د. ست البنات حسن تكتب : دنقلا عاصمة السياحة.. انبعاث الحضارة في “أرض النخيل”
دنقلا عاصمة السياحة.. انبعاث الحضارة في “أرض النخيل”
بقلم: د. ست البنات حسن
في خطوةٍ استراتيجيةٍ تتجاوز الأطر الاحتفالية التقليدية، أعلنت حكومة الولاية الشمالية مدينة دنقلا عاصمةً للسياحة لعام 2026. هذا القرار ليس مجرد تسمية شرفية، بل هو “مانيفستو” وطني لإعادة اكتشاف الذات السودانية، وبعث الحضارة النوبية من مرقدها التاريخي لتصبح قاطرةً تقود التنمية المستدامة في شمال السودان.
دنقلا.. ذاكرة الحجر وشموخ التاريخ
تستند دنقلا في استحقاقها لهذا اللقب إلى إرثٍ ضارب في القدم؛ فهي لم تكن يوماً مجرد مدينة عابرة، بل كانت مركز إشعاع حضاري ومنارةً للفكر والعمارة في بلاد النوبة القديمة.
إن استحضار اسم “دنقلا العجوز” يعيد للأذهان أمجاد مملكة “المقرة” المسيحية، التي صمدت قروناً وأهدت التاريخ “اتفاقية البقط” الشهيرة، لتظل المدينة حلقة وصل فريدة بين العمق الأفريقي وفضاءات المتوسط. ومع تعاقب الحقب، بقيت دنقلا حارسة أمينة للتراث، حيث تتجاور فيها الكنائس الأثرية والقصور الملكية والمعابد مع المساجد التاريخية في سيمفونية تعايش قلّ نظيرها.
الاستثمار في التاريخ:
إن تحويل المواقع الأثرية من “أطلال صامتة” إلى “موارد اقتصادية حيوية” هو جوهر هذا القرار الحكومي الشجاع. إن وضع دنقلا على خارطة السياحة العالمية يستوجب من حكومة الولاية تبني رؤية تكاملية تدمج الاستثمار بالنشاط السياحي. هذا المسار يتطلب نهضةً شاملة في البنية التحتية، تبدأ بتمهيد الطرق وتشييد الفنادق التي تليق بعظمة المكان، و تدريب الكوادر الشبابية في مجالات الإرشاد السياحي والضيافة الفندقية، مع وضع تشريعات صارمة لحماية الآثار من مهددات الزحف العمراني والنشاط التعديني .
في ظل هذا الزخم الوطني، يبرز دور جمعية دنقلا (فرع القاهرة) كظهير ثقافي واجتماعي فاعل، يربط أبناء المهجر بجذورهم. والجمعية التي سبق لها الاحتفاء بدنقلا عاصمة للثقافة، تستعد اليوم لمد جسور التواصل مع الجارة مصر عبر حزمة من الفعاليات النوعية.
منها “مهرجان دنقلا السياحي الأول بالقاهرة” الذي سيكون منصةً نابضة للفلكلور السوداني الشامل ، حيث تلتقي الحرف اليدوية والأزياء التقليدية بالأمسيات النوبية العذبة، لتنقل عبق الحضارة إلى قلب العاصمة المصرية القاهرة ولن يقتصر الدور على الاحتفاء الجمالي، بل سيمتد ليشمل الجانب الأكاديمي عبر ندوات فكرية يشارك فيها خبراء الآثار من السودان ومصر وتنظيم دورات تدريبية للشباب في مجال الارشاد السياحي ، بالإضافة إلى معارض فوتوغرافية توثق سحر الولاية الشمالية.باكملها.
ويتم تتويج هذه الجهود بتدشين “ملتقى دنقلا للاستثمار السياحي” الذي سيمثل القفزة الكبرى نحو جذب رؤوس الأموال ورجال الأعمال لضخ استثماراتهم في مشروعات البنية التحتية بالولاية. إننا أمام فرصة تاريخية لتظل دنقلا، كما كانت دوماً، منارة شامخة تربط بين ماضٍ عريق ومستقبلٍ واعد، وتؤكد أن السودان يمتلك من الكنوز الحضارية ما يكفي ليحتل مكانته المرموقة بين الأمم.
