السودان … الحلم بعودة وطن! بقلم/ بابكر عيسى أحمد

السودان … الحلم بعودة وطن!

الأحد ، 1 سبتمبر 2024
بقلم/ بابكر عيسى أحمد

اعترف أن لا أحد يمكن أن يزايد على محبة السودانيين للسودان تلك الأرض الرائعة التي ضمت طفولتهم وشبابهم وكهولتهم وزرعت في دواخلهم أروع القيم والمبادئ والتراث الممزوج بالأصالة والتوهج والروعة … مشكلة السودان أن قامة قادته السياسيين أقصر من هامة أهله الذين ظلوا يتطلعون على الدوام الى وطن زاه ومتقدم ومتعايش في سلام ووئام فوق أرض واسعة تتسع للجميع.
اعترف أنني سكبت على امتداد أكثر من 60 عاماً أحباراً كثيرة عن ذلك الوطن الرائع الذي نراه جميلاً رغم المحن والبلايا والمآسي من صنع الإنسان في أغلبها ومن صنع الطبيعة أحياناً، وظللت على الدوام منادياً بضرورة الوحدة والتضامن والتعايش ولم تجد كلماتي الأصداء التي أرجوها وأحلم بها واتمناها له ولشعبه الطيب الأصيل.
ظللت دائم التساؤل: متى يولد السودان الجديد الذي نحلم به والذي نتمناه لشيخوختنا ولأحفادنا من بعدنا، ولكنني دائماً أقبض العدم وأعانق الريح، منذ عام 1956 وهو عام استقلال السودان لم ينعم بالعافية المرجوة، وكلما خرج من كارثة ادخله أبناؤه في اتون كارثة جديدة تكون في العادة وبالاً عليه أشد من سابقاتها … هذا التردي الكارثي بين دوائر الموت والحروب والمجاعات والإنقلابات العسكرية جعلت منه بحق عملاق أفريقيا المريض وإنسانها المتعب والمشرد والمستلب …أتساءل: أين الخطأ في كل ما يحدث؟ ولماذا كتب على السودان أن يعاني وهو الأغنى والأبهى والأجمل … هل هو عجز طليعته المثقفة والمتعلمة؟ أم هو تآمر الآخرين عليه الذي جعل استغلال أبنائه هدفاً هيناً؟ … لم يبقى أمام السودانيين إلا أن يبقوا إطفائيين لإخماد الحرائق.
أحزان السودان كثيرة ولكن حزنه الأكبر وفاجعته الصارخة في أبنائه الذين لم يتفقوا قط على منهج يمكن أن يكون ديدناً للجميع يسترشدون به ويسيرون على هداه … وقد جربنا جميع أشكال الحكم العسكرية والعقائدية وجميعها اخفقت في أن توحد السودان الجديد الذي يتطلع إليه أبناؤه، وما دامت الظلامات قائمة فلا أحد يدري أين سيقع الحريق القادم … وما دام الفشل هو العنوان علينا أن نستفيد من تجارب الأمم والشعوب الآخرى لنبني عليها واقعاً جديداً يكون فيه السودان لكل السودانيين دون ما احساس بالدونية بعد أن نتطهر من الكراهية وأمراض العنصرية والقبلية والمناطقية.
في تاريخ لا اذكره كتبت تحت عنوان “السودان الوطن الحلم” أن الوطن يحتاج إلى رؤية خلاقة وجريئة ومقتحمة لا تقف عند حدود الممكن ولكن تلامس أهداب المستحيل … وكل هذا ممكن اذا توفرت الإرادة وخلصت النوايا لتحقيق نقلة نوعية جسورة في السودان تغير واقع الحياة وتعلن ميلاد زمن جديد … أعترف أن الشعب السوداني شغوف بالتفاصيل لهذا تضيع عليه الأهداف الكبيرة كما أنه يفتقر إلى استراتيجيات واقعية تتسم بالمرونة لهذا تجد المعالجات قاصرة والعداوات مستعرة.
أمل أن لا ينسى أحد أن ثراء السودان وتفرده في تنوعه حيث هو خليط من الأعراق والأعراف والثقافات، وهذا التنوع يمكن أن يكون مبعثاً للإبداع والإنصهار لا الجفاف والتصحر والإحتراب.
ما زلت أحلم بوطن ينهض من كبوته ويفتح أبوابه للإستثمارات الأجنبية وللإقتراب من العالم حتى يوظف شعار الإستثمار في التنمية وسيقف العالم مشدوهاً أمام وطن بمقدوره أن يحقق الكثير لو تحققت وحدة أبنائه وتزاوجت رؤاهم … ليبنوا وطناً شامخاً وعزيزاً ورائعاً يكون واحة للجميع.
في مواجهة المآسي والمحن الراهنة والحرب المستعرة في جميع أرجاء السودان تكون مهمة الجميع مدنيين وعسكريين وأحزاب وقوى وطنية انقاذ وطن من العبث السياسي حتى نبني وطناً بالأعمال وليس بالأماني وأن نستشرف مستقبلاً بالعمل والرؤية وليس بالأكاذيب والإدعاءات … ففي السودان لدينا ثوار من كل شاكلة ولون … ثوار طائفيون وثوار ماركسيون وثوار اسلاميون وثورة ديسمبر المجيدة التي تفجرت لتحقق أشواق السودانيين في الحرية والعدالة والمساواة تآمروا عليها بليل ووقعت مجزرة القيادة العامة لتنفجر بعدها الحرب وتجرفنا الفيضانات والسيول.
الآن نحن نعيش المحنة، لا أفق في سماواتنا وحتى أحلامنا الصغيرة والنبيلة أجهضت وراحت دماء الشهداء سدى و “حدث ما حدث” ومازال العسكر يجثمعون على جثة الوطن فيما قدم المرتزقة والمأجورين من وراء الحدود وهم الذين زعمنا أنهم خرجوا من “رحم القوات المسلحة”.
الملهاة في السودان يجب أن توضع لها نهاية وأن يستشعر الإنسان بأدميته وأن يعيش الأمن والأمان في داره ووسط أهله وأن يعود الذين تقطعت بهم السبل في المنافي والشتات … إن كانت الكوارث والمجاعات والأمراض تحصد الجميع فعلينا جميعاً ان نعترف بحقائق الواقع وأن نسعى جاهدين لوقف هذه الحرب العبثية اللعينة بأي صورة من الصور حتى يعود الأهل إلى ديارهم ولا يعقل أن تحكمنا شهوة السلطة وأحلام الواهميين بالعودة للجلوس مجدداً على ظهورنا بعد كل تلك السنوات العجاف التي عشناها تحت “نظام انقاذهم” الذي أغرق الوطن في الفساد ودمر كل شيء بصورة ممنهجة ويكفي “الصالح العام” الذي شرد الملايين ولينقذ الله السودان من هذه الوهدة فمازلنا نحلم بعودة الوطن.

Comments (0)
Add Comment