صحيفة القوات المسلحة | شيء للوطن | صلاح غريبة يكتب …….. “مسيرات الدبة”: حين يغتال البارود فرحة العيد

774

شيء للوطن
م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com

“مسيرات الدبة”: حين يغتال البارود فرحة العيد

لم تكن شمس أول أيام عيد الفطر في مدينة الدبة بالولاية الشمالية تشبه سابقاتها؛ فبدلاً من أن تستيقظ المدينة على تكبيرات العيد وضحكات الأطفال، استيقظت على دوي الانفجارات وأزيز الطائرات المسيرة التي لم تحترم حرمة الزمان ولا قدسية المناسبة. إن استهداف “الدبة” في هذا التوقيت بالذات ليس مجرد حدث عسكري عابر، بل هو طعنة في خاصرة السلم الاجتماعي، ومؤشر خطير على تحول المنشآت المدنية إلى أهداف مستباحة في صراع لا يفرق بين ثكنة عسكرية وقاعة دراسية.

إن ما حدث في الدبة، من استهداف مباشر لكلية الهندسة والمرافق الخدمية، يعيد إلى الأذهان التساؤل الأخلاقي والحقوقي الملح: إلى متى يظل المدني العزل هو الضحية الأولى لوسائل القتال الحديثة؟
إصابة ثلاثة مدنيين وتضرر مؤسسة تعليمية عريقة مثل كلية الهندسة يثبتان أن استراتيجية “نقل المعركة” باتت تعتمد على ترهيب الآمنين وضرب البنية التحتية التي هي ملك للشعب وحده، وليست ملكاً لأي طرف متصارع.
اختيار أول أيام العيد يحمل رسالة سلبية قاسية؛ فهي محاولة متعمدة لكسر الروح المعنوية للسودانيين الذين حاولوا انتزاع لحظة فرح وسط ركام الأزمات. أما استهداف الولاية الشمالية ومدن مثل الدبة، فيشير إلى توسيع رقعة النزاع بالرغبة في جر مناطق كانت تنعم باستقرار نسبي إلى دائرة الفوضى بالاعتماد المتزايد على “حرب المسيرات” التي تتجاوز خطوط المواجهة التقليدية لتصل إلى عمق المدن، مما يفرض تحدياً أمنياً وتقنياً جديداً على السلطات المحلية والقوات المسلحة.
بينما تؤكد السلطات المحلية في الدبة جاهزيتها واستنفارها، يبقى العبء الأكبر في حماية “الأعيان المدنية”. إن القوانين الدولية تجرم بوضوح استهداف المنشآت التعليمية والطبية، وما حدث يضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليته في إدانة هذه التجاوزات التي تطال حياة الناس اليومية وسبل عيشهم.
وعلى الجانب الآخر، تبرز أهمية التماسك المجتمعي؛ فالتوتر الذي ساد بين المواطنين عقب الانفجارات يتطلب شفافية في التعامل الأمني، وتعزيزاً لتدابير الحماية المدنية، لضمان ألا تتحول المدن الآمنة إلى ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات.
خلاصة القول: إن استهداف الدبة هو جرس إنذار بأن الحرب لم تعد تكتفي بالتهام المقاتلين، بل باتت تترصد بمستقبل الأجيال عبر ضرب كلياتهم، وفرحتهم عبر استهداف أعيادهم. إن حماية المدنيين ليست “خياراً”، بل هي التزام أخلاقي وقانوني يجب أن يسبق أي حسابات سياسية أو عسكرية.

مصدر المقال

القوات المسلحة – الأحد ٢٢-٣- ٢٠٢٦م

Leave A Reply

Your email address will not be published.