مدخل قراني لمشكلات المجتمع السوداني  | أ. د طارق الصادق عبد السلام ……. العدل أساس الاستخلاف لا مجرد وظيفة قضائية

14

مدخل قراني لمشكلات المجتمع السوداني 

أ. د طارق الصادق عبد السلام 

*العدل أساس الاستخلاف لا مجرد وظيفة قضائية*

 

لماذا يختزل كثيرون مفهوم العدل بينما يجعله القرآن أساس قيام الدولة؟

لا يكاد يختلف اثنان على أن الإسلام يدعو إلى العدل، لكن الاختلاف يبدأ عندما نسأل: ما هو العدل في الرؤية القرآنية؟

ففي كثير من الأدبيات السياسية والفقهية المعاصرة يُختزل العدل في القضاء، أو في الفصل بين الخصومات، أو في إصدار الأحكام. ومع أهمية ذلك كله، إلا أن القرآن يقدم مفهومًا أوسع بكثير؛ فالعدل ليس وظيفة من وظائف الدولة، بل هو النسق الذي تنتظم به الدولة كلها.

ومن خلال مشروع التحليل المضموني للقرآن الكريم في ضوء المشروع العمراني الاستخلافي السنني، تكشف سورة النمل عن هذا المعنى دون أن تقدم درسًا نظريًا في السياسة، وإنما من خلال بناء النموذج نفسه.

فلم يكن سليمان عليه السلام ملكًا عادلًا لأنه امتلك قضاءً قويًا فحسب، بل لأن منظومة الحكم كلها كانت قائمة على العدل.

فالعدل بدأ في تلقي المعلومة، حين لم يُدِن الهدهد ولم يصدقه مباشرة، وإنما قال:

﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾

وهذا عدل في التثبت.

ثم ظهر العدل في العلاقات الدولية؛ فلم يبدأ بالحرب، بل بدأ بالدعوة والحوار وإقامة الحجة.

وظهر العدل في إدارة القوة؛ فلم يستخدم القدرة العسكرية لإشباع رغبة شخصية أو توسيع نفوذ، وإنما جعل القوة خادمة للحق لا بديلًا عنه.

بل إن العدل بلغ ذروته عندما انتهت القصة بهداية ملكة سبأ وقومها، لا بإبادتهم أو إذلالهم.

وهنا يكشف القرآن عن حقيقة عميقة؛ فالعدل ليس مجرد إنصاف بين متخاصمين، وإنما هو وضع كل شيء في موضعه الصحيح؛ العلم في مكانه، والقوة في مكانها، والرحمة في موضعها، والعقوبة في موضعها، والسلطة في خدمة الرسالة لا في خدمة الذات.

ولهذا كان القرآن يربط دائمًا بين العدل والاستخلاف.

قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾

وقال سبحانه:

﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾

فلم يجعل الاستخلاف شرفًا مجردًا، وإنما قرنه مباشرة بالعدل.

ولعل هذا ما تحتاج إليه المجتمعات الإسلامية اليوم أكثر من أي وقت مضى.

فقد انشغل كثير من الخطاب السياسي بالحديث عن الهوية الإسلامية، وعن تطبيق الشريعة، وعن المرجعية الدينية، وهي قضايا مهمة، لكن التجارب العملية أثبتت أن رفع هذه الشعارات لا يكفي لبناء دولة عادلة إذا غابت العدالة عن بنية المؤسسات نفسها.

وقد أظهرت التجربة السودانية، كما أظهرت تجارب أخرى، أن الدولة قد ترفع شعار الشريعة، لكنها إذا ضعف فيها العدل في توزيع الفرص، أو في تعيين الكفاءات، أو في إدارة المال العام، أو في محاسبة المسؤولين، فإنها تدخل في مسار التآكل الداخلي، لأن السنن الإلهية لا تفرق بين من يرفع شعارًا ومن يحقق مقتضاه.

إن أخطر صور الظلم ليست فقط ظلم الأفراد، وإنما ظلم المؤسسات، حين تصبح الأنظمة نفسها منتجة للتمييز، أو الاحتكار، أو الفساد، أو تعطيل الكفاءات.

ومن هنا يصبح العدل قضية إدارية، واقتصادية، وتعليمية، وإعلامية، قبل أن يكون قضية قضائية.

فالعدل في التعليم هو أن تُمنح الفرص على أساس الاستحقاق.

والعدل في الإدارة هو أن تُسند المسؤوليات إلى أهلها.

والعدل في الاقتصاد هو أن تُصان الأموال العامة وتُمنع الامتيازات غير المستحقة.

والعدل في السياسة هو أن تخضع السلطة للقانون الذي تُلزم به الناس.

ولهذا فإن إقامة القضاء العادل، مع فساد بقية مؤسسات الدولة، لا يحقق المقصد القرآني؛ لأن القرآن يريد دولة عادلة، لا مجرد محاكم عادلة.

ومن هنا يمكن استخلاص أحد القوانين الكبرى في النظرية العمرانية الاستخلافية:

كلما اتسعت مساحة العدل في مؤسسات الدولة، ازداد رسوخ الاستخلاف، وكلما تحول العدل إلى وظيفة معزولة داخل جهاز القضاء، بدأت الدولة تفقد توازنها ولو بقيت شعاراتها على حالها.

إن القرآن لا يجعل العدل مرحلة تأتي بعد قيام الدولة، بل يجعله الأساس الذي تُبنى عليه الدولة منذ لحظة نشأتها. ولذلك فإن إصلاح القضاء وحده لا يكفي إذا بقيت بقية مؤسسات الدولة تعمل بمنطق الامتيازات أو الولاءات أو تغليب المصالح الخاصة على المصلحة العامة.

إن الاستخلاف يبدأ بالعدل، ويستمر بالعدل، ولا يبقى إلا بالعدل.

وهذا المقال يمثل أحد التطبيقات العملية لمشروع “التحليل المضموني للقرآن الكريم في ضوء المشروع العمراني الاستخلافي السنني”، الذي يسعى إلى إعادة بناء المفاهيم السياسية والاجتماعية من القرآن الكريم، واستخراج القوانين الكلية والسنن العمرانية التي تحكم قيام الدول واستقرارها، بعيدًا عن الاختزال الفقهي أو التوظيف السياسي للنصوص.

Leave A Reply

Your email address will not be published.