تحليل فيديو محاضرة د. نايف بن نهار بعنوان أقومية القرآن: من الإمكان إلى التمكين

27

 

 

تحليل فيديو محاضرة د. نايف بن نهار بعنوان أقومية القرآن: من الإمكان إلى التمكين
ومقارنته بمشروعنا النظام المعرفي القرآني
“تقاطع قوي في نقطة الانطلاق، ثم افتراق جوهري في مستوى البناء العلمي”
أ. د. طارق الصادق عبد السلام
أستاذ علم الاجتماع والتأصيل الإسلامي للعلوم
مدخل:
أرسلت إليَّ الدكتورة حنان فوزي، أستاذة الخدمة الاجتماعية والمهتمة بقضية التأصيل الإسلامي للعلوم، رابطًا لمحاضرة للشيخ الدكتور نايف بن نهار بعنوان “أقومية القرآن: من الإمكان إلى التمكين” . وقد أثار الموضوع اهتمامي منذ الوهلة الأولى؛ ليس فقط لما يحمله عنوان المحاضرة من سؤال مهم حول قدرة القرآن على أن يكون منطلقًا لبناء المعرفة، وإنما كذلك لما تتميز به المحاضرة من عرض واضح، وأسلوب رشيق، وقدرة على إثارة الأسئلة المتعلقة بموقع القرآن في عملية إنتاج المعرفة وتوجيهها.
والحقيقة أن ما شدني إلى المحاضرة بصورة أعمق هو أنها تقترب من سؤال ظل حاضرًا في مشروعي العلمي منذ سنوات: هل يمكن الانتقال بالقرآن من مجرد الاستشهاد به في العلوم الإنسانية والاجتماعية إلى جعله أساسًا معرفيًا ومنهجيًا لإنتاج العلم؟ وهذا هو السؤال الذي جعلني أتعامل مع المحاضرة لا بوصفها مادة تستحق التلخيص فحسب، وإنما بوصفها تجربة فكرية جديرة بالتحليل والمقارنة.
ومن هنا جاءت أهمية الوقوف عند مفهوم “أقومية القرآن”؛ إذ يبدو أن هناك نقطة التقاء واضحة بين هذا الطرح وبين المسار الذي انتهى إليه مشروعي في “النظام المعرفي القرآني”. فكلا الطرحين ينطلق من رفض التعامل مع القرآن بوصفه نصًا دينيًا محصورًا في المجال الوعظي أو التعبدي، ومن الإقرار بأن له قدرة على الإسهام في بناء رؤية للإنسان والمجتمع والحياة، بل وفي توجيه عملية إنتاج المعرفة.
غير أن الاتفاق في نقطة الانطلاق لا يعني بالضرورة الاتفاق في المسار المنهجي ولا في مستوى البناء العلمي. وهنا تحديدًا تصبح المقارنة ذات قيمة؛ لأن السؤال ليس: من قال إن القرآن صالح لبناء المعرفة؟ بل السؤال الأكثر عمقًا هو:
ماذا نفعل بهذه الصلاحية بعد أن نثبتها؟ وكيف ننتقل من القول بإمكان أقومية القرآن إلى بناء نظام معرفي قادر على إنتاج المفاهيم والسنن والنماذج والنظريات والعلوم؟
وهذه النقلة هي التي أرى أنها تستحق الفحص الدقيق. فبين إثبات الإمكان وبناء آليات التمكين مسافة علمية كبيرة؛ وبين القول بأن القرآن يمكن أن يكون مصدرًا للرؤية والمعرفة، وبين تحويل هذه الرؤية إلى برنامج منهجي لإنتاج العلوم الإنسانية والاجتماعية، توجد طبقات من العمل المفاهيمي والمنهجي لا يصح تجاوزها.
لذلك سأبدأ أولًا بمحاولة فهم المحاضرة من داخلها، بعيدًا عن إسقاط مشروعي عليها أو الحكم عليها قبل استيعاب منطلقاتها. ثم أنتقل إلى تحديد نقاط التقاطع معها، قبل أن أتوقف عند مواضع الاختلاف، لا بقصد المفاضلة الشخصية بين طرحين، وإنما لاختبار السؤال الأكبر الذي يجمعهما:
كيف ينتقل القرآن من “الإمكان المعرفي” إلى “التمكين العلمي”؟
أولًا: ما الذي تقوله المحاضرة؟
يمكن اختزال أطروحة “أقومية القرآن” في فكرتين أساسيتين:
القرآن هو نقطة الانطلاق الأولى في بناء الأفكار، وليس مجرد مرجع نستدعيه بعد أن تكون الفكرة قد تشكلت من خارج القرآن.
القرآن معيار لتقويم ما ينتجه الإنسان من أفكار ومعارف؛ أي أننا لا نرفض المعرفة البشرية لمجرد أنها بشرية، وإنما نعرضها على القرآن ليقومها.
وهذا يقود عند نايف بن نهار إلى نقد ما يمكن تسميته “أسلمة القوالب الجاهزة”: أن نأخذ النموذج الغربي أولًا ثم نضع عليه صفة “إسلامي”، مثل “علم نفس إسلامي” أو “اقتصاد إسلامي”، بدل أن يكون القرآن هو الذي يحدد نقطة الانطلاق. وهذا المعنى ظاهر أيضًا في المادة التي تلخص أطروحته حول المحاضرة.
والأهم في رأيي هو عبارته/فكرته المركزية:
المشكلة ليست فقط في أن لدينا أفكارًا تحتاج إلى التصحيح، وإنما في منطق التفكير نفسه.
وهذه نقطة بالغة الأهمية؛ لأن مؤسسة وعي نفسها تصف أثر “الأقومية” بأنه لا يقتصر على تغيير بعض الأفكار، وإنما يمتد إلى تغيير منطق التفكير.
ثانيًا: أين يلتقي هذا مع مشروعنا؟
هنا توجد منطقة تقاطع كبيرة جدًا.
1. القرآن أصل وليس شاهدًا لاحقًا
هذا بالضبط من أهم ما استقر عندنا في النظام المعرفي القرآني.
نحن لا نريد أن نقول:
لدينا علم اجتماعي حديث، ثم نبحث عن آيات تؤيده.
بل العكس:
النص القرآني → المفهوم → النسق → السنة → الآلية السننية → القانون → النموذج → النظرية → العلم.
وهذه السلسلة التي بنيناها في مشروعنا تجعل القرآن منشئًا للبناء المعرفي، لا مجرد مصحح خارجي له.
ومن هنا فعبارة “القرآن منطلق أول” عند نايف بن نهار تقترب جدًا من الأساس الذي يقوم عليه مشروعنا.
2. نقد التبعية للنموذج الغربي
هذه أيضًا نقطة التقاء واضحة.
لكن مشروعنا يذهب خطوة أبعد.
د. نايف يقول بصورة أساسية:
لا تجعل النموذج الغربي نقطة البداية ثم تبحث عن صيغة إسلامية له.
أما نحن فنريد أن نسأل سؤالًا أكثر تأسيسًا:
كيف يمكن أن نعيد بناء المجال المعرفي نفسه انطلاقًا من النظام المعرفي القرآني؟
أي أننا لا نريد فقط:
تقويم النموذج الغربي بالقرآن
بل نريد:
استخراج النموذج المعرفي من القرآن ثم بناء العلم على أساسه.
وهذا فرق مهم جدًا.
ثالثًا: هنا يظهر الفرق الحقيقي
أعتقد أن علينا أن نكون دقيقين جدًا هنا، وألا نبالغ في نسبة التطابق بين المشروعين.
“أقومية القرآن” عند نايف بن نهار
تقدم مبدأً إبستمولوجيًا ومنهجيًا قويًا:
القرآن هو الأقوم، ولذلك يجب أن يكون منطلق التفكير وميزان تقويم الأفكار.
وهذا مبدأ تأسيسي مهم جدًا.
لكن المشروع، في صورته التي ظهرت لي من المادة المتاحة، لا يصل بعد إلى الجهاز المنهجي الذي نحن بصدد بنائه.
مشروعنا
لا يتوقف عند:
القرآن هو المصدر الأقوم.
بل يسأل:
كيف نكتشف البنية المعرفية القرآنية؟ وكيف نحولها إلى منظومة مفاهيم وعلاقات وسنن وآليات ونماذج ونظريات يمكن أن تنتج علومًا إنسانية؟
وهنا يظهر الفرق بين:
أقومية القرآن = مبدأ توجيهي إبستمولوجي
وبين:
النظام المعرفي القرآني = مشروع لإعادة بناء المعرفة وإنتاج العلوم.
وهذا في تقديري هو أهم ما يجب أن ننتبه إليه.
رابعًا: والمثير للاهتمام أن المحاضرة تلامس إحدى أدواتنا مباشرة
وجدت مادة أخرى منشورة لدكتور نايف بن نهار يقول فيها إن من الأخطاء المنهجية في التعامل مع القرآن عزل الآية عن شبكة المفردات والقرائن والمثاني والنظائر والسياق، وضرب مثالًا بآية:
﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾
وينتقد التعامل معها باعتبارها جملة لغوية مستقلة، دون النظر إلى استعمالات “نعمة ربك” في القرآن وعلاقة الآية بسياق السورة وبالنظائر القرآنية.
وهذه نقطة قريبة جدًا من مفهومنا “المفهوم الشبكي”.
بل أقول شيئًا أقوى:
هذه نقطة يمكن أن تكون جسرًا مباشرًا بين مشروعه ومشروعنا.
لأننا نحن أيضًا نرفض أن يكون المفهوم القرآني:
لفظة ← تعريف لغوي ← معنى منفرد.
بل نريد:
لفظة/آية ← سياق ← مفاهيم مرتبطة ← علاقات ← نسق ← سنة.
وهنا يصبح الفرق أن “الشبكية” عندنا ليست فقط وسيلة لفهم النص، وإنما مرحلة في طريق بناء النظام المعرفي القرآني.
وهذا فرق جوهري.
خامسًا: أين أرى أن مشروعنا يتجاوز “أقومية القرآن”؟
يمكن ان أضعها في جدول مختصر:

المجال أقومية القرآن مشروعنا
نقطة البداية القرآن القرآن
مكانة القرآن المصدر الأول والأقوم أصل النظام المعرفي
التعامل مع المعرفة البشرية تقويمها بالقرآن تقويمها + إعادة بنائها
المشكلة التبعية للنماذج الخارجية أزمة النظام المعرفي نفسه
المفهوم القرآن يهدي للأقوم استخراج المفهوم القرآني وبناء علاقاته
السياق مهم يتحول إلى بنية مفهومية شبكية
السنن حاضرة ضمنيًا وحدة أساسية في البناء
الآلية ليست محورًا ظاهرًا الآلية السننية ابتكار منهجي مركزي
النموذج تقويم النماذج القائمة إنتاج نماذج من داخل النظام
النظرية ليست المرحلة المركزية مرحلة في السلسلة التوليدية
العلم تقويم العلوم إعادة تأسيس العلوم الإنسانية
سادسًا:
أقومية القرآن تقدم أرضية إبستمولوجية متقدمة تتقاطع مع المنطلق الذي يقوم عليه النظام المعرفي القرآني، بينما ينتقل مشروعنا من تقرير أولوية القرآن إلى بناء جهاز منهجي لإنتاج المعرفة والعلوم انطلاقًا منه.
سابعًا: بل أرى أن هناك علاقة ثلاثية مهمة جدًا
يمكن أن نرتب المسألة هكذا:
الأقومية
القرآن هو الأقوم، إذن لا ينبغي أن نبدأ من خارج القرآن.
النظام المعرفي القرآني
إذا كان القرآن هو الأصل، فما النظام المعرفي الذي يحكم إنتاجه للمعنى والمعرفة؟
علم الاجتماع الاستخلافي العمراني السنني
إذا اكتشفنا هذا النظام، فكيف ننتقل منه إلى علم إنساني قادر على تفسير العمران واكتشاف سننه وآلياته؟
وهنا يصبح مشروعنا ليس منافسًا لفكرة الأقومية، وإنما استكمالًا لمسارها باتجاه البناء العلمي.
ثامنًا: والأهم بالنسبة لنا: “من الإمكان إلى التمكين”
حتى عنوان المحاضرة نفسه مهم جدًا بالنسبة لمشروعنا:
من الإمكان إلى التمكين.
لأن عندنا مشكلة مشابهة في مشروعنا.
نستطيع أن نقول:
القرآن قادر على أن يكون أصلًا للمعرفة.
هذا هو الإمكان.
لكن السؤال العلمي الأصعب:
كيف نحول هذا الإمكان إلى منظومة معرفية قابلة للتطبيق والإنتاج؟
وهنا تأتي أدواتنا:
النص → المفهوم → النسق → السنة → الآلية السننية → القانون → النموذج → النظرية → العلم.
أي أن “التمكين” عندنا لا يعني فقط أن نقتنع بأن القرآن هو الأقوم؛ وإنما أن نمتلك آليات علمية تمكننا من استخراج المعرفة المنظمة من القرآن.
وهذا، في تقديري، هو المكان الذي يمكن أن يكون فيه مشروعنا إضافة حقيقية.
تاسعًا:
ويمكن أن نستفيد من المحاضرة في تحديد موقع مشروعنا داخل المشهد الفكري المعاصر.
وهذا يقودنا الى أن نكتب لاحقًا ورقة قصيرة بعنوان قريب من:
“من أقومية القرآن إلى النظام المعرفي القرآني: من أولوية المصدر إلى منهج إنتاج المعرفة”
وتكون فكرتها الأساسية:
أقومية القرآن تجيب عن سؤال: من أين ننطلق؟
والنظام المعرفي القرآني يجيب عن سؤال: كيف نبني المعرفة انطلاقًا من هذا الأصل؟
وعلم الاجتماع الاستخلافي العمراني السنني يجيب عن سؤال: كيف تتحول هذه المعرفة إلى علم يفسر العمران الإنساني وسننه وآلياته؟
إذا استطعنا إثبات هذه الثلاثية علميًا، فهذه ليست مجرد مقارنة مع محاضرة د. نايف بن نهار؛ بل يمكن أن تكون صياغة دقيقة لموقع مشروعنا نفسه داخل حركة التجديد المعرفي القرآني المعاصر.
وعليه المحاضرة مهمة لنا، وأراها أقرب إلى “مدخل إبستمولوجي” يتقاطع بقوة مع مشروعنا، لكنها لا تستنفد ما نفعله؛ بل ربما تساعدنا على إبراز أن مشروعنا يبدأ من النقطة التي تنتهي عندها فكرة الأقومية: من إثبات أن القرآن هو الأقوم، إلى بناء المنهج الذي يجعل هذه الأقومية قابلة لإنتاج المعرفة والعلوم.
يمكن القول ان أقومية القرآن تقدم أرضية إبستمولوجية متقدمة تتقاطع مع المنطلق الذي يقوم عليه النظام المعرفي القرآني، بينما ينتقل مشروعنا من تقرير أولوية القرآن إلى بناء جهاز منهجي لإنتاج المعرفة والعلوم انطلاقًا منه.
وأرى أن هناك علاقة ثلاثية مهمة جدًا
يمكن أن ترتب المسألة هكذا:
الأقومية
القرآن هو الأقوم، إذن لا ينبغي أن نبدأ من خارج القرآن.
النظام المعرفي القرآني
إذا كان القرآن هو الأصل، فما النظام المعرفي الذي يحكم إنتاجه للمعنى والمعرفة؟
علم الاجتماع الاستخلافي العمراني السنني
إذا اكتشفنا هذا النظام، فكيف ننتقل منه إلى علم إنساني قادر على تفسير العمران واكتشاف سننه وآلياته؟
وهنا يصبح مشروعنا ليس منافسًا لفكرة الأقومية، وإنما استكمالًا لمسارها باتجاه البناء العلمي.
وقصارى القول: المحاضرة مهمة لنا، وأراها أقرب إلى “مدخل إبستمولوجي” يتقاطع بقوة مع مشروعنا، لكنها لا تستنفد ما نفعله؛ بل ربما تساعدنا على إبراز أن مشروعنا يبدأ من النقطة التي تنتهي عندها فكرة الأقومية: من إثبات أن القرآن هو الأقوم، إلى بناء المنهج الذي يجعل هذه الأقومية قابلة لإنتاج المعرفة والعلوم.

﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ١٨٠ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ١٨١ وَالْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ١٨٢﴾

 

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.