ادوار السلطة يكمن في توفيرها ضمانا ماليا قويا اعتمادا علي عوائد الملاحة التي ستعود قريبا بأذن الله

ثانيا :المطارات…
لا يمكن لسودانير أن تنهض دون مطار محوري مجهز وقادر على استيعاب دورها الإقليمي. ومن هنا، فإن إعادة إعمار مطار الخرطوم ينبغي أن تُبنى على مفهوم الترانزيت الوظيفي، لا المعماري؛ مطار سهل، عملي، منخفض التكلفة، يختصر زمن الربط، ويخدم حركة العبور بكفاءة، كما فعلت مطارات إقليمية نجحت في فرض نفسها دون كاديس ابابا ودون تبني النموذج الخليجي الذي تدعمه اقتصادات لديها وفورات مالية ضخمة .

وفي هذا الإطار، فإن العلاقة بين شركة المطارات وسودانير يجب أن تنتقل إلى منطق التعاون المثمر للطرفين ، سواء في الوقود، أو المناولة الأرضية، أو الشحن الجوي.

ثالثا: وزارة المالية
من أخطر ما واجه سودانير عبر تاريخها هو إخضاعها لقواعد مالية صُممت لقطاعات بيروقراطية ليس للوقت اعتبار قوي في فصناعة الطيران لا تنتظر لجاناً مطوّلة، ولا تحتمل تأخيراً إجرائياً، وأي إصلاح حقيقي يقتضي مراجعة قوانين الشراء والتعاقد، ومنح الإدارة التنفيذية صلاحيات تجارية كاملة اسوة بالمنافسين في ذات السوق ، مع مساءلة لاحقة قائمة على النتائج لا على الإجراءات كما أن منح سودانير ميزات استثمارية مدروسة، وفق قانون الاستثمار، لا يعد دعماً مجانياً، بل استثماراً غير مباشر في ربط الاقتصاد الوطني، وتنشيط الصادر، وجذب حركة العبور.

رابعا: ترتيب البيت الداخلي لسودانير .
للشركة ارث اداري باذخ وخبرات هائلة فنية من اعلي المستويات لذا فإن التحدي الأكبر يتمثل في الانتقال الي ثقافة جديدة العمل بتحديات كبيرة ويبدأ ذلك بحصر واقعي للديون وجدولتها، وتأهيل المقر و البنية التحتية من ورش ومخازن ومعدات وإعادة الاعتبار للموارد البشرية، بوصفها رأس المال الحقيقي، لا عبئاً مالياً . اما عن اختيار الأسطول المستقبلي يجب أن يتم وفق دراسات فنية وتجارية دقيقة، بعيداً عن الاعتبارات أو الضغوط السياسية، مع وضوح في التوجه لينتج لنا ناقل إقليمي فعّال باسطول منخفض التكلفة في التشغيل والصيانة بمردود اعلي وتكتمل هذه الرؤية بتفعيل مراكز الصيانة، والمناولة، والتموين، والتدريب، كمراكز ربح مستقلة، تخدم السوق الإقليمي، وتحرر سودانير من الاعتماد الكامل على التشغيل الجوي وحده.

خاتمة
إن سودانير، في جوهرها، اختبار لقدرة الدولة السودانية على إدارة مشروع وطني معقّد، بعقل مؤسسي، ونَفَس استراتيجي، وإرادة إصلاح حقيقية. فإما أن تُدار كأداة سيادة وتنمية وفق قواعد السوق والمعايير الدولية، أو تبقى أسيرة المعالجات المؤقتة، التي لا تُسمن ولا تُغني وما بين هذين الخيارين، يبقى اتخاذ القرار سياسياً في مبادرته ، وفنياً في تنفيذه، ووطنياً في مقصده.

Leave A Reply

Your email address will not be published.