صحيفة النيل الدولية | شيء للوطن |صلاح غريبةيكتب ……… العودة الطوعية.. الاقتصاد أولاً

شيء للوطن
م.صلاح غريبة
Ghariba2013@gmail.com

العودة الطوعية.. الاقتصاد أولاً

يمر السودان اليوم بمنعطف تاريخي حاسم، حيث تلوح في الأفق بوادر “عودة طوعية مكثفة” للسودانيين من الخارج، وهو ملف لا يحتمل الترف التنظيري، بل يتطلب واقعية سياسية واقتصادية تضمن استدامة هذه العودة. إن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في تأمين الأرض، بل في تأمين “سبل العيش” وقطع الطريق أمام الرسائل السلبية التي تصل من الداخل، والتي قد ترسم صورة غير مطمئنة لمستقبل الاستقرار المعيشي.

إن القرارات الأخيرة التي وجهت بمراجعة فورية وشاملة الرسوم والجبايات وضبط الممارسات العشوائية، تمثل اعترافاً بشجاعة بمكامن الخلل. فالتاجر وصاحب العمل ليسوا مجرد دافعي ضرائب، بل هم “شركاء أصيلون” في بناء الدولة. إن إرهاق كاهل أصحاب المحلات التجارية بتقديرات غير مدروسة يؤدي بالضرورة إلى شلل الأسواق وتضييق الخناق على معاش الناس، وهو ما يخدم أعداء الاستقرار بطريقة غير مباشرة.

لكي تتحول العودة الطوعية من مجرد رغبة عاطفية إلى مشروع وطني منتج، لا بد من اتخاذ خطوات ملموسة لاستعادة العقول والرأسمال المهاجر وتشمل سرعة عودة رجال الأعمال، فيجب أن يجد أصحاب المحلات والأنشطة التجارية بيئة محفزة تعوضهم عن سنوات التوقف، من خلال تسهيلات إجرائية تكسر حدة البيروقراطية، وتفعل أدوات التمويل، فلا يمكن الحديث عن نهضة اقتصادية دون “تسهيلات إقراض” حقيقية من البنوك، وتفعيل واسع لقطاع “التمويل الأصغر” لدعم الشباب والمنتجين الصغار، بالاضافة الى توحيد قنوات التحصيل، وإنهاء عهد العشوائية في الرسوم وتوحيدها يمنح المستثمر (صغيراً كان أم كبيراً) القدرة على التخطيط لمستقبله التجاري دون مفاجآت صادمة.

إن المعركة الحقيقية الآن هي معركة “بناء وتعمير“. فالعدل الاقتصادي ومنع التجاوزات بحق المواطن المنتج لا يقل أهمية عن حفظ الأمن في الميدان. إن توفير بيئة لأمن الاقتصادي الآمنة للعمل والإنتاج هو الضمانة الوحيدة لتحويل “الرسائل السلبية” التي تصل للمغتربين إلى رسائل طمأنة تدعوهم للمساهمة في إعمار الوطن.

“كرامة المواطن وأمنه الاقتصادي جزء لا يتجزأ من أمن الوطن القومي، وتنمية الولايات هي صمام الأمان لمستقبل يسع الجميع.”

إننا أمام فرصة تاريخية لترجمة التوجيهات السيادية إلى واقع ملموس على الأرض؛ السوداني بالخارج ينتظر “فعل المؤسسات” قبل “وعود التصريحات“، وبناء الثقة يبدأ من استقرار السوق وعدالة القوانين الاقتصادية.

مصدر المقال

النيل الدولية العدد 1677 (1)

Comments (0)
Add Comment