الملازم أول/ محمد صديق …الإرتقاء في زمن السقوط أ. حامد عثمان حامد

51

الملازم أول/ محمد صديق …الإرتقاء في زمن السقوط
———————————

عندما دخل الكلية الحربية كان يعلم انها طريق تؤدي إلى الحرب وفيها الأهوال والشدائد فاختارها طائعاً مختاراً .

لما وصل قطار الحراك الشبابي إلى أسوار القيادة قرر أن (يخالف) تعليمات قيادته ويعلن انحيازه هناك ، وقد شكل موقفه نقطة التحول الأبرز في ترجيح كفة استجابة الجيش لأصوات الاحتجاجات ، وكان يعلم حينها ان موقفه ذاك لن يمر بدون أن يدفع ثمنه وقد حدث .

احيل للتقاعد وهو في عنفوان العطاء ، كان بامكانه أن يستعطف الشارع ويمن على الشعب بموقفه ، او أن يحرج القادة(الجدد) الذين تسلقوا السلطة على حساب تضحيته وامثاله ، ويطالبهم بان يردعوا (شريكهم العسكري) فينال حصانة او يمنح وظيفة في سفارة او حتى وزارة ، ولكنه لزم الصمت وآثر أن يدفع ضريبة موقفه في صمت ووقار .

اندلعت حرب آل دقلو ضد الشعب السوداني ، انتظر ان تعاد خدمته ولم يحدث ذلك بالرغم من إطلاق توجيهات بعودة من تقاعد وفتحت الابواب امام البعض واغلقت امام اخرين (وكذلك يفعل البرهان ) وكان من ضمنهم محمد صديق ،

لم يخرج في (لايف) لشتم قادته ، او إستعراض موقفه لينال شهرة ومكانة ، ولكنه أبى إلا أن يقدم درساً في حب هذه البلاد ، فاستنهض همم الشباب في منطقته وحرك ساكن المقاومة الشعبية فأشعل الحماس والتف حوله الشباب وقد وجدوا فيه مثال القدوة والبسالة ، رأوه يجرد نفسه من رتبته ويتخلى عنها حتى لا تكون حائلاً بينه وبين اداء الواجب الوطني .

من ركام اليأس ، شق صوت البطل عنان السماء، وبلغت رسالته المسجلة الأصقاع وهو يلتحق بالمقاومة الشعبية نصرة وإسناداً و بث حينذاك طاقة من الحماس في أوساط الشباب فمضوا خلفه باليقين والإرادة التي لا تلين ، وكذلك سيكون استشهاده بمثابة التحول الثالث الذي يتركه في مسيرة حياته حيا وفي الملكوت شهيداً، فسترون كيف سيبعث ارتقاءه عزم الشعب ويجدد روح البسالة والفداء وسترون جحافل من أمثال محمد صديق يخرجون من كل حدب وصوب لاستكمال ما بدأه من رحلة تحرير السودان من عدوان ال دقلو اخوة الشيطان .

في رحلة بطلنا كما تلاحظون انه كان يملك الخيارات ، ولكنه انتقى ما يطمئن اليه قلبه ومضى نحوه لا يبالي ، وهذه قيمة عليا تركها هذا البطل ورسم أبعادها بدمائه الزكية .

استشهاد محمد صديق يمثل درساً في الولاء للوطن ، فحسابات السياسة والقبيلة وغيرها تسقط امام امثاله ، فمنذ اندلاع الحرب لم يركن إلى الادعاءات المضللة (حرب عبثية ) ولا إلا الأسئلة الخبيثة ( من اشعل الحرب ؟) ولا البقاء في المنطقة الرمادية التي وظفها العدو اسوا توظيف (لا للحرب) بل كانت رؤيته واضحة تماما في توصيف العدوان وكيفية التصدي له ، ساقه إلى ذلك الضمير الحي ذاته حين حمله إلى ميدان الاعتصام برفقة عساكره ليقول (لا) وصعد بموقفه هذا ثلة ما زالت متخفية لا تستطيع ادانة من قتل أسيرا ووثقوا لجريمتهم .

تطوع محمد صديق للقتال وهو يعلم انه إما منتصراً او أسيراً او جريحاً او شهيداً …فنال الأربعة…. انتصر عليهم وهم -مع غلبتهم- لم يكسروا هيبته فشمخ كالاسد وسط ضباع لئيمة، فما شفي غليلهم قتله وهو أسير وجريح ثم تصويره وهو ما يعكس حالة المهزوم الجبان ، وظنوا انهم بذلك قد نالوا من إرادة أمة يجسد محمد صديق عزتها وكبرياءها ،

لو كنت مكانهم لما أظهرت الفرح ، فأستشهاد محمد صديق سيكون وبالاً عليهم فمثله يترك في كل موقف اثراً يتعدى حدوده الجغرافية والمكانية والوجدانية …فعندما انحاز في القيادة لصوت الشباب حرك بصوته الرتب الصغيرة والمتوسطة في الجيش ووضع القيادة في امتحان اما الاستجابة او الإزاحة ، ولما انضم للمقاومة الشعبية الهب الحماس وأشعل جذوة الفداء ، وأجبر القيادة على المضي قدما في تسليح المواطنين لحماية أنفسهم، وقطعا سيكون استشهاده اليوم حدثاً له ما بعده داخل الجيش وفي نفوس المستنفرين والرأي العام وقد بدأ واضحا منذ لحظة الخبر التفاعل الكبير والتأثر بمسيرة ضابط (عظيم ) وان كان صغير الرتبة لكنه رفيع المكانة ، سطر أسمه بحروف من نور ضمن كتاب الشرفاء من ابناءها البررة الذين ما خذلوا شعبهم يوماً ، وأبلغ درس جاد به هو تأكيد ان المليشيا لن تحل محل الجيش مهما اجتهد وكلاءها في تزيين وجهها القبيح، وحاولوا رمي طموحاتهم السياسية تحت اقدام المجرم .

نسأل الله القبول لروح محمد صديق المتوهجة بالضياء والنور ، وان يجزيه خير ما جزى مقاتلا يزود عن بلاده وداره واهله ودينه وعرضه .

أ.حامد عثمان حامد..

Leave A Reply

Your email address will not be published.