بابكر عيسى أحمد يكتب …… الأوطان تبنى بالرؤية والإرادة
صحيفة الراية القطرية العدد الصادر يوم الأحد 03 أغسطس 2025
الأوطان تبنى بالرؤية والإرادة
الأحد ، 3 اغسطس 2025
بقلم/ بابكر عيسى أحمد
الأوطان تبنى بالرؤية والإرادة
الأحد ، 3 اغسطس 2025
بقلم/ بابكر عيسى أحمد
“إن الصمت لم يعد ممكناً” صرخة أطلقها الفيلسوف الفرنسي الراحل روجيه غارودي خلال ثورة الطلاب في فرنسا أواخر الستينات وهي ذات الثورة التي أطاحت بالرئيس “شارل ديغول” الذي كان صيته يملأ العالم … آن الآوان أن تطلق ذات الصيحة من قلب الكيان الصهيوني في مواجهة الطاغية بنيامين نتنياهو الذي مارس كل الموبقات ضد أهلنا في غزة وأبناء الشعب الفلسطيني من تقتيل وتدمير واعتماد حكومته المتنمرة ضد البشرية سياسة التجويع الممنهج ضد أطفال ونساء ورجال المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة.
حمداً لله أن الغضب انفجر حتى في صدور أقرب حلفاء الكيان الصهيوني وفي صدارتهم فرنسا وبريطانيا وكندا بعد أن عجزوا عن تغطية عيونهم بغربال في مواجهة شمس الحقيقة الناصعة وهم يشاهدون جرائم الإحتلال ضد الإنسانية بإعتبارها جرائم حرب تدينها كل المواثيق الدولية.
لم يبقى الغضب حبيس صدور القادة الأوروبيون الذين عبروا عن إدانتهم لجريمة التجويع في غزة وجثث الأطفال المتناثرة في ممرات المستشفيات المتهالكة التي تفتقر لأبسط المقومات الطبية.
في ظل هذه المحنة الإنسانية ظلت واشنطن والبيت الأبيض والرئيس الأمريكي يتقلبون على جمر نار الحقيقة التي نقلها الإعلام لكل أرجاء العالم وخرجت الشعوب إلى الشوارع والميادين منددة بجريمة الإبادة الجماعية ومطالبة حكوماتها بمواقف أخلاقية اكثر انسجاماً واتساقاً مع الضمير الإنساني السليم.
قمة نيويورك التي رعتها فرنسا والمملكة العربية السعودية والتي حضرها عدد مقدر من وزراء الخارجية من العديد من دول العالم اشعلت فتيل الغضب الإنساني في مواجهة المجازر اللإنسانية التي تجعل حتى أحط الناس يتوارى خجلاً وهو يلتزم الصمت.
الأسبوع الماضي تساءلت في ذات المساحة “هل مات الضمير العالمي؟” وجاءت ردود عديدة من بقاع متباعدة تؤكد أن هذا “الضمير” قد مات من زمان … وفي وسط الركام ظللنا نبحث عن الضمير العربي والإسلامي -ومع استثناءات محدودة وبسيطة- تأكد لنا موت هذا الضمير الذي معني إنسانياً ودينياً بهذه المحنة والمأساة وكأن الجميع في “فاههم ماء” وحتى الشعوب اكتفت بالفرجة والدعاء في المساجد وكأنما يحدث يجري على كوكب آخر لا علاقه له بكوكبنا الملطخ بالدماء والمسكون بالفجيعة والمغطى بالعار.

سعيد أنا بأن العالم استيقظ أخيراً من سباته العميق وأخذ شباب العالم في مختلف العواصم بزمام المبادرة ليفرض رؤاهم على القادة والبرلمانات … فالإعتراف بالدولة الفلسطينية -التي ما زالت في رحم الغيب- بشارة للشعوب التي تناضل من أجل استقلالها وعزتها في مواجهة التدخلات الخارجية والإملاءات الأجنبية وأن تكون سيدة قرارها الوطني وهو ما يستوجب أن يولد وعياً جديد ليوقظ النائمين والذين يتقاتلون على جثث أوطان متحللة وعاجزة وفاقدة للسيادة والقدرة والرؤية.
الآن سنفتح الأبواب على صفحات جديدة لتكتب سفراً جديداً في حياة الشعوب والدول أولها أن تغلب الوعي الوطني وأن تبحث -بجد واقتدار- عن هويتها المفقودة، وأن تحسن إدارة التنوع بإعتباره يمثل ثراءاً لتلك الشعوب وليس خصماً على حاضرها ومستقبلها، وأن تنشأ بإرادة الشباب والنساء -الكنداكات- دولة المؤسسات التي تتبنى شعارات الحرية والسلام والعدالة حتى تصبح الأوطان حاضنة لأبنائها وليست بطاردة لهم عبر الحدود والمخيمات وبلاد المهجر.
هذه الأمنية لن تتحقق إلا من خلال رؤية وإرادة وأن يعرف كل فصيل حجمه ودوره في مجتمعه وأن توظف هذه المعرفة بما يفيد الإنسان، وأن تكون المواطنة وليست الهوية هي أساس الحقوق والواجبات وأن تتغلب سياسة التسامح والتعايش المشترك بعيداً عن الايديولوجيات التي أقعدت الشعوب ولم تحقق النهوض المنشود للأوطان.
الله -جل جلاله- استخلفنا في هذه الأرض لنعمرها لا لندمرها ونتعايش بعيداً عن القبلية والفئوية والجهوية والمناطقية التي أقعدت طموحنا في النهوض ولم تحقق لنا التقدم المنشود … الأوطان تبنى بالإرادة والرؤية وليس بالقهر والتسلط والديكتاتورية وعلينا جميعاً أن نتعلم من تجارب الشعوب التي تجرعت من ذات الكاس التي أدمنا تعاطيها … وسنظل نردد في كل زاوية ومنعطف أن “الصمت لم يعد ممكناً” وأن مستقبل الأمم والشعوب يجب أن لا يكون تحت رحمة الهواه والمبتدئين والمغامرين.