صحيفة صوت الشمالية | شيء للوطن | صلاح غريبة يكتب ……. سيادة الأوطان لا تُباع بمليارات الذهب

269

شيء للوطن
م.صلاح غريبة
Ghariba2013@gmail.com

سيادة الأوطان لا تُباع بمليارات الذهب

في المنعطفات التاريخية الكبرى التي تمر بها الأمم، لا تُقاس قيمة الشعوب والكيانات بما تملكه من أرصدة، بل بما تحمله من مبادئ صلبة تتكسر عليها أمواج الإغراءات. وما حدث مؤخراً في كواليس السياسة والمال تجاه “اتحاد أبناء إحدى أعرق قبائل الشمال السوداني بالمهجر” يمثل درساً بليغاً في مفهوم “الوطنية الأخلاقية” التي ترفض المقايضة على الثوابت، مهما كان الثمن المعروض باهظاً يسيل له اللعاب.

لقد كشفت التقارير الواردة عن محاولات مستميتة من أطراف إقليمية وسياسية لضم هذا المكون الاجتماعي الوازن إلى صفوفها، مستخدمةً في ذلك ترسانة من الوعود التي تبدو في ظاهرها “تنموية” وفي باطنها “ارتهان القرار الوطني“. أن يُعرض مبلغ مليار يورو، وإنشاء مستشفيات حديثة، ومصانع أدوية، بل وفتح فروع لجامعات عالمية وتسهيلات سفر دولية، ليس مجرد “عرض سياسي“، بل هو محاولة صريحة لشراء “شرعية شعبية” تفتقدها تلك الجهات.

اللافت في الأمر ليس ضخامة العرض المادي فحسب، بل الشروط التي وضعت في المقابل، والتي تمس صميم النسيج الاجتماعي والوطني بوقف الدعم الإنساني، اشتراط التوقف عن إعالة النازحين ودعم “التكايات” (المطابخ الخيرية) هو محاولة لضرب قيم التكافل التي تميز المجتمع السوداني، وشيطنة المؤسسة العسكرية، بمحاولة فرض مسمى “الفلول” على الجيش الوطني وطلب التوقف عن دعمه، يهدف إلى عزل المكونات القبلية عن مؤسسات الدولة الرسمية، بالاضافة الى الانسحاب من قضايا الوطن: مقابل الرفاهية الموعودة، طُلب من أبناء هذه المنطقة الانزواء بعيداً عن هموم بقية أجزاء الوطن وتفكيك ترابطهم التاريخي مع جيرانهم.

لقد جاء رد الاتحاد صادماً لكل من يظن أن “كل شيء له ثمن“. فبالرغم من حاجة مناطق الشمال الماسة للخدمات والمستشفيات، إلا أن الموقف كان حازماً: “نحن أحفاد ملوك، ومعدننا ذهب لا يصدأ بالخيانة”.

هذا الموقف يعيد الاعتبار لمفهوم “المواطنة” في أسمى تجلياتها؛ حيث تم رفض العرض جملة وتفصيلاً بناءً على أسس أخلاقية ووطنية، برفض الوصاية الثقافية مع التمسك بالقيم المحافظة والهوية السودانية الأصيلة في اللقاءات الرسمية، والتمسك بالجيش الوطني والتأكيد على أن الجيش هو جيش الوطن لا جيش حزب أو فئة، بالاضافة الى استمرارية العطاء: رفض التوقف عن إغاثة المنكوبين، لأن العمل الإنساني واجب أخلاقي لا يخضع للمساومات السياسية.

إن استغراب البعض وذهولهم من رفض هذا العرض الفلكي (مليار يورو ومرتبات شهرية بالدولار للأفراد) يكشف عن فجوة عميقة في الفهم. هؤلاء لا يدركون أن “عقلية الوطن” تختلف عن “عقلية السوق“. الشخص الذي تساءل: “هل هناك عاقل يرفض هذا العرض؟” لا يفهم أن العقل الحقيقي هو الذي يدرك أن التنمية التي تأتي على أنقاض الوطن هي تنمية وهمية، وأن المال الذي يُدفع مقابل الولاء السياسي هو قيد سيتحول يوماً إلى وبال.

الخلاصة: إن موقف أبناء هذا الكيان العريق يمثل بوصلة لكل السودانيين في الداخل والخارج. الوطن ليس عقاراً معروضاً للبيع لأعلى سعر، والكرامة الإنسانية لا تُقايض بمستشفى أو جامعة. ستظل هذه المواقع التاريخية شاهدة على أن السودان، برغم جراحه، يمتلك رجالاً وكيانات عصية على الانكسار والشراء.

مصدر المقال

لتصفح صحيفة صوت الشمالية العدد 442 الصادر يوم الخميس 08 يناير 2026، مستخدما تطبيق Google drive،أضغط هنا ……..!

Leave A Reply

Your email address will not be published.