بابكر عيسى أحمد يكتب : السودان … البحث عن الوطن المفقود!

644

السودان … البحث عن الوطن المفقود!

الأحد ، 4 مايو 2025
بقلم/ بابكر عيسى أحمد

بكلمات تقطر شهداً قال المبدع الفلسطيني الراحل محمود درويش أن “الوطن أن احتسي قهوة أمي وأن أعود في المساء” … كثيرون تحدثوا بكل الحب والعرفان عن الأوطان في مختلف أرجاء المعمورة، وبعض هؤلاء المبدعين ربطوا بين الوطن والغربة عنه … وهي غربة قاسية وموجعة لأنها تنتشل الإنسان من الحضن الدافئ الذي نشأ وترعرع فيه وتذوق خلاله حليب أمه وتعلم الرجولة من ضمير الوطن الجماعي بمسؤولية واقتدار.
اذكر أن الفنان السوداني الكبير الراحل عبدالكريم الكابلي وصف الغربة بأنها “اقسى نضال” فيما قال عنها الموهوب الراحل الفنان محمد وردي بأن “الغربة عصيبة” … وقال كثيرون كلاماً موجعاً يجعل الدمع يسيل في المآقي والعبرات تتسلق جدار الحلق … فالغربة هي البعد والهجر وهي المسافة الممدودة بين ضفائر الوطن وعيون المعشوقة التي تبقى هناك بين وهج الإنتظار وحزن الترقب.
الوطن الآن يحترق وتحول السودان إلى شعلة ملتهبة وتمدد اللهيب المتوهج في صدور ابنائه وبناته حتى تحول الوطن إلى أحلام وأخيله وطموحات وتطلع … الوطن ليس فقط قطعة الأرض الممتدة في كل الإتجاهات … إنه ذلك الحنين للدروب القديمة ولدفء القبيلة ولعيون الأحباب … الوطن هو بسمة الحبيبة وفرحة الأم بعودة الأطفال وزغرودة الفرح في أرجاء المدينة الناعسة والمهددة بوقع أقدام برابرة العصر الحديث في زمن الفوضى والإنفلات والإحتراب الذي دمر كل ما تم بناءه عبر سنوات من العطاء الوطني والتكاتف الحميم بين جميع مكونات الشعب.
الوطن هو كل الأشياء الجميلة وكل الفرح المؤجل … الزغرودة تحتاج إلى مساحة من الفضاء … وإلى صدى لإيقاعات الزمن الراقص … وإلى مناخات تجعل الفرح ممكناً، عندما تتأخر مواسم الحصاد وتتباطأ مواعيد العودة ويتراجع زمن الفرح تزحف الكارثة نحو كل العيون مثل أسراب همجية من الجراد الوحشي الذي لا يرحم الخضرة … عندما تتحول الجدران النباتية إلى ألواح من صفيح وبوابات من الحذر واسمنت من الخوف، تذبل الأزهار اليانعة ويتشرد الأطفال وسط الشوارع المتربة المزروعة بالشك والريبة وعدم اليقين.
عندما نذكر سنوات الحرية والعافية تطفوا قوافل الحزن فوق الأهداب، وتبقى علامات الفرح القادم متوهجة في العيون، ويبقى الهتاف من أجل الوطن الغد … ومن أجل فجر بلا خوف وبلا أحزان وبلا أقبية مظلمة ويبقى التطلع إلى ضياء يشكل يقظة الأمة لتنفض عن كواهلها تراب العجز والإتكالية والهوان.
أخبار الوطن تشير إلى تدمير محطات توليد الطاقة الكهربائية وانعدام محطات المياه الصالحة للشرب وللإستخدام البشري ونهب المستشفيات وتدمير المراكز الصحية ومحاصرة المدن التي كانت أمنة ونهب الأسواق وتهجير السكان والأهالي إلى وجهات بعيدة … وحتى مخيمات اللجوء لم تسلم من عبث المليشيات التي تعربد بالرصاص فوق رؤوس الأطفال والنساء والعجزة.
السؤال الجوهري هو إلى متى سيظل العالم صامتاً بدرجة التواطؤ على هذه المذابح التي تمتد من فلسطين إلى السودان إلى اليمن؟ وإلى متى سيظل العالم الغربي عاجزاً عن وضع حد لهذه المذابح التي تستهدف الإنسان في اكثر من مكان؟
إن ما يحدث جريمة مكتملة الأركان … حرب التجويع جريمة، وحصار المدن جريمة … والإستهزاء بمؤسسات الشرعية الدولية جريمة … وانكسار الضمير الإنساني جريمة … وغض الطرف عن الجرائم اللإنسانية جريمة يدينها الحاضر وسيسجلها التاريخ كأبشع صور الذل والمهانة … وتبقى تضحيات الشعوب التي تناضل ضد الظلم والعدوان أوسمة في صدور الرجال الشجعان.
غياب الضوابط الأخلاقية وانهيار منظومة القيم في عالم اليوم تثير الدهشة والغرابة … والأعجب هو الصمت الذي يتسربل بين العالمين العربي والإسلامي وكأنما يحدث هنا وهناك لا يعنيهم في شيء وهذا جزء من المحنة التي نعيشها في الزمن الراهن … أجد نفسي شديد الخجل في مواجهة التظاهرات التي تنتظم عدد من العواصم الغربية ضد العربدة الصهيونية وضد الدعم الأمريكي الفاضح وضد الصمت العربي والإسلامي.
بدأت هذا المقال بالحديث عن الوطن والغربة … فالوطن هو الجوهرة المفقودة في زمن التشرد والغربة هي الإبحار بعيداً عن عيون الوطن … واعتقد صادقاً أن حق العودة إلى احضان الأوطان حق مقدس مهما كانت الصعوبات والتحديات.
يبقى أن ما يحدث في السودان جرحاً مفتوحاً ينزف دماً طاهراً، وتبقى عيون أبناء السودان يتطلعون للعودة إلى احضانه الدافئة لتأخذ الحياة دورتها الكاملة وتتشابك الأيدي كل الأيدي بعيداً عن صوت الكراهية والدعوات العنصرية ليعيدوا بناء الوطن الذي يحلمون به وحتى لا يبقى وطناً مفقوداً … فالأوطان أمانة في أعناق كل الأحرار.

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.