صحيفة صوت الشمالية | شيء للوطن | صلاح غريبة يكتب ……. بناء رغم الجراح: “زادنا” ومعركة التعمير في الشمال

(الصورة المرفقة غير حقيقية، معالجة بالذكاء الاصطناعي)

شيء للوطن
م. صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com

بناء رغم الجراح: “زادنا” ومعركة التعمير في الشمال

بينما تضج الساحة السودانية بأصوات المدافع، وتنشغل الأذهان بمآلات الصراع المسلح، تبرز في الأفق إشارات قوية تحمل دلالات تتجاوز الفعل الاستثماري المباشر، لتلامس جوهر الصمود الوطني والإرادة السياسية والاقتصادية في وجه التحديات. الزيارة الأخيرة التي قام بها وفد رفيع من شركة “زادنا” العالمية للاستثمار إلى الولاية الشمالية، لم تكن مجرد جولة تفقدية لمواقع عمل، بل هي “رسالة بناء” شديدة الوضوح في توقيت استثنائي، تؤكد أن معركة الإعمار لا تقل ضراوة عن معارك الميدان.

إن الالتزام الذي أبدته الشركة بتكملة مشروعاتها في مجالات البنية التحتية، الطرق، الزراعة، والصحة، وفي ظل ظروف الحرب الراهنة، يمثل صفعة قوية لكل محاولات التعطيل والتخريب التي استهدفت أصول الشركة وممتلكاتها. ففي الوقت الذي استهدفت فيه “المليشيا المتمردة” البنية الاقتصادية للدولة، تختار هذه المؤسسة الوطنية الكبرى الرد عبر “اللغة العملية“؛ وهي لغة الجرارات والمدرجات والمستشفيات، مؤكدة أن عجلة التنمية في السودان، رغم تعثرها بفعل الأزمات، إلا أنها لا تتوقف.

عندما نتأمل في خارطة المشروعات التي يجري العمل عليها في دنقلا وغيرها من مدن الولاية، نجد تنوعاً استراتيجياً يلمس صلب حاجة المواطن السوداني. فتشييد مستشفى مرجعي للأطفال بمساحة ضخمة وتكلفة مليونية، بتمويل قطري مقدر، ليس مجرد جدران ترتفع، بل هو استثمار في مستقبل الأجيال وتوطين للعلاج في ظل الضغط الهائل الذي يعاني منه القطاع الصحي القومي. كما أن تطوير مدرج مطار دنقلا الدولي وتأهيل الطرق الداخلية، يمثلان شريان الحياة لربط الولاية بالعالم الخارجي وبقية الأقاليم، مما يعزز من فرص التبادل التجاري وتدفق الاستثمارات.

إن الذكاء في إدارة هذه المرحلة يتجلى في التنسيق العالي بين السلطة التنفيذية بالولاية والقطاع الاستثماري. الاتفاق على تشكيل لجان مشتركة للإشراف المباشر، وتذليل العقبات اللوجستية مثل توفير “الكسارات” والمعدات، يعكس روح الشراكة الوطنية المطلوبة للخروج من عنق الزجاجة. الدولة بمؤسساتها الاستثمارية والخدمية مطالبة اليوم بالتحرك بمرونة القطاع الخاص وحزم القطاع العام.

لكن الأهم في هذا الحراك هو “المسؤولية المجتمعية“. فتعهد الشركة بتشييد مدارس ابتدائية والمساهمة في الخدمات العامة، يرسخ مفهوم جديد للاستثمار؛ وهو الاستثمار الذي لا يكتفي بالربح، بل يسعى لبناء المجتمع وحماية نسيجه. إن الأصول الكبيرة التي تمتلكها الشركة في الولاية الشمالية ليست مجرد أرقام في ميزانيات، بل هي أدوات لنهضة زراعية وصناعية موعودة، وهو ما أكدته الزيارة الميدانية للمشروعات الزراعية في جنوب الولاية.

إننا أمام مشهد “التعمير في زمن الحرب“. وهو مشهد يبعث بالأمل في نفوس السودانيين، بأن هناك من يفكر في “ما بعد الحرب” بينما الحرب لا تزال تضع أوزارها. إن إصرار شركة “زادنا” على العمل رغم استهداف أصولها، هو تأكيد على أن مؤسسات السودان الوطنية عصية على الانكسار، وأن الولاية الشمالية، بمواردها واستقرارها النسبي، مهيأة لتكون قاطرة التنمية والاقتصاد في المرحلة المقبلة.

ختاماً، إن ما يحدث في الشمالية هو نموذج يجب أن يحتذى في كافة الولايات الآمنة. التنمية هي الحصن المنيع ضد الفوضى، والإعمار هو الرد الحقيقي على الدمار. إنها معركة إرادة، يبدو أن السودانيين، بمؤسساتهم الرائدة، قد قرروا خوضها حتى النهاية؛ إيماناً بأن الأرض التي تروى بعرق البناء، لن تغلبها نار الخراب.

مصدر المقال

صوت الشمالية 521

Comments (0)
Add Comment