تأملات جمال عنقرة المبادرة المصرية يخرج الحي من الميت

18

تأملات

جمال عنقرة

المبادرة المصرية .. يخرج الحي من الميت

اتصل بي كثيرون من الأصدقاء والقراء اعجبهم مقالي السابق عن المبادرة المصرية ووصفوا تحليله للمشهد بأنه دقيق، ولكنهم اعتبروه بمثابة تحرير شهادة وفاة لهذه المبادرة التي كانوا يرجون منها أن تأتي بخير كثير.

لعل هؤلاء الأصدقاء والقراء، وغيرهم يعلمون اني أشد منهم انحيازا وميلا لمصر ولكل ما هو مصري، وفي شؤون مصر اهتدي بحديث الرسول صلي الله عليه وسلم “انصر أخاك ظالما أو مظلوما” وكما هو معلوم فلما سأل الصحابة رضوان الله عليهم الرسول صلي الله عليه وسلم “عرفنا ننصره مظلوما، فكيف ننصره ظالما؟” كان رده عليه افضل صلاة وازكي تسليم “ترده عن الظلم”

فالمبادرة المجتمعية لتحاوز الأزمة السودانية التي صار اسمها اخيرا “المبادرة المصرية” بعد أن تبنتها وزارة الخارجية المصرية وأعلنت عنها، فهي فضلا عن كونها مصرية الميلاد والمهد والمنشا، فلا أجد حرجا في أن أقول انني واحد من أهلها، ليس فقط بالمشاركة في كثير من تفاصيلها، ولكن أيضا بالترويج والتسويق لها ظاهرا وباطنا، لذلك رغم قناعتي أن بياني وزارتي الخارجية في مصر والسودان اوشكا أن يجهزا عليها، وظن البعض انها قد فارقت الحياة فعلا، لكنني لا زلت اسعي لنفخ الروح فيها، لعل الله يحييها بعد موتها، وهو علي كل شئ قدير، وافعل ذلك بمواجهة الحقائق وليس ب”اللف والدوران”

اهم ما يميز مصر عن كل دول العالم قاطبة بالنسبة للسودان، فإن مصر ليست فقط الشقيق الأقرب للسودان، ولكنها قبل ذلك وبعده الشريك الأوحد في السراء والضراء، لذلك فإن اهل السودان حكومة وشعبا لا يامنون لدولة مثلما يامنون لمصر وأهل مصر، ويعلمون انهم لن ياتيهم الشر من مصر أبدا، وهذه اول ميزة لأي مبادرة تنطلق من مصر.

وفي الأزمة الأخيرة فإن مصر كانت أول من وضعت التوصيف السليم للازمة وجعلته شعارا وأساسا لجامعة الدول العربية، فهي وصفت ما يجري في السودان بأنه شان داخلي لا يجوز فيه التدخل الخارجي، وأن خيارات الحل يصنعها السودانيون بأنفسهم، وأن اي مساعي لحل الأزمة يجب أن تراعي استقلال السودان وسيادة قراره، وأن الجيش السوداني هو الجيش الوطني الوحيد، ولا جيش معه. وهذه هي الأسس التي ارتكزت عليها المبادرة المجتمعية، وزادت عليها أن الحل يكون عبر حوار سوداني سوداني شامل لا يستثني أحدا، واشهد أن قيادة تنسيق المبادرة لا سيما السفير صلاح حليمة قد بذل في ذلك جهودا خارقة، واستخدم كل خبراته التراكمية، ومعرفته العميقة للسودان والسودانيين، وكان حصاد ذلك تلك الورقة التي نالت رضاء واستحسان أكثر اهل السودان.

علتان اساسيتان اعتقد أنهما كانا سببا في تحفظ الحكومة السودانية بتلك الطريقة التي وردت في بيان الخارجية السودانية، العلة الأولي هي عدم تواصل المجلس المصري للشؤون الخارجية مع الحكومة السودانية بطريقة مؤسسية في مراحل المشاورات الأولي التي جلس فيها المجلس مع عشرات المكونات المجتمعية السودانية، والعلة الثانية تتمثل في الطريقة التي أعلنت بها وزارة الخارجية المصرية المبادرة، فكان من المهم اطلاع الحكومة السودانية عليها أولا والتشاور معها قبل إعلانها.

وأعتقد أن ذلك كله يمكن تداركه، فالحكومة السودانية تحفظاتها محددة ومحدودة، وكلها ليس لها علاقة بمصر ولا بمضمون ألمبادرة، فللحكومة تحفظ في المشاركين، فهي تدعو إلى إشراك القوي الفاعلة من المرابطين والصامدين وذكرت منهم المقاومة الشعبية، ثم تحفظت علي مشاركة الساعين إلى هدم الدولة، اما بالنسبة للشركاء الإقليميين والدوليين تحفظت الحكومة السودانية علي مشاركة رعاة المليشيا والذين يساندونها، وهذه يمكن التوافق عليها بحوار مباشر بين المسهلين المصريين والمسؤولين الحكوميين السودانيين، وبذلك تعود الحياة من جديد للمبادرة المجتمعية لتجاوز الأزمة السودانية، أو المبادرة المصرية في اسمها الجديد. وبالله التوفيق.

للإطلاع على الجزء الأول من المقال إضغط هنا!

Leave A Reply

Your email address will not be published.