صحيفة صوت الشمالية | شيء للوطن | صلاح غريبة يكتب …… ناقوس الضنك: الوعي المجتمعي خط الدفاع الأول

شيء للوطن
م.صلاح غريبة
Ghariba2013@gmail.com

ناقوس الضنك: الوعي المجتمعي خط الدفاع الأول

بينما ننشغل بتفاصيل حياتنا اليومية، يتسلل “زائر ثقيل” يهدد أمننا الصحي في الولاية الشمالية؛ فالتزايد المستمر في حالات الإصابة بحمى الضنك، والتي بلغت مؤخراً (96) حالة تراكمية، يضعنا جميعاً أمام مسؤولية تاريخية. إن هذا الارتفاع، وإن كان محصوراً في مناطق محددة حتى الآن، ليس مجرد رقم في تقرير وبائي، بل هو إنذار مبكر يستوجب استنهاض الهمم وتوحيد الجهود قبل أن يتسع الرقع على الراقع.

من يراقب المشهد يجد تحركاً رسمياً مكثفاً؛ فغرف الطوارئ في حالة انعقاد دائم، وصناديق الإمدادات الطبية تؤكد توفر المخزون الدوائي، والحملات الميدانية للمسح الحشري بدأت تجوب القرى والأحياء من “دنقلا” إلى “القولد” و”مروي“. هذا الجهد المؤسسي المقدر، الذي يشمل تفتيش المنازل ورصد بؤر التوالد، يمثل “الذراع الفنية” للمواجهة، لكنه يظل ناقصاً ما لم يكتمل بـ “الذراع المجتمعية“.

إن الدولة ووزاراتها وكوادرها المتطوعة -الذين يعملون حتى في نهارات رمضان- لا تملك عصا سحرية لدخول كل منزل وتجفيف كل آنية ماء مكشوفة. هنا تبرز الحقيقة الجلية: المواطن هو الشريك الاستراتيجي والمنفذ الحقيقي لخطط المكافحة.

حمى الضنك ليست قدراً لا يرد، بل هي وباء يرتبط وثيقاً بسلوكنا داخل البيوت. الرصد العلمي يشير إلى أن “البعوضة” التي تنقل المرض لا تحتاج إلى مستنقعات كبرى، بل تكفيها قطرات من المياه الراكدة في “زير” غير مغطى، أو وعاء مياه منسي، أو حتى إطارات تالفة خلف المنزل.

لذا، فإن شعار “بالتجفيف.. الحمى تقيف” ليس مجرد قافية لغوية، بل هو وصفة طبية وقائية متكاملة، تشمل التفتيش المنزلي الذاتي، فلا تنتظر وصول فرق المسح، كن أنت المفتش الصحي في بيتك، كما يجب التخلص من الركود وتجفيف أماكن توالد البعوض هو أقصر طريق لكسر حلقة العدوى، والاستجابة للإرشادات والتعامل بجدية مع حملات التوعية في المساجد والأسواق والالتزام بالتحوطات اللازمة.

ما يبعث على الطمأنينة هو ذاك “التكاتف المجتمعي” الذي أشاد به المسؤولون؛ فمشاركة متطوعي الهلال الأحمر، وفصائل الإسناد المدني، والشباب في الأحياء، تعكس وعياً فطرياً بخطورة المرحلة. إن تحويل هذا الحماس إلى “ثقافة يومية” هو الضامن الوحيد لعدم تسجيل حالات وفاة و حصر الوباء في أضيق نطاقاته.

خلاصة القول: إن المعركة ضد حمى الضنك لن تُحسم فقط في قاعات الاجتماعات أو خلف ميكروبات المختبرات، بل ستُحسم في وعي كل رب أسرة وكل شاب في حيه. نحن أمام تحدٍّ يتطلب “نفير صحي” شامل، تذوب فيه الفوارق وتتحد فيه الجهود، لنعلن في القريب العاجل خلو ولايتنا من هذا الوباء.

الوقاية لا تكلف شيئاً، لكن العلاج قد يكلف الكثير.. فلنبدأ من بيوتنا الآن.

مصدر المقال

صوت الشمالية 477

Comments (0)
Add Comment