القرآن لا يبحث عن دولة إسلامية… بل يبني أمة مستخلفة

12

 

مدخل قراني لمشكلات المجتع السوداني

بروفسور طارق الصادق عبد السلام 

منذ أكثر من قرن، ظل سؤال الدولة الإسلامية يحتل مساحة واسعة من الفكر الإسلامي المعاصر، حتى أصبح عند كثير من الناس هو السؤال المركزي للمشروع الإسلامي كله.

وكُتبت مئات الكتب في الإمامة، والخلافة، والحاكمية، والنظام السياسي، ووسائل الوصول إلى السلطة، وأشكال الحكم، بينما بقي سؤال آخر أكثر عمقًا في الظل:

ماذا يريد القرآن أن يبني قبل الدولة؟

وهنا تقودنا القراءة المضمونية للقرآن إلى مراجعة جذرية لترتيب الأولويات.

فمن خلال مشروع التحليل المضموني للقرآن الكريم في ضوء النظام المعرفي القرآني والنسق الاستخلافي العمراني السنني، يتبين أن القرآن لا يبدأ مشروعه بالدولة، بل يبدأ بالإنسان.

فأول قضية في القرآن ليست إقامة الحكم.

بل إعلان الاستخلاف.

قال تعالى:

﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾

إن أول إعلان في القرآن ليس إعلان دولة.

بل إعلان مهمة الإنسان.

ومن هنا يبدأ المشروع كله.

فالقرآن لا يصنع حاكمًا قبل أن يصنع إنسانًا.

ولا يصنع دولة قبل أن يصنع أمة.

ولا يصنع حضارة قبل أن يصنع رؤية للعالم والإنسان والحياة.

ولهذا لم يبدأ الوحي في مكة بالحديث عن الدولة.

بل بدأ بالعقيدة.

وبالمعرفة.

وبتزكية النفس.

وبتحرير العقل من الشرك والخرافة.

وببناء الضمير.

ثم ببناء الجماعة المؤمنة.

ثم بعد ذلك جاءت المدينة.

وجاءت الدولة.

وجاءت التشريعات.

إن هذا الترتيب ليس ترتيبًا تاريخيًا فقط.

بل هو قانون حضاري.

فالقرآن يعلمنا أن الدولة ليست نقطة البداية.

بل ثمرة نضج مشروع أكبر.

وهذا هو ما تؤكده سورة النمل بصورة عملية.

فعندما عرضت نموذج سليمان عليه السلام، لم تبدأ بالعرش.

ولم تبدأ بالقصر.

ولم تبدأ بالجيش.

بل بدأت بالعلم.

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾

ثم انتقلت إلى الشكر.

ثم إلى الإدارة.

ثم إلى تنظيم الدولة.

ثم إلى العلاقات الدولية.

ثم إلى الهداية.

أما السلطة فقد جاءت داخل هذا النسق، لا خارجه.

وهنا يكمن الفارق بين المشروع القرآني، وكثير من المشاريع السياسية الحديثة.

فالقرآن لا يجعل الدولة منتجة للأمة.

بل يجعل الأمة هي التي تنتج الدولة.

ولا يجعل السلطة منشئة للعمران.

بل يجعل العمران هو الذي يمنح السلطة معناها.

ولعل هذا هو أحد أهم أسباب التعثر الذي شهدته بعض التجارب الإسلامية المعاصرة.

فقد بدأ كثير منها من حيث انتهى القرآن.

بدأت بالدولة.

وبالسلطة.

وبتطبيق القانون.

قبل أن يكتمل بناء الإنسان، وتتشكل الثقافة، وتترسخ القيم، وتنضج المؤسسات.

وكانت النتيجة أن الدولة أصبحت تحمل مشروعًا أكبر من قدرتها على حمله.

ومن هنا فإن مراجعة هذه التجارب لا ينبغي أن تنصرف إلى نقد الأشخاص أو النيات، وإنما إلى مراجعة ترتيب البناء نفسه.

فليست المشكلة في السعي إلى إقامة الدين، ولا في الاهتمام بالدولة، وإنما في تقديم الوسيلة على الغاية، والثمرة على الجذور.

إن القرآن لا يختزل الاستخلاف في الدولة.

بل يجعل الدولة واحدة من أدوات تحقيق الاستخلاف.

أما الاستخلاف نفسه فهو مشروع شامل يبدأ بالإنسان، ويمتد إلى الأسرة، والمجتمع، والعلم، والاقتصاد، والأخلاق، والعمران، ثم تأتي الدولة لتحمي هذا البناء، وتيسر أداء رسالته.

ولهذا فإن الأمة قد تضعف دولتها وتبقى حية.

وقد تفقد سلطانها وتبقى رسالتها.

أما إذا فقدت الأمة رؤيتها وقيمها ورسالتها، فلن تنقذها أقوى دولة في الأرض.

ومن هنا فإن سؤال القرآن ليس:

كيف نبني دولة إسلامية؟

بل:

كيف نبني أمة شاهدة تحمل رسالة الاستخلاف؟

فإذا وُجدت الأمة، جاءت الدولة ثمرة طبيعية.

أما إذا غابت الأمة، فلن تستطيع الدولة وحدها أن تصنعها.

ولذلك فإن المشروع الإسلامي ليس مشروع سلطة.

ولا مشروع حكومة.

ولا مشروع قانون مجرد.

إنه مشروع إعادة بناء الإنسان.

ومن الإنسان تُبنى الأسرة.

ومن الأسرة يتكون المجتمع.

ومن المجتمع تنهض الأمة.

ومن الأمة تولد الدولة.

ومن الدولة تنطلق الحضارة.

وهذا هو الترتيب الذي يكشفه القرآن في كل مراحله، ويجسده التطبيق العملي في السيرة النبوية، وتؤكده القراءة المضمونية لسورة النمل.

ومن هنا يمكن أن نصوغ – فيما أرى – أحد أهم القوانين الكلية في النظرية العمرانية الاستخلافية:

كل مشروع يبدأ بالدولة قبل بناء الأمة يحمّل الدولة ما لا تحتمل، وكل مشروع يبدأ ببناء الإنسان والأمة يجعل الدولة ثمرة طبيعية لمسار الاستخلاف، لا نقطة انطلاقه.

وهذا القانون لا يفسر تعثر بعض التجارب الإسلامية المعاصرة فحسب، بل يفتح أيضًا أفقًا جديدًا لإعادة ترتيب أولويات العمل الإسلامي في المستقبل.

فقد آن الأوان أن ننتقل من سؤال:

كيف نصل إلى السلطة؟

إلى سؤال أعظم وأبقى:

كيف نبني الأمة التي إذا امتلكت السلطة أحسنت أداء رسالتها؟

وقصارى القول هذه هي الرسالة الكبرى التي تكشفها سورة النمل في ضوء التحليل المضموني؛ فهي لا تعلمنا كيف نبني دولة قوية فحسب، بل تعلمنا كيف نبني أمة تكون الدولة إحدى مؤسساتها، لا كل مشروعها.

وهذا هو الفارق بين التمكين السياسي الذي قد يتحقق ثم يزول، والاستخلاف القرآني الذي يبدأ ببناء الإنسان، وينتهي ببناء الحضارة.

وهذا المقال يمثل أحد التطبيقات العملية لمشروع “التحليل المضموني للقرآن الكريم في ضوء النظام المعرفي القرآني والنسق العمراني الاستخلافي السنني”، الذي يهدف إلى الانتقال من تفسير موضوعات القرآن إلى اكتشاف نظرياته الكلية، واستخراج القوانين الحضارية التي تحكم الإنسان، والأمة، والدولة، والعمران.

Leave A Reply

Your email address will not be published.