صحيفة النيل الدولية | شيء للوطن | صلاح غريبة يكتب …….. أحياء السودان البرية: إرثٌ يصارع الحرب وأملٌ في الإعمار

شيء للوطن
م.صلاح غريبة
Ghariba2013@gmail.com

أحياء السودان البرية: إرثٌ يصارع الحرب وأملٌ في الإعمار

في الثالث من مارس كل عام، يحتفي العالم باليوم العالمي للأحياء البرية، وهو التاريخ الذي يخلّد ذكرى توقيع اتفاقية “سايتس” (CITES) عام 1973. وبينما ترفع الأمم المتحدة شعارات الاستدامة والابتكار التكنولوجي لحماية الأنواع، يقف السودان في لحظة فارقة من تاريخه، حيث لا تواجه كائناته البرية خطر الانقراض الطبيعي فحسب، بل تواجه ويلات حربٍ طاحنة تهدد بتدمير إرث بيئي استغرق ملايين السنين ليتشكل.

إن الحياة البرية ليست مجرد “كماليات” بيئية، بل هي الركيزة الأساسية لغذاء الإنسان، وملبسه، وعلاجاته الطبيعية. في السودان، تسببت النزاعات المسلحة والنزوح القسري في انتهاكات جسيمة طالت المحميات الطبيعية؛ فمن تزايد الصيد الجائر وتجارة الأنواع المهددة بالانقراض، إلى تدمير الموائل الطبيعية نتيجة التحركات العسكرية واللجوء العشوائي. إن فقدان أي نوع بري في هذه الظروف يعني خللاً في التوازن البيئي والاقتصادي قد لا يُرمم لعقود.

إن مرحلة توقف الحرب والبدء في إعادة الإعمار يجب ألا تقتصر على الحجر والبشر، بل يجب أن يكون “الإعمار الأخضر” في قلب الاستراتيجية الوطنية. تصميم خارطة طريق للإعمار البيئي، فإن استعادة الأنظمة البيئية المتضررة تتطلب نهجاً تشاركياً يتجاوز الحلول التقليدية، ويتمثل في محاور أساسية تشمل المشاركة المجتمعية والشباب وهم حراس الأرض الحقيقيون. يجب تمكين المجتمعات المحلية والشباب في مناطق التماس البيئي ليكونوا خط الدفاع الأول عن الغابات والحياة البرية، عبر مشروعات تنموية مستدامة تخلق فرص عمل وتحافظ على الموارد، وتفعيل الإعلام البيئي والتنموي، فتقع على عاتق الإعلام مسؤولية كبرى في تحويل قضية الأحياء البرية من “قضية نخبوية” إلى وعي شعبي عام.

نحن بحاجة إلى إعلام تنموي يسلط الضوء على العلاقة بين استقرار البيئة وتوفر الأمن الغذائي والصحي، ووضع التشريعات والرقابة، والضغط من أجل تفعيل القوانين الرادعة لمكافحة جرائم الحياة البرية التي تفشت خلال فترات غياب الرقابة الأمنية.

إن الاحتفال باليوم العالمي للأحياء البرية هو دعوة للتأمل في التنوع الهائل الذي وهبه الله للسودان. حماية هذا التنوع ليست ترفاً، بل هي استثمار في مستقبل الأجيال القادمة وضمانة لاستعادة التوازن في بلد أنهكته الصراعات. لنبدأ اليوم في غرس ثقافة الحماية، لنحصد غداً بيئة معافاة.

مصدر المقال

النيل الدولية العدد 1679

Comments (0)
Add Comment