من عمق المشهد | د. ست البنات حسن أحمد تكتب …… معضلة الإنسان والمؤسسة.. لماذا يُبدع السوداني في الشتات ويتعثر في الداخل؟ِ

16

من عمق المشهد | 

د. ست البنات حسن أحمد

معضلة الإنسان والمؤسسة.. لماذا يُبدع السوداني في الشتات ويتعثر في الداخل؟ِ

تستوقف الراصد المنصف للمشهدين الإقليمي والدولي ظاهرة سوسيولوجية لافتة تستحق التفكيك والمساءلة: السطوع الاستثنائي والنجاح الباهر الذي يحققه الإنسان السوداني بمجرد عبوره حدود بلاده.

فبينما ترزح البيئة الداخلية تحت وطأة الاحتراب، والانسداد السياسي، وترهل الجهاز الاداري ، ينطلق العقل السوداني في مهاجر الخليج، وأروقة االجامعات والمعاهد الغربية ، ومنظمات التنمية الدولية؛ فيتصدر المشهد طبيباً حاذقاً، ومهندساً مبتكراً، وإدارياً مؤتمناً، ومفكراً يشار إليه بالبنان. هذه المفارقة الحارقة تضعنا أمام التساؤل الجوهري: هل علة السودان في إنسانه، أم في المنظومة التي تصادر طاقته وتكبّل عبقريته؟

أولاً: شواهد التفوق.. حين تشهد الميادين الدولية

إن تميز الكفاءات السودانية في الخارج لم يعد انطباعاً عاطفياً نتغنى به في مجالسنا، بل حقيقة دامغة تؤكدها سجلات المؤسسات العالمية في القطاع الصحي : يُشكل الأطباء السودانيون واحدة من أكبر وأكفأ الكوادر الطبية غير البريطانية في هيئة الخدمات الصحية الوطنية بالمملكة المتحدة . حيث أثبتت التقارير الرسمية وسجلات النقابات الطبية دورهم الحيوي في إدارة الأقسام الحرجة والتخصصات النادرة، وتصدُّرهم الصفوف الأولى في أصعب الأزمات الصحية؛ كما تشير الدراسات المعنية بهجرة الكفاءات إلى أن السودان رفد المنظومات الصحية في الخليج وأوروبا بآلاف الاستشاريين المشهود لهم بالكفاءة ودقة التشخيص 

في التعليم العالي والبحث العلمي: أسهمت النخب الأكاديمية السودانية منذ عقود في تأسيس وإدارة الجامعات الخليجية، وقيادة مراكز الأبحاث في كبريات الجامعات الأوروبية والأمريكية، فضلاً عن الحضور المشهود لخبرائهم في منظمات الأمم المتحدة، والبنك الدولي، والوكالات الإنمائية إن هذه الوقائع تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الكوادر البشرية السودانية تمتلك جاهزية فطرية وتأهيلية للمنافسة في أرقى البيئات المهنية وأكثرها صرامة..

ثانياً: كيمياء العبقرية.. لماذا يتفجر العطاء في المهاجر؟

إن تفجر هذه الطاقات الاستثنائية خارج الحدود تحكمه حزمة من المحركات البنيوية والقيمية:

تحرير الكفاءة من كوابح الأنساق المغلقة:

   يعاني الداخل السوداني تاريخياً من “فقر المؤسسات” وشيوع المحاصصة، وتسييس الخدمة المدنية، وانعدام معايير الجدارة والاستحقاق. وعندما ينتقل الفرد إلى بيئات تحكمها الحوكمة الصارمة، والشفافية، وتكافؤ الفرص، وتوفر البنية التحتية المحفزة؛ يتحرر العقل من معارك البقاء الصغيرة، وتتلاشى العوائق البيروقراطية، لتتحول طاقة التدافع إلى إنتاج خالص.

  الصلابة النفسية والاستجابة للتحدي:

   صقلت الأزمات المعقدة في الداخل الشخصية السودانية بمرونة استثنائية وجلد عظيم أمام الشدائد. هذه الصلابة—التي كانت تُهدر محلياً في امتصاص الصدمات ومكابدة شظف العيش—تتحول بمجرد وضعها في بيئة نظامية وتقديرية إلى طاقة هائلة للعمل لساعات طوال، والتفوق تحت الضغط، وابتكار الحلول للمعضلات المستعصية.

الرصيد القيمي والأخلاقي (أمانة الاستخلاف):

   يحمل الإنسان السوداني رصيداً قيمياً فريداً يتسم بالنزاهة الفطرية، والترفع، وحفظ الأمانة، وحسن المعشر. في أسواق العمل الدولية، لا تمثل المهارة الفنية سوى نصف معادلة النجاح؛ أما النصف الحاسم فهو “الموثوقية والنزاهة”. هذا الرصيد يمنح السوداني نفوذاً ناعماً فائق التأثير، ويجعله موضع ثقة الإدارات والمجتمعات التي يعمل في كنفها، مما يسرّع ترقيه إلى مواقع التوجيه وصنع القرار..

  المتانة المعرفية والازدواج اللغوي:

   ينحدر الجيل المؤسس والممتد من خلفية تعليمية رصينة زاوجت بين العمق القيمي والثقافي، وبين التمكن اللغوي والانفتاح المبكر على الإدارة باللغة الإنجليزية، مما منح الكادر السوداني مرونة عقلية نادرة سهلت اندماجه في البيئات الأكاديمية والمهنية متعددة الثقافات ..

ثالثاً: المفارقة الأليمة والواجب الاستخلافي

إن الاحتفاء بنجاحات المهاجر والشتات لا ينبغي أن يعمينا عن الوجه المأساوي للصورة: نزيف العقول وهجرة الكفاءات. فالبلد الذي بنى أطباؤه ومهندسوه وأساتذته منظومات تنموية وصحية في أرجاء المعمورة، تفتقر مستشفياته الميدانية اليوم إلى أبسط أدوات الإسعاف، وتتعطل مشاريعه الإنتاجية لغياب التخطيط والخبرة الفنية!

المعضلة ليست في ندرة العقول، بل في «عجز الأنساق الاجتماعية والسياسية عن بناء الوعاء المؤسسي الراشد»؛ فنحن نمتلك “عبقريات فردية مشتتة” تحاصرها “منظومات عامة فاشلة ومأزومة

رابعاً: المقاربة العكسية.. كيف يستثمر السودان عقول شتاته؟

إن الانتقال من خانة التحسّر على “هجرة العقول” إلى مساحات “استرداد المعرفة والخبرات” يُعدّ ركناً أساسياً للتعافي الوطني، حيث يمكن للداخل الاستفادة المباشرة من طاقات الخارج عبر عدة آليات

الدبلوماسية المعرفية والشراكات العابرة للحدود:

• إنشاء منصات تفاعلية وقواعد بيانات مرنة تربط الأطباء والأكاديميين والمهندسين بالداخل لتنفيذ مشاريع مشتركة، وعقد برامج التدريب وتطوير المناهج والخدمات عن بُعد دون الاشتراط بالعودة الدائمة 

• تجهيز البيئة الحاضنة للاستجابة.

صياغة سياسات وطنية ذكية تمنح الكفاءات المهاجرة أدواراً استشارية وتخطيطية في المؤسسات العامة والقطاع الخاص، واستثمار شبكات علاقاتهم الدولية لجذب الاستثمارات وتسهيل التمويل التنموي بالاضافة الى إعادة ترتيب البيئة المؤسسية والتنفيذية محلياً لتكون مرنة وقادرة على استيعاب تلك الحلول والابتكارات القادمة من الخارج وتطبيقها بفعالية.

كلمة أخيرة.. في الميزان

إن ملحمة الشتات السوداني تؤكد حقيقة قطعية: علة هذا الوطن لم تكن يوماً في شح موارده ولا في عقم كفاءاته، بل في غياب الإرادة المؤسسية التي ترعى الإنسان وتستثمر كرامته.

إن الرهان الحقيقي لمعركة ما بعد الحرب وإعادة الإعمار لن يتاتى بمجرد استدعاء المساعدات الخارجية، بل بابتكار “معادلة استرداد وطنية”؛ تبدأ بتفكيك بيئة الطرد والتهميش، وتأسيس دولة القانون والاستحقاق والجدارة، وبناء شراكات ذكية مع هذا الشتات الملهم لربط خبراته العالمية بمسارات التنمية المحلية ..

حين ننجح في بناء المؤسسة الحاضنة، فلن نكون بحاجة إلى هجرة أبنائنا لكي يُبهروا العالم، بل ستتفجر ينابيع تلك العبقرية في أرضها وفي موطنها الأصيل، لتبني وطناً يليق بإنسانه وبأمانة استخلافه ..

Leave A Reply

Your email address will not be published.