المدن المستدامة : تشكيل الحاضر و صناعة المستقبل

595

العدد الأسبوعي رقم 212  –  الجمعة 15 أغسطس 2025

المدن المستدامة : تشكيل الحاضر و صناعة المستقبل

اضغط هنا لتصفح النشرة من الموقع

صباح الخير قراءنا الكرام،

يشهد العالم اليوم تحولات حضرية غير مسبوقة، إذ أصبحت المدن مركزًا أساسيًّا للأنشطة السكانية والاقتصادية، ومسرحًا بارزًا للتحديات البيئية والاجتماعية. ورغم أن المدن تشغل حيزًا محدودًا من مساحة الأرض، فإنها تستحوذ على النصيب الأكبر من استهلاك الموارد وإنتاج الانبعاثات المسببة للتغير المناخي. هذه المعادلة المقلقة تثير تساؤلًا جوهريًّا: كيف يمكن بناء مدن قادرة على استيعاب التوسع السكاني والتنموي، دون أن تدفع ثمنًا بيئيًّا أو اجتماعيًّا باهظًا؟ في هذا السياق، برز مفهوم المدن المستدامة كحل متكامل يسعى إلى تحقيق التوازن بين العدالة الاجتماعية، والحد من التأثيرات البيئية، ويدعم النمو الاقتصادي. في وقت لم تعد فيه الاستدامة الحضرية مجرد خيار، بل غدت مطلبًا أساسيًّا لضمان رفاهية الحاضر وصمود المستقبل. تتناول هذه النشرة تحليلًا شاملًا لملامح المدن المستدامة، انطلاقًا من واقع التحضر العالمي، مرورًا بالتحديات الهيكلية التي تواجه المدن، وانتهاءً بأفضل الحلول والتجارب الدولية التي تُشكل نماذج ملهمة في هذا المجال.

القسم الأول: ملامح المدن المستدامة.

القسم الثاني: المدن المستدامة في السياق العالمي.

القسم الثالث: المدن المستدامة في مصر.

القسم الرابع: حلول المدن المستدامة في مواجهة تغير المناخ.

اضغط هنا للتواصل معنا

أولًا: واقع المدن اليوم ما بين تحديات التوسع الحضري والحاجة إلى التحضر المستدام

يمثل التوسع الحضري أحد أبرز التحولات التي أعادت تشكيل البيئة المبنية خلال القرنين العشرين والحادي والعشرين، إذ يحمل في طياته إمكانات كبيرة لتعزيز التنمية المستدامة من خلال توفير فرص اقتصادية واجتماعية جديدة. غير أن غياب التخطيط العمراني السليم قد يحوّل هذه الفرص إلى تحديات خطيرة، تتجلى في تفاقم مشكلات الفقر، وتدهور البيئة، وتصاعد الاضطرابات الاجتماعية.  ويوجد حاليًّا حوالي 2000 منطقة متروبولية (وهي مناطق تضم مدينة رئيسة إلى جانب مدن وضواحٍ محيطة) يعيش فيها ثلث سكان العالم، ومن المتوقع بحلول عام 2035 أن يعيش غالبية سكان العالم في مناطق متروبولية.

شكل (1) لمحة عن التوسع الحضري على مستوى العالم

المصدر: تقرير الإسكوا (UN-ESCWA) 2022

وتُشكل العشوائيات أحد أبرز العوائق أمام تحقيق التنمية المستدامة؛ نظرًا لما تنطوي عليه من نتائج سلبية، منها؛ ندرة الخدمات الأساسية، وضعف التوثيق الإحصائي للسكان. تُسهم هذه العوامل مجتمعة في تفاقم مشاكل بيئية واجتماعية متعددة، من بينها؛ التلوث، والازدحام، وانعدام الأمن الحضري. وتعكس هذه التحديات المتكررة الحاجة الملحّة إلى تبني نماذج تخطيطية لتحسين جودة الحياة في المدن الحالية وتوجيه النمو المستقبلي لحتمية استدامة المدن.

المصدر

وفي سياق متصل، تشهد المدن حول العالم طفرة سكانية غير مسبوقة، إذ يعيش اليوم ما يزيد على نصف سكان العالم – في المناطق الحضرية. يواجه حوالي 3 مليارات شخص حول العالم صعوبة في تأمين مسكن مناسب، ويعيش أكثر من مليار منهم في أحياء فقيرة أو عشوائية تفتقر إلى الخدمات الأساسية. تُشكل القدرة على تحمل تكاليف السكن أزمة عالمية تؤثر في ما بين (1.6 و3 مليارات شخص) حول العالم، وفي عام 2023، بلغ متوسط عبء تكلفة السكن العالمي 31% من دخل الأسرة. ويواصل الأفراد والأسر الهجرة إلى المدن بحثًا عن فرص عمل وحياة أفضل. ورغم أن المدن تُعد مراكز جذب رئيسة للاستثمار والابتكار، وتسهم بأكثر من 80% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتساعد الملايين على الخروج من الفقر، فإن هذا النمو السكاني السريع يرافقه عدد من التحديات الحضرية المعقدة. من أبرز هذه التحديات: اتساع فجوة الدخل، وتدهور البنية التحتية، وزيادة معدلات التلوث، مما يعوق قدرة المدن على تلبية احتياجات سكانها وتحقيق استدامة مستقبلية.

ويزيد تغير المناخ من تعقيد التحديات التي تواجه المدن. وبحلول عام 2030، قد يكلف تغير المناخ والكوارث الطبيعية المدن في جميع أنحاء العالم 314 مليار دولار سنويًّا، ويدفع 77 مليون شخص من سكان المدن إلى دائرة الفقر. وتنتج المدن نحو 80٪ من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمي، حسب برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، وتُعد في الوقت نفسه من أكثر المناطق تعرضًا لتأثيرات التغير المناخي.

رغم أن المدن في الدول منخفضة الدخل لم تسهم سوى بنحو 14% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمي عام 2015، فإنها تواجه تحديًا جوهريًّا يتمثل في كيفية تحقيق النمو الاقتصادي والاجتماعي دون الوقوع في فخ النموذج عالي الانبعاثات الذي اتبعته المدن الصناعية. وتزداد صعوبة هذا التحدي مع معاناتها من مستويات مرتفعة من تلوث الهواء، حيث تتجاوز تركيزات الجسيمات الدقيقة (PM2.5) في المدن الغنية؛ نتيجة لأنشطة النقل والإسكان.

تحتاج المدن إلى نهج متكامل يسعى إلى بناء مدن عادلة اجتماعيًّا، وفعالة اقتصاديًّا، وصديقة للبيئة، ألا وهو التخطيط الحضري المستدام، يركّز هذا النوع من التخطيط على تعزيز كفاءة استخدام الموارد، وتوفير بنية تحتية مرنة، وضمان وصول الجميع إلى الخدمات الأساسية، مثل؛ السكن، والنقل، والمياه، والطاقة، مع تقليل الأثر البيئي للأنشطة الحضرية. وتُسهم استراتيجيات التخطيط الحضري المستدام، مثل؛ استخدام الطاقة المتجددة، وتطوير البنية التحتية الخضراء، وتشجيع النمو الذكي، والتنمية الموجهة نحو النقل العام، والتنمية منخفضة التأثير، في خفض انبعاثات الكربون، وتحسين جودة الهواء، والحفاظ على الموارد الطبيعية. كما تسهم في توفير فرص عمل ضمن القطاعات الخضراء، وتحفز الاقتصاد المحلي عبر تقنيات البناء الأخضر، مما يعود بالنفع على الأفراد والشركات. إن التخطيط الحضري المستدام ليس مجرد خيار بيئي، بل هو ضرورة لتحقيق مدن أكثر إنصافًا، مدن أكثر استدامة ومرونة وقدرة على الصمود في مواجهة التحديات المتزايدة، مثل؛ تغيّر المناخ والنمو السكاني والضغط على الموارد.

المصدر

ثانيًا: ماهية المدن المستدامة والفرق بينها وبين المدن الذكية والمدن الخضراء

تعرف المدينة المستدامة بأنها مدينة مصممة لتقليل تأثيرها البيئي إلى أدنى حد ممكن، مع تحقيق توازن بين تلبية احتياجات السكان الحاليين وضمان حقوق الأجيال القادمة. تعتمد هذه المدن على أنماط معيشة خضراء تُقلل من التلوث في الهواء والمياه، وتوظف مصادر طاقة نظيفة كالشمس والرياح، بالإضافة إلى تقنيات ذكية، مثل؛ أجهزة الاستشعار التي تراقب استهلاك المياه وتُحسّن إدارة النفايات.

تُركز المدن المستدامة على عدة محاور رئيسة تشمل: جودة الهواء والمياه، كفاءة الطاقة، التنوع البيولوجي، الأمن الغذائي، وإدارة النفاياتفتسعى هذه المدن إلى خفض الانبعاثات وتعزيز الزراعة المحلية وزيادة المساحات الخضراء، كما تطبق حلولًا تكنولوجية متقدمة لترشيد الموارد.

وتتباين تطبيقات الاستدامة بين مدن جديدة تُبنى من الصفر، وبين مدن قائمة تعمل على تطوير بنيتها التحتية، حيث يتم دمج الطاقة المتجددة، ومحطات شحن السيارات الكهربائية، وممرات الدراجات، إلى جانب استخدام الذكاء الاصطناعي لتعزيز الكفاءة. بالتالي، تمثل المدن المستدامة توجهًا عالميًّا يجمع بين السياسات البيئية، الابتكار التكنولوجي، والتخطيط الحضري طويل الأجل.

تتناول العديد من الأدبيات مفاهيم، مثل؛ الاستدامة، والتنمية المستدامة، والمدينة المستدامة، والمدينة الخضراء، والمدينة الذكية، والمدينة البيئية بأسلوب متداخل، وغالبًا ما تُستخدم بشكل متبادل ودون تمييز نقدي واضح. وفي هذا السياق، نستعرض الفرق بين مفهوم المدن المستدامة والذكية والخضراء فيما يلي:

  • المدينة المستدامة: تُعد المدينة المستدامة نموذجًا حضريًّا يهدف إلى ضمان استمرارية الحياة البشرية والبيئية على المدى الطويل، من خلال الحفاظ على الموارد الطبيعية، وتحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي، دون الإخلال بسلامة البيئة. ويستلزم تحقيق هذا النموذج توافر مجموعة من المقومات الأساسية، تشمل: الطاقة المتجددة، وكفاءة استخدام الطاقة، والنقل المستدام، والمباني الخضراء، والإدارة المتكاملة للنفايات، والتعليم البيئي. كما ترتكز المدينة المستدامة على سياسات وتصميمات حضرية تهدف إلى تعزيز جودة البيئة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتحسين رفاهية السكان، وذلك عبر تطوير البنية التحتية، وتحسين التخطيط، وتقديم خدمات بيئية وإنسانية فعّالة. إن الدمج المتوازن بين هذه الأبعاد، إلى جانب وعي السكان ومشاركتهم الفاعلة، هو ما يجعل من الاستدامة واقعًا حضريًّا قابلاً للتحقق.

  • المدينة الذكية: تُعرف المدينة الذكية بأنها كيان حضري يستخدم تقنيات الحوسبة المتقدمة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات (ICT) لتعزيز كفاءة وترابط مكونات البنية التحتية الحيوية وخدمات المدينة المختلفة، مثل؛ النقل، والمرافق، والتعليم، والرعاية الصحية، والسلامة العامة، والعقارات، وإدارة المدينة. وتتبنى المدن الذكية نهجًا شاملاً يعتمد على التحليل في الوقت الفعلي للبيانات لدعم التنمية الاقتصادية المستدامة وتحسين نوعية الحياة. ويقوم هذا النموذج على التكامل بين الأنظمة متعددة القطاعات، مما يتيح مشاركة فورية للمعلومات بين الجهات الفاعلة، وتقديم خدمات متكاملة تعزز القدرة على العيش والعمل في بيئة أكثر استدامة وابتكارًا. وتُعتبر المدن الذكية منصات لتطبيق الحلول المبتكرة – سواء التكنولوجية أو غير التكنولوجية – بالتعاون مع السكان، من أجل التصدي للتحديات الحضرية في مجالات مثل؛ التنقل، والحوكمة، والبيئة، والمعيشة، والاقتصاد. إن جوهر هذا النموذج يكمن في تفعيل التكنولوجيا كوسيلة لتعزيز الشفافية، والكفاءة، والمشاركة المجتمعية، بما يخلق بيئة حضرية أكثر مرونة واستجابة وارتباطًا باحتياجات سكانها.

  • المدينة الخضراء: هي نمط حضري يتبنى سياسات وإجراءات بيئية واجتماعية مسؤولة تهدف إلى تحقيق مستوى عالٍ من الجودة البيئية والرفاهية المجتمعية. ويعتمد هذا النموذج على تطوير بنية تحتية خضراء تُسهم في استعادة النظم البيئية الحضرية، وتعزيز قدرتها على التعافي، وتوفير مساحات طبيعية مفتوحة تُمكّن السكان من التفاعل مع البيئة بشكل مستدام. وتُقاس كفاءة المدن الخضراء من خلال مجموعة من المعايير، من أبرزها: جودة الموارد البيئية (كالماء، والهواء، والتربة، والتنوع البيولوجي)، وكفاءة إدارة الموارد (مثل المياه والطاقة والأراضي)، إلى جانب قدرتها على الحد من آثار تغيّر المناخ والتكيّف مع مخاطره. كما تراعي السياسات المحلية لهذه المدن السياق الديموغرافي والاجتماعي والاقتصادي، إضافة إلى الخصائص المناخية والجغرافية.

ويُعد تبني نموذج المدن الخضراء (Green Cities Concept – GCC) استراتيجية محورية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، حيث يركّز على تعزيز كفاءة البنية التحتية الحالية، وخفض استهلاك الموارد الطبيعية، وتقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، مع تمكين المجتمعات من المشاركة الفاعلة في عمليات التخطيط وصنع القرار لضمان حوكمة بيئية عادلة وشاملة.

ولتحقيق هذا التحول نحو التخضير الحضري، تتطلب المدن تطبيق مجموعة من الإجراءات المتكاملة، تشمل: الحد من المخاطر الفيزيائية والكيميائية التي تهدد الصحة والبيئة، والسيطرة على التأثيرات البيئية الضارة، وإنشاء بيئات حضرية عالية الجودة تضمن العدالة في التوزيع المكاني للخدمات والمساحات الخضراء.

كما يتطلب الأمر تقليل البصمة البيئية خارج النطاق الحضري، وتعزيز أنماط استهلاك وإنتاج مستدامة، إضافة إلى تطوير القدرة المؤسسية والمجتمعية على التكيّف مع آثار تغير المناخ. إن دمج هذه المحاور يشكل الركيزة الأساسية لبناء مدن أكثر مرونة وخُضرة، قادرة على تحقيق التوازن بين النمو الحضري والعدالة البيئية والاجتماعية.

جدول (1) الفرق بين المدينة المستدامة والمدينة الذكية والمدينة الخضراء

المصدر: مجلة الاستدامة، MDPI2023

المصدر

ثالثًا: الآثار الاجتماعية للمدن المستدامة

  • تحسين جودة الحياة: تحسن التنمية الحضرية المستدامة جودة الحياة بشكل كبير من خلال توفير وسائل نقل عام فعّالة، ومساحات خضراء وافرة، وتحسين الصحة العامة. على سبيل المثال، اشتهرت مدينة كوريتيبا البرازيلية بنظام النقل السريع بالحافلات وحدائقها الواسعة، مما يخفف من الازدحام المروري، ويحسن جودة الهواء، ويعزز نمط حياة صحي ونشط. تساهم هذه العناصر في بناء مدينة أنظف وأكثر ملاءمة للعيش، مما يُعزز المجتمع والرفاهية بين السكان.

  • تقليل المخاطر الصحية: يخفف الحد من التلوث من المخاطر الصحية. تُشير منظمة الصحة العالمية إلى أن انخفاض تلوث الهواء في المدن الأوروبية قد أدى إلى تحسينات صحية كبيرة، بما في ذلك انخفاض معدلات أمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية.

  • تعزيز العدالة الاجتماعية: تُعزز المدن المستدامة الشمولية والعدالة الاجتماعية من خلال تطبيق مبادرات مبتكرة للتخطيط الحضري والمشاركة المجتمعية. وتجسد مدينة ميديلين بكولومبيا، هذا النهج من خلال نظام متروكابل (نظام تلفريك) الذي يربط المناطق الفقيرة بمركز المدينة، والاستثمارات في المساحات العامة والتعليم في الأحياء المهمشة. وقد عززت هذه الجهود التماسك الاجتماعي، وخفضت معدلات الجريمة، مما جعل ميديلين نموذجًا يحتذى به في الشمول الاجتماعي والابتكار الحضري.

المصدر

رابعًا: الحوكمة الحضرية للمدن المستدامة

هي أداة حاسمة لمواجهة التحديات المتزايدة في المدن، مثل؛ الفقر، والسكن، والصحة، والتغير المناخي. ولا يمكن تحقيق تنمية حضرية مستدامة دون أنظمة حوكمة متعددة المستويات تشرك السلطات المحلية والمجتمع المدني في اتخاذ القرار وتنفيذ السياسات، وقد كشفت الأزمات العالمية، وعلى رأسها جائحة كوفيد-19، أهمية التمكين المحلي والعدالة المكانية، كما سرعت الرقمنة من الحوكمة وقت الجائحة، مع ما يتيحه ذلك من فرص لتعزيز الكفاءة والمساءلة، وما يفرضه من تحديات جديدة.

وفي سياق تغير المناخ، تبرز الحاجة إلى نماذج حوكمة محلية مناخية مرنة، قادرة على الاستجابة للصدمات، وتوسيع المشاركة، وتعزيز الثقة المؤسسية. كما تفرض التحديات العابرة للحدود، مثل؛ المناخ والهجرة، دورًا دوليًّا متناميًا للمدن من خلال شبكات التعاون والدبلوماسية الحضرية.

وتواجه الحوكمة المناخية في المدن تحديات معقدة. منها؛ ضعف أدوات التمويل المحلي وعدم تفويض المسؤولية. إضافة إلى محدودية التنسيق بين المستويات الحكومية؛ مما يحد من فاعلية التخطيط المناخي، كما تمثل مشاركة المواطنين تحديًا مستمرًا؛ بسبب تعقيد الآليات وضعف الشفافية. وفي ظل هذه التحديات، تبرز الضرورة الملحّة لتطوير المدن نحو الاستدامة، بما يضمن العدالة المناخية، ويحد من الهشاشة الاجتماعية، ويتطلب ذلك إصلاح الإطار المؤسسي وتعزيز القيادة المحلية لتحقيق تحول حضري مناخي فعّال.

المصدر

أولًا: دور المدن المستدامة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة

أصبح تحقيق أهداف التنمية المستدامة (SDGs) مرهونًا بمدى فاعلية العمل على المستوى الحضري، إذ تحتضن المدن نصف سكان العالم، وتسهم بما يقارب من 70% من الأنشطة الاقتصادية العالمية. وقد أقرت أهداف التنمية المستدامة بالدور المهم للتحضر، مخصصةً هدفًا محددًا هو الهدف الحادي عشر، الذي يركز على “جعل المدن والمستوطنات البشرية شاملة للجميع وآمنة وقادرة على الصمود ومستدامة”. ويُعد هذا الهدف خطوة محورية أولى نحو تمكين المدن.

وعلى الرغم من أن أهداف التنمية المستدامة وضعت على المستوى الوطني، فإن قضاياها المحورية – مثل؛ القضاء على الفقر، تحسين جودة التعليم، تعزيز النمو الاقتصادي، والحد من آثار تغير المناخ – ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالسياق الحضري. فالمدن اليوم تشكل مراكز النشاط الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في العالم، وتؤثر بدرجة كبيرة في القضايا الجوهرية التي تتناولها الأجندة. من هنا، يتطلب تحقيق أهداف 2030 دعمًا حقيقيًّا ومشاركة فاعلة من الحكومات الوطنية والدولية للسلطات المحلية، التي تمثل خط المواجهة الأول في تنفيذ السياسات التنموية.

ويعد التمكين المؤسسي للحكومات المحلية شرطًا أساسيًّا لتسريع وتيرة التقدم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة، لا سيما في المدن التي لا تزال بحاجة إلى دعم مالي وفني، وبناء قدرات فاعلة. فالمراكز الحضرية لم تعد مجرد تجمعات سكانية، بل باتت بمثابة روافع استراتيجية للتنمية العالمية المستدامة.

ويطرح التحضر المتسارع عالميًّا تحديات وفرصًا في آن واحد. فالمدن، من جهة، مسؤولة عن جزء كبير من انبعاثات الغازات الدفيئة، ومن جهة أخرى، تُعد من أكثر النظم تأثرًا بتداعيات تغيّر المناخ. لذا، فإن تمكين المدن، إداريًّا وماليًّا وتكنولوجيًّا، يشكل عاملًا حاسمًا في تحديد ما إذا كان العالم قادرًا على تحقيق أهداف أجندة 2030 أم لا.

 المدن كمحركات للابتكار والتحول نحو الاستدامة

تُعد المدن بيئات معقدة تتداخل فيها الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والبيئية، مما يجعلها مواقع مثالية لتجربة حلول جديدة. وقد أصبحت المدن في السنوات الأخيرة مختبرات للابتكار، مثل؛ الاقتصاد التشاركي، الذي يساهم في حل مشكلات النقل والسكن من خلال مشاركة الموارد بشكل أكثر كفاءة.

ولا يقتصر الابتكار على التكنولوجيا فقط، بل يشمل أيضًا الجوانب الاجتماعية والتنظيمية، مما يساعد على تحسين جودة الحياة وتعزيز العدالة المجتمعية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

تتقدم المدن الطموحة في تقديم خدمات أساسية، مثل؛ النقل العام، والمساحات الخضراء، والهواء النقي، ما يجعلها أكثر جذبًا للسكان والاستثمارات. وفي عصر يعتمد على المعرفة والابتكار، تزداد أهمية المدن التي تعتمد على التنمية المستدامة كمراكز تنافسية عالمية.

المدن كمراكز ديناميكية للاقتصاد وتدفقات الموارد

تلعب المدن دورًا أكبر من مجرد تجمعات سكانية، فهي مراكز رئيسة للاقتصاد وتدفقات الموارد، مثل؛ الطاقة والمياه والغذاء. وبسبب هذا التمركز، تتحمل المدن مسؤولية كبيرة في التحول نحو أنماط أكثر استدامة في الإنتاج والاستهلاك. ويحتاج هذا التحول إلى تنسيق بين مختلف القطاعات، مثل؛ الطاقة المتجددة والنقل وإدارة النفايات، مما يسهم في بناء مدن منخفضة الانبعاثات وأكثر مرونة. المدن التي تدمج البُعد البيئي والاجتماعي في خططها التنموية تصبح قادرة على قيادة التحول الأخضر والمساهمة في تحقيق التنمية العالمية المستدامة.

المصدر

الهدف 11 من أهداف التنمية المستدامة..  تحضر شامل وآمن وقادر على الصمود

يعد الهدف 11 تحولًا نوعيًّا في الأجندة الأممية، إذ يركز للمرة الأولى على البعد الحضري بوصفه مفتاحًا لتحقيق التنمية المستدامة عالميًّا. ويجسد هذا الهدف إدراكًا متزايدًا بالدور المحوري الذي تؤديه المدن في رسم ملامح مستقبل البشرية، ويهدف للوصول لتحضر شامل وآمن وقادر على الصمود بحلول عام 2030، من خلال مجموعة من الأهداف القابلة للقياس، أبرزها:

  • ضمان سكن لائق وميسور التكلفة للجميع، مع تحسين الأحياء الفقيرة وتوفير الخدمات الأساسية، لا سيما في المناطق المهمشة.

  • تعزيز أنظمة النقل الحضري المستدام، من خلال تطوير بنى تحتية مأمونة وميسورة التكلفة، تأخذ في الحسبان احتياجات الفئات الهشة مثل النساء والأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة.

  • تطبيق نهج التخطيط الحضري الشامل والمستدام، القائم على المشاركة المجتمعية والتكامل بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.

  • حماية التراث الثقافي والطبيعي كعنصر أساسي من الهوية الحضرية والاستدامة الثقافية.

  • تقوية قدرة المدن على الصمود أمام الكوارث، عبر تقليل المخاطر وتعزيز التكيف، لا سيما في المجتمعات الفقيرة.

  • الحد من الأثر البيئي للنمو الحضري، خاصة فيما يتعلق بتلوث الهواء وإدارة النفايات الصلبة واستهلاك الموارد.

  • ضمان الوصول العادل إلى المساحات العامة والمساحات الخضراء، بما يُعزّز العدالة الاجتماعية والرفاه المجتمعي.

  • تعزيز التكامل الحضري-الريفي من خلال دعم الروابط الاقتصادية والبيئية والاجتماعية بين المدن ومحيطها، عبر التخطيط الإقليمي المتكامل.

  • تمكين السياسات الحضرية المتكاملة الرامية إلى الاستخدام الفعال للموارد، والحد من آثار تغير المناخ، وبناء مجتمعات قادرة على الصمود، بما يتماشى مع “إطار سنداي للحد من مخاطر الكوارث 2015–2030“.

  • دعم أقل البلدان نموًا من خلال تمويل بناء مستوطنات حضرية مستدامة تعتمد على الموارد المحلية، وتستوفي متطلبات الصمود البيئي والاجتماعي.

ويتم تقييم التقدّم في تنفيذ هذا الهدف من خلال مجموعة من المؤشرات الكمية والنوعية، من أبرزها: نسبة السكان الذين يحصلون على سكن لائق، مستوى جودة النقل العام، مؤشرات تلوث الهواء، وكفاءة إدارة النفايات واستخدام الموارد.

المصدر

ثانيًا: المدن المستدامة في المبادرات العالمية

تزداد الحاجة إلى مبادرات عالمية فعّالة تُعزز من قدرة المدن على لعب دورها كمحرّك رئيس لتحقيق أجندة 2030، ومن بين هذه المبادرات البارزة:

مبادرة مدن أهداف التنمية المستدامة (SDG Cities) : هي إحدى أبرز المبادرات الأممية التي تهدف إلى تسريع تحقيق أهداف التنمية المستدامة في البيئات الحضرية، وبخاصة الهدف الحادي عشر. وتهدف المبادرة إلى تمكين المدن من تحسين جودة التخطيط والإدارة، بناء قواعد بيانات حضرية دقيقة، وتصميم مشاريع حضرية ذات تمويل مستدام وأثر ملموس، ما يجعلها نموذجًا فعّالًا للتعاون بين وكالات الأمم المتحدة والجهات الوطنية والمحلية.

تستهدف المبادرة، في مرحلتها الأولى (2020–2030)، العمل مع نحو 900 مدينة حول العالم، مع التركيز على البلدان الأقل نموًا والدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط، وذلك بهدف تحسين الظروف المعيشية لأكثر من مليار شخص

ويقدر إجمالي تكلفة البرنامج الرئيس بنحو 208.5  ملايين دولار أمريكي على مدى عشر سنوات، ما يعكس حجم الالتزام الدولي تجاه التحول الحضري المستدام، والاعتراف المتزايد بالدور الحاسم الذي تقوم به المدن في أجندة التنمية العالمية.

جدول (2) ميزانية مبادرة مدن أهداف التنمية المستدامة (SDG Cities)

المصدر: (برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية) 2019

المصدر

ثالثًا: الخطة الحضرية الجديدة: إطار عالمي للتنمية الحضرية المستدامة

تم اعتماد الخطة الحضرية الجديدة خلال مؤتمر الموئل الثالث (Habitat III) الذي عقد في كيتو، الإكوادور، في أكتوبر 2016، وأقرت رسميًّا من الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر من العام ذاته، لتشكل رؤية عالمية مشتركة نحو مدن أكثر شمولًا واستدامة. جاءت هذه الخطة امتدادًا لخطة الموئل الثانية التي عقدت في إسطنبول تركيا عام 1996، وهي تهدف إلى توجيه السياسات الحضرية لجميع الفاعلين من حكومات وطنية ومحلية، إلى المجتمع المدني والقطاع الخاص، بما يعزز التنمية الحضرية المنصفة والمستدامة.

تركز الخطة على الربط بين التوسع الحضري المستدام، وتوليد فرص العمل، وتحسين جودة الحياة، وتُعد بمثابة أداة تنفيذية لتسريع تحقيق أهداف التنمية المستدامة، لا سيما الهدف الحادي عشر المعني بجعل المدن شاملة وآمنة وقادرة على الصمود. وقد تم إعداد خطة تضم الدول الأعضاء، ووكالات الأمم المتحدة، والخبراء، وممثلي المجتمع المدني والقطاع الخاص، ما يعكس طابعها الشامل. وتعطي الخطة اهتمامًا خاصًا لرصد التوسع الحضري في الدول النامية، التي يتوقع أن تستوعب 95% من النمو الحضري المستقبلي.

أبعاد الاستدامة في الخطة الحضرية الجديدة

تعتمد الخطة على مقاربة متكاملة ترتكز إلى أربعة أبعاد رئيسة، تسعى إلى تحقيق تنمية حضرية شاملة:

  1. البعد الاجتماعي: تعزيز العدالة الاجتماعية وتمكين الفئات المهمشة، بما في ذلك النساء، الأطفال، كبار السن، المهاجرون، وذوو الإعاقة. وتؤكد الخطة أهمية المساواة بين الجنسين، والإدماج الاجتماعي، والتخطيط الحضري المراعي للاحتياجات العمرية والقدرات المختلفة، لضمان التمثيل العادل لجميع الفئات في عمليات التخطيط وصنع القرار، وتقليص أوجه الإقصاء الحضري.

  2. البعد الاقتصادي: تحفيز النمو الاقتصادي الحضري عبر خلق فرص عمل لائقة، وتعزيز الإنتاجية، ودعم الاقتصاد غير الرسمي، إلى جانب توجيه الاستثمارات نحو البنية التحتية المستدامة والابتكار. كما تُبرز أهمية التكتلات الحضرية في تحقيق وفورات الحجم، وزيادة كفاءة الوصول إلى الأسواق، وخلق بيئة حاضنة لريادة الأعمال والازدهار المحلي.

  3. البعد البيئي: تشدد الخطة على الحفاظ على الموارد الطبيعية والتنوع البيولوجي، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع آثار تغير المناخ، مثل؛ ارتفاع درجات الحرارة، الفيضانات، وندرة المياه. وتروج لحلول مستندة إلى الطبيعة، مثل؛ المساحات الخضراء والبنية التحتية الزرقاء، وتدعو إلى تخطيط بيئي مستدام يضمن مرونة النظم الحضرية في مواجهة الكوارث والضغوط البيئية.

  4. البعد المكاني: تهدف الخطة إلى تحقيق الاستدامة المكانية، ويقصد بها أن تصميم المدينة وموقعها يمكن أن يعززان قدرتها على تحقيق فوائد اجتماعية واقتصادية وبيئية لسكانها.

المصدر

تمويل الخطة الحضرية الجديدة

تشير التقديرات العالمية إلى أن الفجوة التمويلية اللازمة لتطوير البنية التحتية في المدن تتراوح بين 4.5 و5.4 تريليونات دولار، مع توافر نحو 3% فقط من هذا المبلغ من خلال المساعدات الإنمائية الرسمية، مما يفرض على المدن ضرورة البحث عن مصادر تمويل بديلة متنوعة وابتكار آليات جديدة لدعم استثمارات البنية التحتية. في هذا السياق، يلعب البنك الدولي دورًا محوريًّا في تقديم التمويل والدعم الفني للحكومات المحلية والوطنية، حيث يساهم في بناء القدرات المالية والمؤسسية لتمكين المدن من جذب الاستثمارات وتحقيق نمو مستدام. فعلى سبيل المثال، يدير البنك الدولي مشاريع في شرق إفريقيا تقدر بنحو مليار دولار تركز على تعزيز الأداء المالي والمؤسسي في دول، مثل؛ إثيوبيا وكينيا وأوغندا وتنزانيا. كما يمول البنك مشاريع في الدار البيضاء – المغرب لتحسين نظم إدارة الإيرادات وجذب الاستثمارات الخاصة عبر الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وينخرط في دعم مدن مثل جوهانسبرغ -جنوب إفريقيا، وميديلين- كولومبيا لتنويع مصادر التمويل وزيادة العوائد الاجتماعية والاقتصادية للاستثمارات العامة. علاوة على ذلك، تركز مبادرة البنك الدولي لتحقيق الجدارة الائتمانية للمدن على تقوية الأداء المالي للمحليات وإعدادها للدخول إلى أسواق رأس المال المحلية والإقليمية دون الحاجة إلى ضمان سيادي، حيث تم تدريب أكثر من 600 بلدية من 240 مدينة في 25 دولة.

في ضوء هذه الجهود، تؤكد التجارب أن التنمية الإقليمية تشكل ركيزة أساسية لضمان نمو اقتصادي شامل ومتوازن، إذ تنظر إلى المدن بوصفها منظومة مترابطة لا كيانات معزولة تسمح بتحقيق معدلات نمو أسرع وربط السكان بفرص عمل أفضل. ويبرز ذلك في تقارير البنك الدولي حول مناطق شرق آسيا والمحيط الهادئ، وإفريقيا، بالإضافة إلى مبادرات التنمية المتكاملة في كينيا وكولومبيا التي تركز على الاستثمار بالبنية التحتية والإصلاح المؤسسي لتحسين حياة السكان وتعزيز تنافسية المدن.

كما تشهد المدن تزايدًا في تعرضها للكوارث الطبيعية، خصوصًا مع تركز أكثر من 90% منها في المناطق الساحلية المعرضة للأعاصير والفيضانات، مما يتطلب جهودًا مكثفة لتعزيز قدراتها على الصمود أمام تغير المناخ ومخاطر الكوارث. لذلك، استثمر البنك الدولي أكثر من 4 مليارات دولار في إدارة مخاطر الكوارث خلال عام 2017، وساهم في أكثر من 900 مشروع متصل بالمناخ حول العالم، بالإضافة إلى تيسير شراكات عالمية مهمة مثل برنامج القدرة على الصمود بالمدن ومبادرة المدن العشرين، فضلاً عن دعم مبادرات الاستدامة البيئية. وتأتي هذه الجهود ضمن رؤية شاملة تهدف إلى تمكين المدن من خلال التمويل المتنوع، بناء القدرات، التنسيق الإقليمي، ودمج إدارة المخاطر في التخطيط الحضري لضمان قدرات تكيفية عالية تضمن مستقبلًا مستدامًا وآمنًا للسكان.

المصدر

رابعًا: شبكات المناخ العالمية

تشارك المدن العالمية بفعالية في شبكات المناخ الدولية لمعالجة تغير المناخ، رغم أن الحكومات الوطنية قد لا تكون ملتزمة دوليًّا. ويرجع ذلك إلى دور المدن كمراكز للأفكار والسياسات العالمية، وتكاملها في الاقتصاد العالمي، ووعيها بالمخاطر المناخية غير المتكافئة. تتيح هذه الشبكات للمدن تبادل الخبرات، تعزيز التعاون، وبناء القدرات، في ظل غياب حلول محلية منفردة. كما تسهم التفاعلات الدولية في تعزيز التنشئة الاجتماعية البيئية بين صناع القرار المحليين والفاعلين الدوليين. ونستعرض على سبيل المثال شبكة المدن الكبرى لمواجهة التغير المناخي :C40

شبكة C40 مدن تقود العمل المناخي الحضري: هي واحدة من أبرز التحالفات العالمية في مجال العمل المناخي الحضري، تضم نحو 100 مدينة كبرى يقودها رؤساء بلديات ملتزمون بخفض الانبعاثات وتحقيق العدالة المناخية. وتعتمد الشبكة نهجًا علميًّا وتعاونيًّا يستهدف خفض انبعاثات الغازات الدفيئة إلى النصف بحلول عام 2030، انسجامًا مع هدف اتفاق باريس بالحد من الاحترار العالمي إلى 1.5 درجة مئوية، مع التركيز على بناء مجتمعات صحية، عادلة، وقادرة على الصمود.

تستخدم C40 خطط عمل مناخي مبنية على الأدلة، وتعزز من قدرة المدن الأعضاء على تنفيذها من خلال: تيسير الوصول إلى التمويل الأخضر والمستدام. وتشجيع تبادل المعرفة والممارسات الناجحة عبر قطاعات متعددة، مثل؛ النقل والطاقة والبنية التحتية. وتوسيع نطاق تأثير المدن في السياسات العالمية.

وتُمنح عضوية المدن استنادًا إلى أدائها الفعلي في العمل المناخي، من خلال مراجعة سنوية تستند إلى معايير طموحة تشمل تحقيق خفض ملموس في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، والحد التدريجي من دعم الوقود الأحفوري، وتعزيز العدالة المناخية ضمن السياسات والبرامج.

تعد مدن C40 مختبرات للابتكار المناخي الحضري، إذ تعمل على تطوير حلول محلية منخفضة الكربون تستجيب للظروف الاجتماعية والاقتصادية والبيئية لكل مدينة. ومن خلال مبادرات مثل: “البناء النظيف” و”مدن الغذاء الجيد” و”الشوارع الخضراء والصحية”، توسّع المدن نطاق الحلول الحضرية لتشمل الإسكان منخفض الكربون، والغذاء النباتي في المدارس، والنقل العام المستدام.

فمن خلال هذه التجارب، تُبرهن C40 على الدور الحاسم للمدن في قيادة التحول المناخي العالمي، ليس فقط عبر خفض الانبعاثات المباشرة، بل أيضًا من خلال تغيير أنماط الاستهلاك والانتقال إلى خيارات أكثر صحة واستدامة، بما في ذلك الغذاء، السكن، والتنقل. وهكذا، تُسهم المدن في تحقيق انتقال عادل وشامل نحو اقتصاد منخفض الكربون، يعزز جودة الهواء، والصحة العامة، ويخلق فرصًا اقتصادية للمجتمعات المحلية.

شكل (2) تمكين المدن من إنشاء مشاريع مناخية مبتكرة

المصدر: تقرير مجموعة قيادات مدن C40 لمواجهة التغير المناخي (2025)

المصدر

خامسًا: مؤشر المدن المستدامة 2023

يعد “مؤشر المدن المستدامة 2023” أداة تحليلية مرجعية ترصد أداء المدن عبر أبعاد الاستدامة البيئية، الاجتماعية، والاقتصادية. ويشمل 70 مدينة تمثل مختلف الأقاليم الجغرافية، ويرتكز على 12 مؤشرًا كميًّا يعكس الجوانب الأساسية للاستدامة الحضرية، مثل؛ انبعاثات الغازات الدفيئة، تلوث الهواء، الوصول إلى المياه والمساحات العامة، كفاءة النقل، والسياسات المتعلقة بالطاقة المتجددة.

لا تقتصر أهمية هذا المؤشر على التصنيفات التنافسية بين المدن، بل تكمن في قدرته على توجيه السياسات الحضرية وتحفيز صانعي القرار لمراجعة الاستراتيجيات المحلية في مجالات الاستدامة. ومن أبرز ملامح هذا المؤشر دمجه لمتغير “القدرة على التكيف الاجتماعي والاقتصادي” (CKSEAF)، والذي يهدف إلى ضمان تقييم أكثر عدالة يراعي تفاوت مستويات التنمية بين المدن.

وقد أظهرت نتائج أداء المدن في التصنيف العالمي تفوقًا ملحوظًا للمدن الأوروبية، ولا سيما مدن شمال أوروبا، حيث احتلت ستوكهولم -السويد، أوسلو – النرويج، وكوبنهاغن – الدنمارك المراتب الثلاث الأولى بفضل استثماراتها المستدامة طويلة الأمد، وبنيتها التحتية الذكية، وارتفاع معدلات استخدام وسائل النقل منخفضة الانبعاثات. كما جاءت مدينة لآهتي -فنلندا ولندن – إنجلترا ضمن المراتب الخمس الأولى، مما يعكس سياسات مناخية طموحة والتزامها بتنفيذ خطط بيئية متقدمة.

من جانب آخر، سجلت مدن في أمريكا الشمالية وآسيا أداءً نسبيًّا جيدًا، مثل فانكوفر -كندا وسنغافورة- سنغافورة وأوكلاند- نيوزيلندا، وذلك نتيجة جهودها في تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتوسيع الرقعة الخضراء، وتحقيق توازن بين النمو الاقتصادي والحفاظ على البيئة.

 مؤشرات قياس الاستدامة الحضرية: (“كما وردت بمؤشر المدن المستدامة 2023”)

على الرغم من وجود مئات المؤشرات المحتملة لقياس الاستدامة الحضرية، اختارت شركة “كوربوريت نايتس”(وهي شركة كندية متخصصة في الأبحاث والإعلام تركز على الاستدامة) 12 مؤشرًا رئيسًا تمثل خلاصة متوازنة بين البساطة التحليلية وموثوقية البيانات العالمية، موزعة على ثلاثة أبعاد رئيسة: البيئة، البنية التحتية، والسياسات. وفيما يلي عرض لهذه المؤشرات:

  1. انبعاثات الغازات الدفيئة من النطاق الأول للفرد: تقيس الانبعاثات المباشرة من داخل حدود المدينة، مثل النقل والمباني والمرافق، وتعكس مدى الاعتماد على الطاقة النظيفة وكفاءة البنية التحتية.

  2. الانبعاثات المرتبطة بالاستهلاك للفرد: تحسب البصمة الكربونية للسلع والخدمات المستهلكة داخل المدينة، حتى لو أُنتجت خارجيًّا، وتشمل الطاقة، الغذاء، والواردات.

  3. تلوث الهواء بالجسيمات الدقيقة (PM2.5): يقاس بمتوسط التركيز السنوي للجسيمات التي تقل عن 2.5 ميكرومتر، وهي ذات آثار صحية خطيرة. المستوى الموصى به من منظمة الصحة العالمية لا يتجاوز 5 ميكروغرام/م³.

  4. المساحات العامة المفتوحة: تشمل الحدائق والمناطق الخضراء والمرافق الترفيهية، التي تُسهم في تحسين الصحة النفسية والجسدية، وتعزز التماسك الاجتماعي.

  5. الوصول إلى مياه الشرب الآمنة: يقيس نسبة السكان الذين يحصلون على مياه شرب آمنة وفقًا لمعايير الهدف 6.1 من أهداف التنمية المستدامة.

  6. استهلاك المياه للفرد: يعكس مدى كفاءة استخدام الموارد المائية، ويرتبط بالأمن المائي والغذائي والعدالة الاجتماعية.

  7. ملكية السيارات لكل أسرة: مؤشر غير مباشر لمدى اعتماد السكان على وسائل النقل الخاص، وتأثير ذلك على البيئة وجودة الحياة.

  8. كثافة الطرق لكل كيلومتر مربع: تعكس مدى كفاءة البنية التحتية للنقل، إذ ترتبط الكثافة العالية عادة بانتشار عمراني مفرط وتدهور بيئي.

  9. النقل المستدام: يقيس نسبة الرحلات التي تتم عبر وسائل نقل عامة أو نشطة (مشي، دراجات)، ويرتبط بمفهوم “المدينة بـ 15 دقيقة“. والذي يعني أن جميع احتياجات سكان المدينة اليومية تكون متاحة على بعد 15 دقيقة سيرًا على الأقدام أو بالدراجة من منازلهم.

  10. النفايات الصلبة للفرد يوميًّا: يعكس مدى الاستهلاك غير المستدام وكفاءة إدارة النفايات الحضرية.

  11. القدرة على التكيف مع تغير المناخ: يستمد من مؤشر ND- GAIN العالمي، ويقيس مدى استعداد المدينة لمواجهة المخاطر المناخية من خلال السياسات والحوكمة والبنية التحتية.

  12. السياسات البيئية المستدامة: تشمل التزامات المدن بتنفيذ إجراءات محددة، مثل تبني أهداف للطاقة المتجددة، وتوسيع استخدام المركبات الكهربائية، ووضع خطط لتحقيق صافي الانبعاثات الصفرية، أي موازنة الانبعاثات الناتجة مع ما يتم امتصاصه أو التخلص منه للوصول إلى محصلة نهائية تساوي صفرًا. ويجري توثيق هذه الالتزامات عبر قاعدة بيانات CDP، وهي منصة للإفصاح الطوعي تتيح للمدن والمؤسسات مشاركة بياناتها البيئية بشكل شفاف لدعم المساءلة وتعزيز العمل المناخي.

ويعكس “مؤشر المدن المستدامة 2023” تحولًا نوعيًّا في قياس وتقييم الأداء الحضري، حيث لا يكتفي برصد النتائج البيئية، بل يدمج البعد الإنساني والاجتماعي من خلال مؤشرات شاملة وقابلة للمقارنة. وتؤكد نتائجه أن الاستثمار طويل الأمد في الحوكمة البيئية، والبنية التحتية المستدامة، والنقل منخفض الكربون، ينعكس مباشرة على أداء المدن، بغض النظر عن حجمها أو مستوى دخلها.

المصدر

نماذج عالمية للمدن المستدامة:

1. أوسلو: نموذج عالمي للاستدامة الحضرية وريادة العمل المناخي

Leave A Reply

Your email address will not be published.