دكتورة ست البنات حسن تكتب ….. “بين ‘المُغطِّي’ و ‘الخبير’: متى يرتقى الصحفي إلى رتبة ‘متخصص في الشأن السوداني’؟” …. مقالة تحليلية
“بين ‘المُغطِّي’ و ‘الخبير’: متى يرتقى الصحفي إلى رتبة ‘متخصص في الشأن السوداني’؟”
مقالة تحليلية
بقلم: د. ست البنات حسن
تُثير صفة “المتخصص في الشأن السوداني”، التي تُطلق اليوم على عدد من الصحفيين حول العالم، تساؤلات جوهرية في المشهد الإعلامي. فهل يكفي مجرد الاهتمام أو التغطية العابرة او الظهور في الفضائيات ليحصد الصحفي هذا الوصف الرفيع؟.
لا يتعلق الأمر بالانتماء الوطني، بل بمعيار العمق الاحترافي الذي يفصل بين “المُغطي” الذي يرصد الأحداث، و”المتخصص” الذي يفكك شفراتها ويستشرف مساراتها.
الميثاق المهني للتخصص: أكثر من مجرد خبر عاجل وظهور تلفزيوني
اكتساب لقب “المتخصص” يستوجب استيفاء شروط تتجاوز حدود التغطية الإخبارية الاعتيادية. إنها مجموعة من المعايير التي ترسم ملامح الخبير الحقيقي:
1. الخبرة المتجذرة والتحليل الاستراتيجي
يجب أن يكون رصيد الصحفي حافلاً بسنوات طويلة من التغطية الحصرية والمعمقة للقضايا السودانية، غير مقتصرة على فترات الأزمات فقط إن المتخصص هو من يمتلك القدرة على تجاوز نقل التصريحات والأحداث إلى تقديم تحليل سياسي، اجتماعي، واقتصادي رصين.
المتخصص الحقيقي يمتلك ناصية فهم الجذور التاريخية للصراعات، وقادر على صياغة قراءة مستقبلية مبنية على حقائق موثقة وبعيدة عن التكهنات السطحية.
2. الشمولية في الإدراك ورفض التنميط
لا ينحصر التخصص في دهاليز السياسة فحسب بل يتطلب الأمر إلماماً واسعاً بـ التكوين المجتمعي السوداني، وفهم دقيق لـ التنوع والتباينات الثقافية والاجتماعية التي تشكل نسيج المجتمع السوداني .
إن اقتصار الرؤية على الملف السياسي يفقد التحليل عمقه ويجعله قاصراً عن فهم الأسباب الجذرية للصراعات.
3. شبكة المصادر: العمق التوثيقي
إن قيمة المتخصص تكمن في شبكة علاقاته. يجب أن يمتلك مصادر متنوعة وموثوقة ومستدامة على مختلف المستويات. وإن لا تقتصر على السياسيين وصناع القرار، بل تمتد لتشمل نشطاء المجتمع المدني، الأكاديميين، والصحفيين السودانين.
هذه الشبكة هي أداته للانفراد بالمعلومات الدقيقة والتحقق من الروايات المتضاربة.
4. الإسهام البحثي والقيادة الفكرية
التخصص يجب أن يُعزز بـ الإسهامات البحثية التي تتجاوز المقال اليومي. إثراء المكتبة المعرفية عبر إصدار كتب ودراسات متخصصة، والمشاركة كـ متحدث وخبير في المؤتمرات والندوات الدولية حول الملف السوداني، هي أدلة دامغة على ريادته الفكرية.
هل السودان ملف ‘مؤشر أزمة’؟
تُعد ظاهرة التغطية الانتقائية إحدى المآخذ الرئيسية على هذا الصحفي المتخصص في الشان السوداني . فكثير من “الخبراء” يبرزون فقط عند اشتعال الأزمات الكبرى، ليغيب الملف السوداني عن صدارة اهتماماتهم في أوقات الهدوء.
هذا التركيز المفرط على الجانب السياسي (الحرب، المفاوضات، الانقلابات) يُقابل بـ إهمال ممنهج للجوانب التنموية والاقتصادية والثقافية والسياحية، التي تُشكل النبض الحقيقي لحياة السودانيين. إن قضايا الاقتصاد، والزراعة، والتجارة البينية، والتبادل الثقافي هي أساس الاستقرار الذي يجب أن يتناوله المتخصص.
المتخصص الحقيقي لا ينتظر اندلاع الحرب ليظهر. بل يعمل باستمرار على تحليل التغيرات البنيوية والتحولات الاقتصادية والاجتماعية، لتكون تحذيراته وتحليلاته جاهزة قبل وقوع الأزمة، وليس مجرد سرداً لها.
إن صفة ” الصحفي المتخصص في الشأن السوداني”
ليست مجاملة إعلامية. بل لقب مهني رفيع لا يُمنح إلا عبر جهد سنوات من التعمق، والتحليل المحايد، والتجذر في تفاصيل الشأن السوداني بجميع أبعاده: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية.