Salah Ghariba ‏ <ghariba2013@gmail.com>

حين تسبق الصورة الذهنية الرحلة: تنافس الوجهات السياحية في عصر التسويق الذكي

IDSC Newsletter ‏ <newsletter@idsc.net.eg> 12 يونيو 2026 في 1:07 ص
الرد إلى: IDSC Newsletter ‏<newsletter@idsc.net.eg>‏
إلى: ghariba2013@gmail.com

العدد الأسبوعي رقم 253-  الجمعة 12 يونيو 2026
حين تسبق الصورة الذهنية الرحلة: تنافس الوجهات السياحية في عصر التسويق الذكي

اضغط هنا لتصفح النشرة من الموقع

صباح الخير قراءنا الكرام،

في ظل التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، لم تعد السياحة مجرد نشاط اقتصادي تقليدي أو حركة انتقال بين الدول، بل أصبحت صناعة مركّبة تُدار قراراتها قبل السفر بوقت طويل داخل الفضاءين الرقمي والذهني للسائح. فاختيار الوجهة السياحية لم يعد قرارًا عفويًّا، بل هو نتاج تراكمات معرفية وانطباعات ذهنية تتشكل عبر الصور المرئية، والمحتوى الرقمي، وتجارب الآخرين، وما تتيحه المنصات الحديثة من تدفق مستمر للمعلومات والتجارب.

ومع تسارع الثورة الرقمية وتنامي دور وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، أصبحت الصورة الذهنية هي الركيزة الأساسية التي تُبنى عليها تنافسية الوجهات السياحية عالميًا. فلم تعد المقومات الطبيعية أو التاريخية وحدها كافية لجذب السائح، بل باتت القدرة على تشكيل إدراك إيجابي وجاذب هي العامل الحاسم في تحويل الاهتمام إلى قرار سفر فعلي، ومن ثم إلى تجربة سياحية واقتصادية متكاملة.

شهد التسويق السياحي تحولات جوهرية، انتقل خلالها من الاعتماد على الأساليب الترويجية التقليدية إلى توظيف أدوات أكثر تطورًا وتأثيرًا في تشكيل الإدراك العام. فلم يعد التأثير في السائح يقتصر على الإعلانات المباشرة والحملات الترويجية التقليدية، بل امتد إلى ممارسات تسويقية غير مباشرة تستهدف بناء الانطباعات وتوجيه التصورات بصورة أكثر عمقًا وفاعلية، ومن أبرزها التسويق الخفي الذي يعتمد على دمج الرسائل التسويقية داخل المحتوى الإعلامي والثقافي والرقمي بصورة غير مباشرة، بما يؤثر في إدراك الأفراد ويشكل مواقفهم تجاه الوجهات السياحية دون وعي مباشر بالطابع الترويجي للرسالة.

كذلك يبرز دور المؤثرين والمحتوى الذي ينشئه المستخدمون، وانتشار المنصات الرقمية والأفلام والألعاب ووسائل الإعلام الحديثة، في إعادة تشكيل خريطة الطلب السياحي عالميًّا، حيث أصبحت التجربة تُباع قبل أن تُعاش، والصورة تُستهلك قبل الوصول إلى الوجهة.

وتعد العلامات التجارية الوطنية كذلك من الاستراتيجيات البارزة لتعزيز القدرة التنافسية للدول وترسيخ حضورها على الساحة الدولية، حيث أظهرت نتائج الاستطلاع الذي أجرته المنظمة العالمية للملكية الفكرية خلال الفترة من مايو 2020 إلى سبتمبر 2021، والذي شمل 65 دولة وقد أوضحت النتائج أن 58% من الدول المشاركة تمتلك بالفعل علامة تجارية وطنية فيما أفادت 9% أخرى بأنها تعتزم تطوير علامة مماثلة خلال الفترة المقبلة.

كما بيّنت الدراسة أن أبرز الدوافع وراء تبني العلامات التجارية الوطنية تتمثل في تعزيز الوعي الدولي بالدولة (93%)، والترويج لثقافتها وتقاليدها وقيمها (91%)، ودعم القطاع السياحي (91%)، فضلًا عن المساهمة في تنمية الصادرات الوطنية (75%) وجذب الاستثمارات الأجنبية (73%). وأشارت النتائج كذلك إلى أن أكثر من 80% من الدول المستجيبة تمتلك علاماتها التجارية الوطنية بصورة رسمية، بما يعكس تنامي إدراك الحكومات لأهمية العلامة الوطنية بوصفها أحد الأصول الاستراتيجية المؤثرة في بناء الصورة الذهنية للدولة، وتعزيز سمعتها ومكانتها التنافسية على المستويين الإقليمي والدولي.

ومن ثم، لم يعد نجاح الدول في جذب السياح يعتمد فقط على ما تمتلكه من مقومات طبيعية أو تاريخية أو ثقافية، بل أصبح مرتبطًا بقدرتها على بناء صورة ذهنية إيجابية وجاذبة تعكس تميزها وتبرز عناصر تفردها. فكلما نجحت الدولة في ترسيخ صورة ذهنية قوية ومؤثرة، ازدادت قدرتها على تحويل الاهتمام إلى رغبة، والرغبة إلى قرار سفر فعلي، وهو ما يدفع ملايين الأفراد حول العالم إلى تخصيص جزء من دخولهم ومدخراتهم لتحقيق حلم زيارة وجهات تشكلت في أذهانهم قبل أن يروها على أرض الواقع.

وتأسيسًا على ما سبق، تتناول النشرة تحليلًا متكاملًا لمجموعة من المحاور الرئيسة التي تسلط الضوء على الصورة الذهنية للوجهات السياحية ودورها في تشكيل سلوك السائح، إضافة إلى دراسة السياحة العالمية كقوة اقتصادية دافعة، واستعراض التحولات الحديثة في أدوات التسويق السياحي، وتحليل التجارب الدولية في توظيف الصورة الذهنية والتسويق الخفي، وصولًا إلى بحث سبل تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري في ظل التحولات الرقمية والتسويقية المعاصرة، وذلك من خلال الأقسام التالية

اضغط هنا للتواصل معنا

تُعد الصورة الذهنية للوجهات السياحية عنصرًا محوريًا في فهم سلوك السائح وتفسير قراراته، إذ لم يعد اختيار المقصد السياحي يعتمد فقط على المقومات المادية، بل أصبح مرتبطًا بالانطباعات والتصورات المسبقة التي تتشكل لدى الفرد عن الوجهة. وتتكون هذه الصورة من أبعاد معرفية ووجدانية وسلوكية، تتأثر بمجموعة واسعة من المصادر مثل الإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي، والتجارب السابقة، مما يجعلها عملية ديناميكية تتغير قبل وأثناء وبعد الرحلة السياحية.

يتناول هذا القسم مفهوم الصورة الذهنية، ومكوناتها، والعوامل المؤثرة فيها، ومصادر تكوينها، ودورها في مراحل اتخاذ القرار السياحي.

أولًا: مفهوم الصورة الذهنية للوجهات السياحية ومكوناتها الأساسية:

تُعد الصورة الذهنية للوجهة السياحية من المفاهيم الأساسية في الدراسات السياحية والتسويقية، نظرًا لدورها المحوري في تشكيل إدراك السائح للوجهات المختلفة وتوجيه قراراته وسلوكه السياحي. ويُعد Hunt من أوائل الباحثين الذين تناولوا هذا المفهوم في مجال السياحة عام 1971، حيث عرّف الصورة الذهنية بأنها مجموعة الانطباعات التي تتكون لدى فرد أو مجموعة من الأفراد عن منطقة لا يقيمون بها.

وقد سعت الدراسات إلى تقديم تعريف أكثر شمولًا لهذا المفهوم، من خلال التركيز على محددات تكوين الصورة الذهنية والعوامل المؤثرة فيها وآليات تعديلها وتطويرها. وانتهت هذه الدراسات إلى أن الصورة الذهنية للوجهة السياحية تمثل عملية ذهنية معقدة تتداخل فيها مجموعة واسعة من العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية والإعلاميةوتتكون الصورة الذهنية للوجهة السياحية من ثلاث مكونات رئيسية مترابطة:

  • يتمثل المكون الأول في المكون المعرفي أو الإدراكي، ويشير إلى المعلومات والمعارف التي يحصل عليها الفرد بشأن موضوع أو شخص أو مكان معين، والتي تُعد الأساس الذي تُبنى عليه الصورة الذهنية.

  • المكون الثاني فهو المكون الوجداني أو العاطفي، ويعبر عن المشاعر والاتجاهات الإيجابية أو السلبية التي يحملها الفرد تجاه الوجهة السياحية. ويتشكل هذا الجانب بالتوازي مع الجانب المعرفي، إلا أن تأثيره غالبًا ما يكون أكثر استمرارية، إذ قد تتلاشى بعض المعلومات بمرور الوقت بينما تبقى الانطباعات والمشاعر المرتبطة بالوجهة راسخة في أذهان الأفراد.

  • يتمثل المكون الثالث في المكون السلوكي، الذي يعكس السلوك أو الاستجابة الناتجة عن الصورة الذهنية المتكونة لدى الفرد. وتبرز أهمية هذا المكون في قدرته على تفسير السلوك المتوقع للأفراد تجاه الوجهة السياحية، سواء من خلال الرغبة في زيارتها أو التوصية بها للآخرين أو تجنبها.

المصدر

ثانيًا: العوامل المؤثرة في تشكيل الصورة الذهنية للوجهات السياحية

تتأثر الصورة الذهنية للوجهة السياحية بمجموعة واسعة من العوامل التي تختلف باختلاف البيئات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، كما تتباين تبعًا لاحتياجات السائحين ودوافعهم واتجاهاتهم الشخصية. ورغم هذا التباين، فقد توصلت الدراسات إلى وجود مجموعة من العوامل الأساسية التي تؤدي دورًا محوريًا في تشكيل الصورة الذهنية للمقاصد السياحية، وتنقسم هذه العوامل إلى فئتين رئيسيتين:

  • تتمثل الفئة الأولى في العوامل المرتبطة بالطلب السياحي، وهي عوامل يصعب التحكم فيها لأنها ترتبط بالسائح نفسه، بما في ذلك خلفيته الثقافية وخبراته السابقة وقيمه واتجاهاته وطريقة انتقائه للمعلومات وتفسيرها. وتسهم هذه العناصر في تشكيل إدراكه للوجهة السياحية وبناء صورته الذهنية عنها.

  • أما الفئة الثانية فتتمثل في العوامل المرتبطة بالعرض السياحي، وهي عوامل يمكن التأثير فيها والتحكم بها بدرجات متفاوتة، وتشمل الاستراتيجيات التسويقية والأنشطة الترويجية، والبنية التحتية السياحية، والإطار التشريعي والتنظيمي، إلى جانب الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية السائدة في الوجهة، فضلًا عن مستوى وعي المجتمع المحلي بأهمية النشاط السياحي ومصادر المعلومات المتاحة عن المقصد.

ثالثًا: مصادر حصول السائح على المعلومات ودورها في بناء الصورة الذهنية للوجهة السياحية

تُعد مصادر المعلومات من أهم العوامل المؤثرة في تكوين الصورة الذهنية للوجهات السياحية، إذ تؤثر طبيعة المعلومات المتاحة ومصداقيتها في تشكيل إدراك السائح وانطباعاته عن المقصد السياحي. وتتكون هذه الصورة من خلال تفاعل السائح مع مجموعة متنوعة من المصادر الرسمية وغير الرسمية. وتشمل أهم مصادر المعلومات:

  • المصادر الصريحة للصورة المستحدثة: مثل الإعلانات والحملات الترويجية والمطبوعات التسويقية التي تنفذها الجهات المسؤولة عن تسويق الوجهة بهدف إبراز مقوماتها السياحية وجذب الزوار.

  • المصادر الضمنية للصورة المستحدثة: كآراء المشاهير والشخصيات العامة وتوصياتهم، والتي تسهم في تعزيز مصداقية الرسائل التسويقية وزيادة الثقة بالوجهة.

  • المصادر المستقلة: وتشمل الأفلام السينمائية والوثائقية والمقالات الصحفية والثقافة الشعبية والتغطيات الإعلامية للأحداث، والتي تؤثر في تكوين الانطباعات نتيجة استقلاليتها النسبية.

  • المقالات والتقارير الصحفية: التي تعتمد على التجارب الواقعية للصحفيين والإعلاميين، وتتميز بدرجة مرتفعة من المصداقية.

  • التجربة السياحية المباشرة: وتُعد أكثر المصادر تأثيرًا، إذ تُمكّن السائح من تكوين صورة ذهنية قائمة على الخبرة الفعلية والتفاعل المباشر مع عناصر الوجهة السياحية.

وبذلك فإن الصورة الذهنية للوجهة السياحية تتشكل نتيجة تفاعل مجموعة متنوعة من مصادر المعلومات، التي تؤثر في توقعات السائح وقراراته وانطباعاته قبل الزيارة وأثناءها وبعدها.

رابعًا: مراحل اتخاذ القرار السياحي في ضوء الصورة الذهنية للوجهة السياحية

  • أولًا: الصورة الذهنية قبل السفر (مرحلة التوقعات): في هذه المرحلة يكون لدى السائح مخطط معرفي مسبق عن الوجهة السياحية يُسمى مخطط الوجهة متعدد الأبعاد، ويتكون من توقعات وصور ذهنية مبنية على الخبرات السابقة أو المعلومات المتاحة. وهذا المخطط يمثل الإطار الذي يتوقع من خلاله السائح شكل التجربة قبل الوصول، ويستخدمه لاحقًا للمقارنة مع الواقع أثناء الرحلة.

  • ثانيًا: الصورة الذهنية أثناء السفر (مرحلة التجربة الفعلية): عند الوصول إلى الوجهة، يبدأ السائح في اختبار الواقع الفعلي ومقارنته بالمخطط الذهني السابق. وهنا يحدث إما تطابق بين التوقعات والتجربة، أو عدم تطابق بدرجات مختلفة (بسيط أو شديد).

  • ثالثًا: الصورة الذهنية بعد السفر (مرحلة التقييم وإعادة التشكيل): بعد انتهاء الرحلة، يتم إعادة تقييم التجربة ككل، حيث تتكون الصورة الذهنية النهائية للوجهة، إذا حدث تطابق كبير تبقى الصورة كما هي تقريبًا، أما في حالة عدم التطابق فإن المخطط الذهني يتغير ويعاد تشكيله بناءً على التجربة الفعلية، مما ينتج عنه انطباعات إيجابية أو سلبية حسب مستوى الرضا عن التجربة.

المصدر

تُعد السياحة أحد أهم القطاعات الاقتصادية عالميًا، ليس فقط من حيث مساهمتها المباشرة في الناتج المحلي الإجمالي، بل أيضًا لدورها المتنامي في خلق فرص العمل وتنشيط حركة الاستثمار والتجارة الدولية. وقد عززت مرحلة ما بعد جائحة كوفيد-19 مكانة القطاع بوصفه محركًا رئيسيًا للنمو الاقتصادي العالمي.

وفي ظل هذا التعافي، شهدت السياحة العالمية تطورًا ملحوظًا في أعداد السائحين ومستويات الإنفاق، إلى جانب تباين الأداء الإقليمي وعودة الأسواق الكبرى إلى مسار النمو، كما يبرز القطاع اليوم في سياق تحولات عميقة تشمل تغير أنماط الطلب السياحي، وتنامي الاعتماد على التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وتطور دوافع السفر نحو التجربة والتخصيص. ومن ثم، يهدف هذا القسم إلى تحليل الأداء الراهن للسياحة العالمية، واستعراض اتجاهات نموها الحديثة.

أولًا: الأهمية الاقتصادية لقطاع السياحة العالمي

تُبرز المؤشرات الدولية الأهمية المتزايدة لقطاع السفر والسياحة باعتباره أحد المحركات الرئيسية للاقتصاد العالمي؛ إذ بلغت الإيرادات السياحية العالمية نحو 1.9 تريليون دولار أمريكي خلال عام 2024 وفقًا لتقديرات منظمة السياحة الدولية. كما أسهم القطاع بنحو 10.9 تريليونات دولار أمريكي في الناتج المحلي الإجمالي العالمي خلال عام 2024، بما يمثل قرابة 10% من الاقتصاد العالمي، وفقًا لتقديرات البنك الدولي. ولا تقتصر أهمية القطاع على مساهمته الاقتصادية فحسب، بل تمتد إلى دوره الحيوي في دعم التشغيل، حيث وفر نحو 357 مليون وظيفة على مستوى العالم.

ومن المتوقع أن يدعم هذا القطاع خلال العقد المقبل ما يقارب 89 مليون وظيفة جديدة على مستوى العالم، بما يمثل حوالي ثلث إجمالي الوظائف الجديدة المتوقعة في الاقتصاد العالمي. وخلال الفترة نفسها، من المتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي لقطاع السفر والسياحة بمعدل سنوي قدره 3.6%، أي أسرع بـ 1.5 مرة من معدل نمو الاقتصاد العالمي ككل المتوقع عند 2.4% في عام 2026.

ومن المتوقع أن تصل مساهمة قطاع السفر والسياحة في الاقتصاد العالمي إلى أكثر من 16 تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2035، بما يعادل نحو 12% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وفقًا لتقديرات المجلس العالمي للسفر والسياحة بالتعاون مع Oxford Economics

المصدر

ثانيًا: تطور قطاع السياحة العالمي واتجاهات النمو الراهنة (2024-2025)

شهد قطاع السياحة العالمي خلال عامي 2024 و2025 مرحلة جديدة من النمو والاستقرار بعد سنوات من الاضطرابات التي أعقبت جائحة كوفيد-19، حيث نجح القطاع في استعادة زخمه وتعزيز مكانته كأحد أهم القطاعات الاقتصادية عالميًا. فقد ارتفع عدد السياح الدوليين خلال عام 2025 بنسبة 4% مقارنة بعام 2024، ليصل إلى نحو 1.52 مليار سائح، بزيادة تقدر بنحو 60 مليون سائح عن العام السابق. ويعكس هذا الأداء عودة القطاع إلى مسار النمو الطبيعي الذي اتسمت به السياحة العالمية قبل الجائحة، واقتراب معدلات النمو الحالية من متوسط النمو السنوي المسجل خلال الفترة 2009-2019، والبالغ نحو 5%.

وعلى المستوى الإقليمي، حافظت أوروبا على مكانتها باعتبارها أكبر منطقة جذب سياحي في العالم، حيث استقبلت نحو 793 مليون سائح دولي خلال عام 2025، بزيادة بلغت 4% مقارنة بعام 2024، متجاوزة مستويات ما قبل الجائحة بنسبة 6%، في حين سجلت أوروبا الوسطى والشرقية نموًا ملحوظًا بلغ 6%. وفي الأمريكتين، بلغ معدل النمو 1% فقط خلال عام 2025، مع تباين واضح بين الأقاليم الفرعية، حيث سجلت أمريكا الجنوبية نموًا بنسبة 7% وأمريكا الوسطى 5%.

وفي آسيا والمحيط الهادئ، ارتفع عدد السياح الدوليين بنسبة 6% ليصل إلى نحو 331 مليون سائح خلال عام 2025، إلا أن المنطقة ما زالت أقل بنسبة 9% مقارنة بمستويات عام 2019. وقد سجلت منطقة شمال شرق آسيا أعلى معدلات النمو داخل الإقليم بنسبة 13%، في حين نجحت جنوب آسيا في استعادة مستوياتها السياحية السابقة للجائحة بشكل كامل.

أما القارة الإفريقية فقد حققت واحدة من أفضل النتائج عالميًا، إذ ارتفع عدد السياح الدوليين الوافدين إليها بنسبة 8% ليصل إلى نحو 81 مليون سائح، مدعومًا بالأداء القوي لشمال إفريقيا الذي حقق نموًا بلغ 11%، وهو ما يعكس تنامي جاذبية القارة كوجهة سياحية في ظل تنوع مواردها الطبيعية والثقافية وتزايد الاستثمارات في بنيتها التحتية السياحية.

كما واصل الشرق الأوسط تحقيق نتائج متميزة، حيث ارتفع عدد السياح الدوليين بنسبة 3% مقارنة بعام 2024 ليصل إلى نحو 100 مليون سائح. وتُعد المنطقة الأكثر تفوقًا مقارنة بمستويات ما قبل الجائحة، إذ تجاوزت أعداد السياح المسجلة فيها مستويات عام 2019 بنسبة 39%، وهو ما يعكس نجاح العديد من دول المنطقة في تنويع اقتصاداتها وتعزيز مكانة السياحة كقطاع استراتيجي داعم للنمو الاقتصادي.

المصدر

ثالثًا: الاتجاهات الحديثة في الطلب السياحي العالمي

يشهد الطلب السياحي العالمي خلال السنوات الأخيرة تحولات متسارعة نتيجة تغير أنماط الاستهلاك وتطور التكنولوجيا الرقمية وتنامي تطلعات المسافرين نحو تجارب أكثر تميزًا وتخصيصًا. ولم يعد اختيار الوجهات السياحية يعتمد فقط على المقومات التقليدية، بل أصبح مرتبطًا بشكل متزايد بجودة التجربة، وسهولة الوصول إلى الخدمات الرقمية، والقدرة على تلبية الاهتمامات الفردية للمسافرين. وفي هذا السياق، برزت مجموعة من الاتجاهات الحديثة التي تعيد تشكيل خريطة الطلب السياحي العالمي، وفي مقدمتها السياحة التجريبية والتحول الرقمي في تجربة السفر.

  • تنامي السياحة التجريبية

يتشكل الطلب السياحي العالمي المعاصر في ضوء تحولات عميقة ترتبط بتغير سلوك المستهلك والتقدم التكنولوجي والتقلبات الاقتصادية العالمية. وفي هذا السياق، يبرز صعود ما يُعرف بـ«اقتصاد التجارب»، حيث يتجه المسافرون بشكل متزايد نحو إنفاق مواردهم على الأنشطة التفاعلية والتجارب الثقافية والانغماس في المجتمعات المحلية، بدلًا من التركيز على استهلاك السلع المادية التقليدية، ويعزز هذا الاتجاه تنامي السعي نحو تحقيق «القيمة مقابل المال»، إذ أصبح السائح أكثر وعيًا بكفاءة إنفاقه وأكثر ميلًا إلى التخطيط الذكي لرحلاته. كما يتجه العديد من المسافرين إلى الرحلات الإقليمية أو الدولية قصيرة المدى باعتبارها خيارًا أقل تكلفة وأكثر مرونة، فضلًا عن كونها أكثر أمانًا في ظل حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في بعض المناطق.

هذا، وتشير التوقعات إلى استمرار النمو السريع لسوق السفر والتجارب الشخصية، حيث يُتوقع أن يرتفع حجمه من 169.3 مليار دولار أمريكي عام 2025 إلى نحو 370.7 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2030 وفقًا لبيانات Research And Markets، بمعدل نمو سنوي مركب يقارب 17%. ويُعزى هذا النمو إلى التوسع في منصات السفر الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتزايد الطلب على التجارب المصممة وفق تفضيلات المسافرين، وتنامي استخدام تحليلات البيانات وحلول الدفع الرقمي، إلى جانب التوسع في خدمات السفر الفاخرة والضيافة الذكية. كما يُتوقع أن يشهد القطاع انتشارًا أكبر للتخصيص الفوري للرحلات والخدمات، بما يعزز تجربة المسافر ويرسخ توجه صناعة السياحة نحو نماذج أكثر تركيزًا على احتياجات العملاء وتفضيلاتهم الفردية.

وفي السياق ذاته، أصبحت التجارب الغذائية جزءًا محوريًا من القرار السياحي، حيث يحجز حوالي 50% من المسافرين حول العالم المطاعم قبل حجز رحلاتهم الجوية. ويُشير هذا إلى أن الطعام لم يعد مجرد جزء من السفر، بل غالبًا ما يكون السبب الرئيسي لاختيار وجهة سياحية.

وهو ما يعكس تحولًا واضحًا في أولويات السائح نحو الانغماس في الثقافة المحلية بدلًا من الاكتفاء بالزيارة التقليدية. وتتضاعف هذه الاتجاهات بشكل ملحوظ بين الفئة العمرية من 18 إلى 34 عامًا، التي تمثل الشريحة الأكثر انخراطًا في التجارب التفاعلية والسفر التجريبي، مما يجعلها المحرك الرئيسي لنمو سوق السياحة التجريبية خلال السنوات المقبلة.

وفي إطار هذا التحول، يبرز تقرير Tripadvisor Trendcast 2025 ثلاثة اتجاهات رئيسية تعكس تطور السياحة التجريبية:

  1. الأحياء المصغّرة

يتجه المسافرون بشكل متزايد إلى استكشاف الوجهات السياحية من منظور محلي عميق، بدلًا من الزيارات السريعة التقليدية. ويقوم هذا الاتجاه على فكرة “العيش مثل السكان المحليين”، من خلال الانغماس في الأحياء السكنية والثقافية واكتشاف التفاصيل اليومية غير المدرجة في المسارات السياحية المعتادة.

  1. رحلات الجمال والعناية

يشهد هذا النمط من السياحة نموًا متزايدًا بين فئات الشباب، حيث يتم اختيار الوجهات بناءً على تجارب العناية بالجمال والصحة الشخصية، مثل العلاجات الطبيعية في المغرب أو أنظمة العناية بالبشرة في كوريا الجنوبيةوقد سجل هذا القطاع نموًا لافتًا، حيث ارتفعت حجوزات تجارب العناية بالبشرة بنسبة 400% خلال عام 2024 مقارنة بعام 2023، مما يعكس تحولًا واضحًا نحو السياحة المرتبطة بالصحة والجمال.

  1. سياحة الرياضة والمغامرة والترفيه

أصبحت الفعاليات الرياضية والحفلات الكبرى من أبرز المحركات الحديثة للسفر والسياحة، حيث لم يعد السفر مرتبطًا فقط بحضور المنافسات أو العروض الترفيهية، بل تحول إلى تجربة سياحية متكاملة تجمع بين الترفيه والاستكشاف والإنفاق على الخدمات السياحية المختلفة. وقد انعكس ذلك في النمو المتسارع لسياحة الرياضة، التي تمثل حاليًا نحو 10% من إجمالي الإنفاق السياحي العالمي، مع توقعات بارتفاع حجمها إلى نحو 1.3 تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2032.

كما تشير التقديرات إلى أن صناعة الفعاليات الحية ستواصل نموها بمعدل سنوي يبلغ نحو 5.9% حتى عام 2032، وهو معدل يفوق متوسط نمو قطاع السياحة العالمي، مدفوعًا بشكل رئيسي بارتفاع الطلب من الفئات العمرية الشابة، ولا سيما بين 21 و40 عامًا، بما يعزز من أهمية الفعاليات الرياضية والترفيهية كأحد أهم روافد النمو السياحي خلال السنوات المقبلة.

  • التحول الرقمي في تجربة السفر

شهد قطاع السفر والسياحة تحولًا رقميًا متسارعًا خلال السنوات الأخيرة، خاصة خلال الفترة الممتدة بين 2024 و2026، مدفوعًا بارتفاع مستويات الدخل المتاح للإنفاق لدى فئات واسعة من المسافرين، إلى جانب التطور الكبير في قدرات المنصات الرقمية التي أصبحت توفر حلولًا متكاملة تبدأ من تخطيط الرحلة وحتى الحجز الفوري لكافة عناصرها، بما في ذلك تذاكر السفر والإقامة والخدمات السياحية المختلفة.

وفي هذا السياق، بلغت قيمة سوق السفر عبر الإنترنت عالميًا نحو 622.6 مليار دولار أمريكي في عام 2025، مع توقعات بارتفاعها إلى نحو 1.43 تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2034، بمعدل نمو سنوي مركب يقدر بنحو 9.8%، وهو ما يعكس التحول الهيكلي العميق في نمط توزيع خدمات السفر عالميًا، وانتقاله تدريجيًا من القنوات التقليدية إلى القنوات الرقمية.

ويعزى هذا النمو إلى مجموعة من العوامل المحورية، من أبرزها التوسع في استخدام الأجهزة الذكية، وانتشار خدمات الإنترنت فائق السرعة، وتزايد الاعتماد على السفر الفردي، إلى جانب ارتفاع معدلات سفر رجال الأعمال، وهو ما أسهم في تعزيز الطلب على الحلول الرقمية المرنة والفورية في حجز وإدارة الرحلات.

كما تؤكد البيانات الحديثة عمق هذا التحول الرقمي في سلوك المسافرين، حيث أشار استطلاع عالمي أُجري عام 2024 إلى أن 80% من المسافرين يعتبرون أن إتاحة إمكانية حجز الرحلات بالكامل عبر الإنترنت تمثل عنصرًا أساسيًا في تجربة السفر الحديثة، وتصل هذه النسبة إلى 86% بين جيل الألفية و83% بين جيل زد، وهو ما يعكس الدور المتنامي للأجيال الشابة في دفع التحول الرقمي داخل القطاع.

وفي عام 2025، تجاوزت نسبة الحجوزات السياحية عبر الإنترنت 70% من إجمالي الحجوزات العالمية، فيما تمت 63% من هذه العمليات عبر الهواتف المحمولة، مما يؤكد أن الهاتف الذكي أصبح الوسيط الرئيسي في عملية اتخاذ القرار والحجز السياحي، وليس مجرد أداة مساعدة.

المصدر

في ظل التحولات المتسارعة في قطاع السياحة، لم يعد التسويق السياحي يقتصر على الترويج التقليدي، بل أصبح أداة استراتيجية لإدارة الصورة الذهنية وصناعة تجربة السائح والتأثير في قراراته قبل السفر. ومع تصاعد التحول الرقمي وانتشار المنصات التفاعلية، برزت أساليب جديدة أكثر تأثيرًا، أهمها التسويق الخفي الذي يعتمد على دمج الرسائل الترويجية داخل المحتوى الإعلامي والترفيهي بصورة غير مباشرة.

ويستعرض هذا القسم التحولات الحديثة في التسويق السياحي، من خلال تحليل تطور المفهوم، والانتقال من الأساليب التقليدية إلى الرقمية والخفية، وأبرز الاستراتيجيات المستخدمة في التأثير على السائح، إلى جانب التحديات الأخلاقية والتنظيمية المرتبطة بهذا النمط التسويقي، ودوره في تعزيز الصورة الذهنية للوجهات السياحية وزيادة قدرتها التنافسية عالميًا.

أولًا: مفهوم التسويق السياحي وأهدافه ووظائفه وأهميته:

يُعرَّف التسويق السياحي بأنه عملية استراتيجية متكاملة تهدف إلى تحديد احتياجات السائحين ورغباتهم وتصميم منتجات وخدمات وتجارب تلبي توقعاتهم، وهو لا يقتصر على الإعلان والترويج، بل يمتد ليشمل بناء الهوية السياحية للوجهة وإدارة صورتها الذهنية وتحسين تجربة الزائر في مختلف مراحلها، ليصبح حلقة وصل بين موارد الوجهة والسياح المستهدفين.

وتزداد أهمية التسويق السياحي في ظل تصاعد توقعات المسافرين نحو تجارب أكثر أصالة وتخصيصًا، واشتداد المنافسة بين الوجهات، وهيمنة القنوات الرقمية على قرارات السفر، واعتماد السائحين المتزايد على تقييمات وتجارب الآخرين. كما يمتد أثره إلى أبعاد اقتصادية واجتماعية وثقافية؛ فهو يسهم اقتصاديًا في جذب الزوار وزيادة الإنفاق ودعم فرص العمل والبنية التحتية، واجتماعيًا في تحسين الخدمات داخل المجتمعات المحلية، وثقافيًا في إبراز التراث والتقاليد وتعزيز الحفاظ عليها.

ثانيًا: التسويق الخفي في المجال السياحي وصناعة التجربة السياحية

مرّ تسويق الوجهات السياحية بمراحل متعاقبة؛ فبعد أن ركّز في بداياته على إبراز المقومات الطبيعية والتاريخية عبر المطبوعات والملصقات، عزّز التلفزيون من تأثير الإعلان السياحي وانتشاره. ومع الثورة الرقمية منذ تسعينيات القرن العشرين، تحوّل التسويق من الاتصال أحادي الاتجاه إلى التفاعل والمشاركة، ومع تراجع فاعلية الإعلانات التقليدية، اتجهت الوجهات السياحية إلى أساليب أكثر خفاءً تعتمد على المحتوى الذي ينتجه المستخدمون، والتعاون مع المؤثرين، وسرد التجارب الشخصية، وهو ما يجسد التحول نحو التسويق الخفي القائم على الأصالة والعفوية.

ويشير مفهوم التسويق الخفي في أصله اللغوي، كما ورد في قاموس ميريام ويبستر (1986)، إلى التحرك بطريقة سرية أو غير محسوسة بهدف تجنب الملاحظة، ومن هنا جاءت تسميته بالتسويق السري أو غير المرئي، إذ يقوم على تقديم الرسائل الترويجية بصورة خفية لا يدرك معها الجمهور طبيعتها الإعلانية بشكل مباشر أو كامل، ويُعدّ هذا النمط ثقافة إعلانية حديثة تلجأ إليها المنظمات لتحقيق الكفاءة التسويقية عبر الوصول إلى المستهلك بأساليب غير متوقعة، ويُطلق عليه أيضًا مصطلح التسويق الشبحي.

يقوم التسويق الخفي على إثارة الاهتمام بالمنتج أو الخدمة بصورة غير مباشرة، من خلال استهداف أفراد مؤثرين لنقل الرسالة عبر التوصيات الشفهية والتجارب الشخصية بدلًا من الإعلان الصريح. ويعتمد على دمج المنتج في الحياة اليومية للجمهور عبر قنوات متنوعة، تشمل ظهور المشاهير، والتسريبات الشفهية، والمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي. ويستند هذا الأسلوب إلى فهم السلوك الاستهلاكي وتقديم الرسائل التسويقية بصورة طبيعية تعزز القبول والتأثير، إلا أنه يثير في الوقت نفسه تساؤلات أخلاقية تتعلق بالشفافية والمصداقية.

وفي القطاع السياحي تحديدًا، اكتسب التسويق الخفي أهمية متزايدة؛ نظرًا لقدرته على التأثير في إدراك السائح وتوجيه انطباعاته نحو الوجهات السياحية بصورة غير مباشرة، من خلال تقنيات متعددة كتسويق المشاهير والتسويق الفيروسي والتسويق عبر ألعاب الفيديو وغيرها من الأساليب التي تُسهم في تشكيل الصورة الذهنية للسائح، غير أن توظيفه في هذا القطاع يطرح في الوقت ذاته تحديات أخلاقية وقانونية ومهنية جوهرية، تنعكس مباشرةً على مصداقية الوجهات السياحية واستدامة تأثيرها التسويقي على المدى البعيد.

وقد أسهمت ثلاثة عوامل رئيسية في تصاعد انتشار هذا النمط غير التقليدي من التسويق:

  • أولها، تراجع فاعلية الإعلان التقليدي وعجز فتراته القصيرة عن إحداث التأثير المطلوب في سلوك المستهلك.

  • ثانيها، صعوبة استهداف جمهور متشعب الاهتمامات والحاجات ومتباين الخصائص الديموجرافية.

  • ثالثها، التطور التقني المتسارع الذي أفرز أجهزة ومنصات جديدة حلّت محل التلفزيون والراديو وباتت أكثر توافقًا مع سيكولوجية الجمهور الحديث، مما جعل التواصل معه عبر وسائل الإعلام التقليدية أمرًا عسيرًا.

ويُعرف التسويق التقليدي بأنه من أكثر أساليب التسويق شيوعًا واستمرارية، حيث يعتمد على وسائل الاتصال التقليدية مثل الإعلانات المطبوعة في الصحف والمجلات، واللوحات الإعلانية، والمنشورات والكتيبات، والكتالوجات، إضافة إلى الإعلانات التلفزيونية والإذاعية والبريد المباشر.

وفي المقابل، يعتمد التسويق الرقمي على استخدام الوسائط والشبكات الرقمية للترويج للمنتجات والخدمات والوصول إلى العملاء على نطاق واسع، من خلال أدوات متعددة مثل: منصات التواصل الاجتماعي، والبريد الإلكتروني، والمدونات، والتطبيقات الرقمية، والإعلانات الإلكترونية المدفوعة. ويتميز هذا النمط بقدرته على التفاعل المباشر مع الجمهور وإمكانية تعديل المحتوى بشكل سريع وفقًا لمتغيرات السوق.

في ظل التحولات المتسارعة في قطاع السياحة، لم يعد التسويق السياحي يقتصر على الترويج التقليدي، بل أصبح أداة استراتيجية لإدارة الصورة الذهنية وصناعة تجربة السائح والتأثير في قراراته قبل السفر. ومع تصاعد التحول الرقمي وانتشار المنصات التفاعلية، برزت أساليب جديدة أكثر تأثيرًا، أهمها التسويق الخفي الذي يعتمد على دمج الرسائل الترويجية داخل المحتوى الإعلامي والترفيهي بصورة غير مباشرة.

ويستعرض هذا القسم التحولات الحديثة في التسويق السياحي، من خلال تحليل تطور المفهوم، والانتقال من الأساليب التقليدية إلى الرقمية والخفية، وأبرز الاستراتيجيات المستخدمة في التأثير على السائح، إلى جانب التحديات الأخلاقية والتنظيمية المرتبطة بهذا النمط التسويقي، ودوره في تعزيز الصورة الذهنية للوجهات السياحية وزيادة قدرتها التنافسية عالميًا.

أولًا: مفهوم التسويق السياحي وأهدافه ووظائفه وأهميته:

يُعرَّف التسويق السياحي بأنه عملية استراتيجية متكاملة تهدف إلى تحديد احتياجات السائحين ورغباتهم وتصميم منتجات وخدمات وتجارب تلبي توقعاتهم، وهو لا يقتصر على الإعلان والترويج، بل يمتد ليشمل بناء الهوية السياحية للوجهة وإدارة صورتها الذهنية وتحسين تجربة الزائر في مختلف مراحلها، ليصبح حلقة وصل بين موارد الوجهة والسياح المستهدفين.

وتزداد أهمية التسويق السياحي في ظل تصاعد توقعات المسافرين نحو تجارب أكثر أصالة وتخصيصًا، واشتداد المنافسة بين الوجهات، وهيمنة القنوات الرقمية على قرارات السفر، واعتماد السائحين المتزايد على تقييمات وتجارب الآخرين. كما يمتد أثره إلى أبعاد اقتصادية واجتماعية وثقافية؛ فهو يسهم اقتصاديًا في جذب الزوار وزيادة الإنفاق ودعم فرص العمل والبنية التحتية، واجتماعيًا في تحسين الخدمات داخل المجتمعات المحلية، وثقافيًا في إبراز التراث والتقاليد وتعزيز الحفاظ عليها.

ثانيًا: التسويق الخفي في المجال السياحي وصناعة التجربة السياحية

مرّ تسويق الوجهات السياحية بمراحل متعاقبة؛ فبعد أن ركّز في بداياته على إبراز المقومات الطبيعية والتاريخية عبر المطبوعات والملصقات، عزّز التلفزيون من تأثير الإعلان السياحي وانتشاره. ومع الثورة الرقمية منذ تسعينيات القرن العشرين، تحوّل التسويق من الاتصال أحادي الاتجاه إلى التفاعل والمشاركة، ومع تراجع فاعلية الإعلانات التقليدية، اتجهت الوجهات السياحية إلى أساليب أكثر خفاءً تعتمد على المحتوى الذي ينتجه المستخدمون، والتعاون مع المؤثرين، وسرد التجارب الشخصية، وهو ما يجسد التحول نحو التسويق الخفي القائم على الأصالة والعفوية.

ويشير مفهوم التسويق الخفي في أصله اللغوي، كما ورد في قاموس ميريام ويبستر (1986)، إلى التحرك بطريقة سرية أو غير محسوسة بهدف تجنب الملاحظة، ومن هنا جاءت تسميته بالتسويق السري أو غير المرئي، إذ يقوم على تقديم الرسائل الترويجية بصورة خفية لا يدرك معها الجمهور طبيعتها الإعلانية بشكل مباشر أو كامل، ويُعدّ هذا النمط ثقافة إعلانية حديثة تلجأ إليها المنظمات لتحقيق الكفاءة التسويقية عبر الوصول إلى المستهلك بأساليب غير متوقعة، ويُطلق عليه أيضًا مصطلح التسويق الشبحي.

يقوم التسويق الخفي على إثارة الاهتمام بالمنتج أو الخدمة بصورة غير مباشرة، من خلال استهداف أفراد مؤثرين لنقل الرسالة عبر التوصيات الشفهية والتجارب الشخصية بدلًا من الإعلان الصريح. ويعتمد على دمج المنتج في الحياة اليومية للجمهور عبر قنوات متنوعة، تشمل ظهور المشاهير، والتسريبات الشفهية، والمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي. ويستند هذا الأسلوب إلى فهم السلوك الاستهلاكي وتقديم الرسائل التسويقية بصورة طبيعية تعزز القبول والتأثير، إلا أنه يثير في الوقت نفسه تساؤلات أخلاقية تتعلق بالشفافية والمصداقية.

وفي القطاع السياحي تحديدًا، اكتسب التسويق الخفي أهمية متزايدة؛ نظرًا لقدرته على التأثير في إدراك السائح وتوجيه انطباعاته نحو الوجهات السياحية بصورة غير مباشرة، من خلال تقنيات متعددة كتسويق المشاهير والتسويق الفيروسي والتسويق عبر ألعاب الفيديو وغيرها من الأساليب التي تُسهم في تشكيل الصورة الذهنية للسائح، غير أن توظيفه في هذا القطاع يطرح في الوقت ذاته تحديات أخلاقية وقانونية ومهنية جوهرية، تنعكس مباشرةً على مصداقية الوجهات السياحية واستدامة تأثيرها التسويقي على المدى البعيد.

وقد أسهمت ثلاثة عوامل رئيسية في تصاعد انتشار هذا النمط غير التقليدي من التسويق:

  • أولها، تراجع فاعلية الإعلان التقليدي وعجز فتراته القصيرة عن إحداث التأثير المطلوب في سلوك المستهلك.

  • ثانيها، صعوبة استهداف جمهور متشعب الاهتمامات والحاجات ومتباين الخصائص الديموجرافية.

  • ثالثها، التطور التقني المتسارع الذي أفرز أجهزة ومنصات جديدة حلّت محل التلفزيون والراديو وباتت أكثر توافقًا مع سيكولوجية الجمهور الحديث، مما جعل التواصل معه عبر وسائل الإعلام التقليدية أمرًا عسيرًا.

ويُعرف التسويق التقليدي بأنه من أكثر أساليب التسويق شيوعًا واستمرارية، حيث يعتمد على وسائل الاتصال التقليدية مثل الإعلانات المطبوعة في الصحف والمجلات، واللوحات الإعلانية، والمنشورات والكتيبات، والكتالوجات، إضافة إلى الإعلانات التلفزيونية والإذاعية والبريد المباشر.

وفي المقابل، يعتمد التسويق الرقمي على استخدام الوسائط والشبكات الرقمية للترويج للمنتجات والخدمات والوصول إلى العملاء على نطاق واسع، من خلال أدوات متعددة مثل: منصات التواصل الاجتماعي، والبريد الإلكتروني، والمدونات، والتطبيقات الرقمية، والإعلانات الإلكترونية المدفوعة. ويتميز هذا النمط بقدرته على التفاعل المباشر مع الجمهور وإمكانية تعديل المحتوى بشكل سريع وفقًا لمتغيرات السوق.

المصدر

ثالثًا: أبرز استراتيجيات التسويق السياحي الخفي في العصر الرقمي

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع السفر والسياحة، لم يعد التسويق السياحي مقتصرًا على الترويج للوجهات السياحية فحسب، بل أصبح أداة استراتيجية تسهم في تعزيز تجربة الزائر، وبناء الصورة الذهنية للوجهة، وتحقيق ميزة تنافسية مستدامة. ولتحقيق هذه الأهداف، تعتمد المؤسسات والجهات السياحية على مجموعة من الاستراتيجيات التسويقية التي تسهم في جذب الزوار وتعزيز تفاعلهم مع الوجهة السياحية.

1- تطوير مواقع إلكترونية تركز على تجربة المستخدم

يمثل الموقع الإلكتروني الواجهة الرقمية الأولى للوجهة السياحية، ولذلك فإن تصميمه وفق معايير سهولة الاستخدام وسرعة التصفح يعد عاملًا أساسيًا في التأثير على قرارات الزوار المحتملين. كما ينبغي أن يركز الموقع على إبراز التجارب الفريدة التي يمكن أن يعيشها الزائر، إلى جانب توفير محتوى يعكس القيمة المضافة للزيارة ويساعد المستخدم على التخطيط لرحلته بسهولة.

يُعد موقع Visit Costa Rica نموذجًا بارزًا لتوظيف المنصات الرقمية المرتكزة على تجربة المستخدم، حيث أعاد مجلس السياحة الكوستاريكي تصميم الموقع عام 2024 ودمج تقنية الذكاء الاصطناعي Mindtrip لتقديم توصيات مخصصة للزوار في الوقت الفعلي. وأسهم ذلك في زيادة تفاعل المستخدمين بنسبة 53% وتوجيه أكثر من 1000 إحالة مباشرة إلى الشركات السياحية المحلية، بما يؤكد قدرة مواقع الوجهات السياحية على التحول من منصات معلوماتية إلى أدوات تسويقية فعالة تدعم قرار السفر وتعزز الارتباط بالوجهة.

2- توظيف التسويق عبر البريد الإلكتروني

يُعد البريد الإلكتروني من الوسائل الفعالة للحفاظ على التواصل مع الزوار المحتملين خلال مختلف مراحل تخطيط الرحلة. وتُعدّ كل من Booking.com وAirbnb  من أبرز النماذج التطبيقية على توظيف التسويق عبر البريد الإلكتروني في القطاع السياحي، إذ تعتمدان على تخصيص رسائلهما البريدية بناءً على السلوك الفردي لكل مستخدم، فإذا بحث أحدهم عن إقامة في مدينة معينة، تلقّى على الفور رسائل تتضمن أفضل العروض والصفقات المتاحة في تلك المدينة تحديدًا. ويندرج هذا الأسلوب ضمن ما يُعرف بقمع التسويق عبر البريد الإلكتروني، الذي يرافق العميل المحتمل في كل مرحلة من مراحل رحلة اتخاذ قراره؛ إذ تشير الدراسات إلى أن المسافرين يبدؤون التخطيط لرحلاتهم قبل شهر إلى ثلاثة أشهر من موعدها، وهو ما يُتيح للمسوق توظيف هذه الفترة لتقديم المحتوى التعليمي والعروض الحصرية التي تُعجّل بقرار الحجز.

3- تحسين الظهور في محركات البحث

يسهم تحسين محركات البحث (SEO) في تعزيز ارتباط شركات السفر بالمستخدمين الذين يخططون لرحلاتهم، من خلال رفع مستوى ظهورها في نتائج البحث وجذب زوار أكثر دقة واهتمامًا. وفي هذا السياق، أحدثت تقنيات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي تحولًا مهمًا في سلوك البحث السياحي، حيث شهدت ملخصات Google المدعومة بالذكاء الاصطناعي زيادة كبيرة في الظهور بنسبة 381% لاستفسارات السفر خلال تحديث مارس 2025، كما أصبحت هذه الملخصات تظهر في أكثر من 13% من إجمالي عمليات البحث، وهو ما يعيد تشكيل طريقة تدفق الزيارات الرقمية، ويؤثر بشكل مباشر على آليات اتخاذ القرار السياحي.

4. التسويق المضخم أو المبالغ فيه في التسويق السياحي (Bait and Tease Marketing):

يتمثل هذا الأسلوب في الترويج للمقاصد والخدمات السياحية من خلال إبرازها بصورة مثالية لجذب السائحين والتأثير في قراراتهم، إلا أن المبالغة في عرض الواقع قد تؤدي إلى نتائج عكسية إذا لم تتطابق التجربة الفعلية مع الصورة المروَّج لها، مما يؤثر سلبًا على رضا السائح وثقته بالمقصد السياحي. لذلك تؤكد الدراسات أهمية تقديم محتوى سياحي واقعي وموثوق به، مع توظيف مواد ترويجية جذابة كالفيديوهات الدعائية والإعلانات المرئية لإبراز المقومات السياحية والثقافية والترفيهية وجذب المزيد من الزوار.

يُعد موقع Tripadvisor من أبرز النماذج في توظيف التسويق الرقمي السياحي، إذ نجح في بناء حضور عالمي عبر توفير محتوى غني يعتمد على تقييمات ومراجعات المستخدمين للفنادق والمطاعم والمعالم السياحية. واستند نجاحه إلى استراتيجية دولية لتحسين محركات البحث، شملت إنشاء نسخ محلية مخصصة للأسواق المختلفة، وتكييف المحتوى وفق اللغات والثقافات وسلوك البحث المحلي، إلى جانب الاعتماد على المحتوى الذي ينشئه المستخدمون باعتباره مصدرًا متجددًا وموثوقًا. وقد أسهمت هذه الاستراتيجية، مدعومة بتقنيات تحسين الفهرسة والشراكات المحلية، في تعزيز ظهور الموقع في نتائج البحث وجعله مرجعًا رئيسيًا للمسافرين حول العالم.

5- دمج روبوتات الدردشة الذكية

أصبحت روبوتات الدردشة وسيلة مهمة لتقديم الدعم الفوري للزوار والإجابة عن استفساراتهم على مدار الساعة. وتسهم هذه التقنية في تحسين تجربة المستخدم من خلال توفير المعلومات بسرعة وكفاءة، فضلًا عن إمكانية تقديم توصيات وخدمات مخصصة تتناسب مع احتياجات كل زائر. تُعد تجربة شركة KLM Royal Dutch Airlines  الهولندية، من أبرز نماذج دمج روبوتات الدردشة الذكية في التسويق السياحي، حيث طورت روبوت محادثة معروف باسم ” BB لتقديم معلومات فورية حول الوجهات ومدة الرحلات، ومساعدة العملاء في حجز التذاكر والإجابة عن استفساراتهم، وقد أسهم هذا التطبيق في تحسين تجربة المستخدم وتعزيز التفاعل مع العملاء عبر القنوات الرقمية، مما جعله أداة فعالة لدعم التسويق السياحي وتسهيل عملية اتخاذ قرار السفر.

6- منصات التواصل الاجتماعي

أصبحت منصات التواصل الاجتماعي مصدرًا رئيسيًا لإلهام السفر وتشكيل الصورة الذهنية للوجهات السياحية، حيث يعتمد المسافرون بشكل متزايد على الصور ومقاطع الفيديو المنشورة عبر المنصات الرقمية لاستكشاف الوجهات وتقييمها. وتشير البيانات إلى أن 62% من المستهلكين يستلهمون قرارات سفرهم من هذه المنصات، بينما يعتمد 73% على توصيات المؤثرين عند الحجز، كما يستخدم نحو 74% من المسافرين وسائل التواصل الاجتماعي لاختيار وجهاتهم السياحية. وفي استجابة لهذا التحول، طورت شركات كبرى مثل Expedia Group أدوات رقمية تربط بين المحتوى المنشور وخيارات الحجز الفعلية باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. كما تستخدم 88% من شركات السياحة هذه المنصات للترويج والتفاعل مع العملاء، بما يعكس الدور المتنامي للمحتوى الرقمي في توجيه الطلب السياحي عالميًا.

وفي هذا السياق، برزت أنماط متعددة من التسويق السياحي غير المباشر عبر المنصات الرقمية، من أبرزها:

  • التسويق الفيروسي (Viral Marketing)

يعتمد هذا النمط على نشر محتوى سياحي جذاب قابل للمشاركة السريعة بين المستخدمين، بما يؤدي إلى انتشار واسع وغير مخطط له للمادة التسويقية. وغالبًا ما يستفيد من صناع المحتوى والتجارب الشخصية في تقديم الوجهات بصورة واقعية وجذابة، مما يعزز مصداقية الرسالة التسويقية ويؤدي إلى تكوين صورة ذهنية إيجابية عن المقصد السياحي. وتزداد فعاليته عندما يتم تداول المحتوى بشكل طوعي داخل الشبكات الاجتماعية، الأمر الذي يضاعف من أثره الترويجي.

ومن الأمثلة التطبيقية على ذلك تجربة متحف عائلة والت ديزني  Walt Disney Family Museum، الذي تعاون مع منصة STQRY لتطوير تطبيق تفاعلي يتيح جولات رقمية متعددة اللغات، مع دعم ميزات الوصول لذوي الإعاقة، بما عزز من انتشار التجربة رقميًا حتى في فترات الإغلاق خلال جائحة كوفيد-19، ليصبح المحتوى الرقمي امتدادًا للتجربة السياحية وليس مجرد أداة ترويجية.

  • التسويق عبر ألعاب الفيديو (Marketing in Video Games)

يُعد توظيف ألعاب الفيديو في التسويق السياحي أحد الأساليب الحديثة التي تعتمد على دمج العناصر الثقافية والمعمارية للوجهات داخل بيئات الألعاب التفاعلية، بما يسمح للاعبين باكتشاف هذه المقومات بشكل غير مباشر وتفاعلي.

وتبرز لعبة “أساسنز كريد ميراج”  Assassin’s Creed Mirage كنموذج واضح لهذا الاتجاه، حيث قدمت تصورًا بصريًا وثقافيًا للعراق وبغداد في العصر الذهبي الإسلامي، مع مستوى عالٍ من الدقة في التفاصيل المعمارية والثقافية. وأسهم هذا التوظيف في تعزيز الارتباط العاطفي لدى اللاعبين بالمكان، وتحفيز اهتمامهم بالثقافة المرتبطة به، بما جعل اللعبة وسيلة فعالة لتغيير الصور النمطية وتوليد رغبة حقيقية لدى بعض الفئات في زيارة هذه الوجهات على أرض الواقع.

المصدر

7- الاستفادة من المؤثرين والمحتوى الذي ينشئه المستخدمون

تُعد الاستعانة بالمؤثرين والمحتوى الذي ينشئه المستخدمون من أبرز استراتيجيات التسويق السياحي الحديثة، لما توفره من مصداقية وقدرة على الوصول إلى شرائح واسعة من الجمهور. ويعتمد هذا النهج على عرض التجارب السياحية الحقيقية من خلال الصور والفيديوهات والتقييمات التي ينشرها الزوار عبر المنصات الرقمية، مما يجعل الرسائل التسويقية أكثر واقعية وتأثيرًا من الإعلانات التقليدية، ويسهم في تعزيز الثقة بالوجهة السياحية وتكوين انطباعات إيجابية لدى المسافرين المحتملين.

  • تسويق المشاهير (Celebrity Marketing)

يعتمد هذا الأسلوب على الاستعانة بالمشاهير من فنانين ورياضيين وصناع محتوى للترويج غير المباشر للوجهات السياحية، من خلال مشاركتهم لتجارب سفرهم عبر الصور أو الفيديوهات أو الظهور الإعلامي أثناء زيارتهم لمواقع سياحية مختلفة. ويسهم ذلك في جذب الانتباه إلى الوجهة وتعزيز جاذبيتها عبر التأثير الرمزي للمشاهير وثقة الجمهور بهم.

وتُعد حملة Pure New Zealand 100% نموذجًا بارزًا في هذا السياق، حيث قامت على دمج المحتوى الذي ينشئه المستخدمون مع دور المؤثرين والمشاهير لتعزيز مصداقية التجربة السياحية. وقد ركزت الحملة على تحويل الزوار إلى سفراء للوجهة من خلال مشاركة تجاربهم وقصصهم وصورهم عبر المنصات الرقمية، إلى جانب التعاون مع مؤثرين وشخصيات عامة وبرامج إعلامية دولية، بما أسهم في بناء صورة ذهنية متسقة وموثوق بها عن نيوزيلندا كوجهة تعتمد على التجربة الحقيقية لا الترويج التقليدي.

  • مروجو العلامة (Brand Pushers)

ويعتمد هذا الأسلوب على أشخاص ذوي مصداقية وتأثير اجتماعي يقومون بنقل تجاربهم وآرائهم حول الوجهات السياحية بطريقة تبدو طبيعية وغير دعائية مباشرة، سواء عبر التفاعل الواقعي أو من خلال المحتوى الرقمي. ويسهم هذا النوع من التسويق في تشكيل اتجاهات السائحين بشكل غير مباشر، وتعزيز جاذبية الوجهة عبر رسائل أكثر قربًا وواقعية.

وتُعد حملة Pure Michigan مثالًا ناجحًا على هذا النهج، إذ اعتمدت على السرد القصصي الهادئ والتجارب العاطفية التي تعكس هوية الولاية، بدلًا من التركيز على الإبهار البصري المباشر. وقد حققت الحملة نتائج ملموسة على مستوى العائد السياحي والصورة الذهنية، وأسهمت في تعزيز مكانة ميشيغان كوجهة سياحية قائمة على التجربة الإنسانية الأصيلة، لتصبح أحد النماذج العالمية في قوة التسويق القائم على المصداقية والسرد القصصي.

8- توظيف الوجهات السياحية في الأعمال الفنية

يُعد دمج المعالم الجغرافية والحضرية في الأفلام والمسلسلات ومنصات البث الرقمي أحد أبرز تطبيقات التسويق الخفي في القطاع السياحي، حيث تسهم الأعمال الفنية في الترويج غير المباشر للوجهات من خلال ربطها بقصص وتجارب تحظى بمتابعة جماهيرية واسعة. وتُعرف هذه الظاهرة أكاديميًا بمفهوم “سياحة مواقع التصوير”، والتي باتت تمثل أحد أسرع القطاعات نموًا في صناعة السياحة العالمية.

وتشير التقديرات إلى أن القيمة السوقية للسياحة السينمائية سترتفع من 71.6 مليار دولار أمريكي عام 2026 إلى نحو 157.5 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2036، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 8.2%، مدفوعة بالعلاقة المتنامية بين مشاهدة المحتوى عبر منصات البث الرقمي والرغبة في زيارة مواقع التصوير المرتبطة به. وفي عام 2024 كشفت البيانات أن الأفلام السينمائية تستحوذ على الحصة الكبرى من هذا السوق بنسبة تقارب 48%، تليها المسلسلات الرقمية، فيما تُعد أفلام المغامرات الأكثر تأثيرًا في تحفيز السفر بنسبة 35%. كذلك تمثل المناظر الطبيعية والمشاهد المفتوحة العامل الأكثر جذبًا للسياح، حيث تشكل نحو 40% من تفضيلات السفر المرتبطة بالأعمال السينمائية.

وتبرز تايلاند بوصفها إحدى الدول التي تبنت هذا التوجه بصورة منظمة، حيث أكدت ثاباني كياتفايبول، محافظ هيئة السياحة التايلاندية، أن وسائل الإعلام الترفيهية لم تعد تقتصر على الترفيه، بل أصبحت مصدرًا متزايد التأثير في إلهام الجماهير للسفر وتعزيز مفهوم “الوجهة السينمائية”. وفي هذا السياق، أعلنت إدارة السياحة التايلاندية في يناير 2026 استهداف تحقيق نمو بنسبة 10% في إيرادات تصوير الأفلام الأجنبية خلال العام ذاته، استكمالًا للنتائج القياسية المسجلة في عام 2025، والتي تجاوزت 7.7 مليارات بات تايلاندي من خلال استضافة 546 إنتاجًا دوليًا، من بينها الموسم الثالث من مسلسل “اللوتس الأبيض” وفيلم “عالم جوراسي: إعادة الميلاد”.

وفي فرنسا، أظهرت دراسة أُجريت عام 2024 بعنوان: “انتعاش السياحة في فرنسا بفضل مسلسلي إميلي في باريس ولوبين على نتفليكس”، حيث أفادت الدراسة بأن 10% من السياح أشاروا إلى أن مشاهدة الأعمال الفنية المرتبطة بباريس كانت السبب الرئيسي لقرار زيارتهم. ومن بين هؤلاء، برز مسلسل “إميلي في باريس” بوصفه المحفز الأكثر تأثيرًا، إذ أشار 38% إلى أنه كان الدافع الأساسي لرحلتهم، بينما ذكر 11% أن مسلسل “لوبين” لعب الدور الرئيس في اتخاذ قرار السفر. وتعكس هذه النتائج قدرة المحتوى الترفيهي على تحويل الاهتمام بالمكان من مجرد مشاهدة على الشاشة إلى رغبة فعلية في زيارته واستكشافه على أرض الواقع.

وتعكس هذه التجربة توجهًا متقدمًا نحو ربط صناعة المحتوى بالأهداف السياحية، حيث يُنظر إلى حوافز إنتاج الأفلام باعتبارها أداة لدعم الطلب السياحي وتعزيز جاذبية الوجهات على المدى الطويل. كما تمثل التجربة التايلاندية نموذجًا عمليًا لكيفية توظيف الإنتاجات السينمائية والتلفزيونية في بناء صورة ذهنية للوجهة وتحويل مشاهدي المحتوى إلى زوار فعليين، وهو ما يدعم تنامي دور التسويق الخفي القائم على المحتوى الترفيهي في تشكيل قرارات السفر والتأثير في سلوك السائحين.

9- المسارات السياحية التخصصية وتجربة السفر القائمة على القيم والأنماط الحياتية

في قطاع سياحة المأكولات، نجحت مدينة ريتشموند الكندية في تصميم ما يُعرف بـ “ Dumpling Trail” الذي حظي بتغطية عالمية واسعة وإدراج من شبكة “CNN Travel” كواحد من أهم مسارات الطهي الـ 12 الأكثر جاذبية في العالم، حيث نجح المسار في تحويل الوجبة اليومية التقليدية للمهاجرين إلى تجربة ثقافية وتاريخية تجذب متذوقي الأطعمة والمهتمين بالاستكشاف الثقافي لزيارة المطاعم الصغيرة والزوايا الخفية للمدينة.

المصدر

رابعًا: تحديات التسويق الخفي

على الرغم من الدور المتنامي للتسويق الخفي في تعزيز الصورة الذهنية للوجهات السياحية ودعم جاذبيتها عبر المحتوى الرقمي وصناع التأثير، فإنه يواجه مجموعة من التحديات المعقدة التي تمس الجوانب الأخلاقية والقانونية والمهنية، وتحد من فاعليته على المدى الطويل إذا لم يُدَر بشكل منضبط.

تتمثل أبرز هذه التحديات في إشكالية الشفافية والمصداقية، حيث قد يؤدي الطابع غير المباشر للترويج إلى التأثير على قرارات السائح دون وعي كامل بطبيعة الرسالة التسويقية، مما يخلق احتمال تضليل الانطباعات حول الوجهة السياحية أو تضخيم توقعات غير واقعية، وهو ما قد ينعكس لاحقًا في شكل فجوة بين التوقع والتجربة الفعلية، وبالتالي تراجع مستوى الرضا والثقة.

كما تبرز التحديات القانونية والتنظيمية المرتبطة بمتطلبات الإفصاح عن المحتوى الإعلاني، وحماية البيانات الشخصية، والالتزام بمعايير الإعلان الصادق، خاصة في ظل الاعتماد المتزايد على تتبع سلوك المستخدمين واستهدافهم بمحتوى مخصص. ويزيد من تعقيد هذه الإشكالية صعوبة ضبط الحدود الفاصلة بين المحتوى العضوي والمحتوى الترويجي في بيئات التواصل الاجتماعي.

ومن جهة أخرى، يثير التسويق الخفي إشكاليات أخلاقية تتعلق باستخدام أساليب غير مباشرة للتأثير في السائحين دون وضوح كافٍ لطبيعة الرسالة، بما قد يُفهم أحيانًا على أنه نوع من التوجيه غير المعلن لقرارات السفر. كما تتصاعد المخاوف المرتبطة بانتهاك الخصوصية نتيجة تحليل البيانات السلوكية والاهتمامات الشخصية لتقديم محتوى سياحي موجه بدقة عالية.

ولا يمكن إغفال ما يترتب على ذلك من مخاطر فقدان الثقة في حال انكشاف أن بعض التقييمات أو التجارب المنشورة مدفوعة أو غير حقيقية، الأمر الذي قد ينعكس سلبًا على سمعة المقصد السياحي والعلامات المرتبطة به. كما أن ارتفاع تكاليف إنتاج حملات تبدو طبيعية وواقعية، خاصة عند الاعتماد على المؤثرين وصناع المحتوى، يمثل تحديًا إضافيًا أمام المؤسسات السياحية.

وبناءً على ذلك، فإن نجاح التسويق الخفي في القطاع السياحي يظل مرهونًا بقدرته على تحقيق توازن دقيق بين الفاعلية التسويقية والالتزام بالمعايير الأخلاقية والقانونية، بما يضمن الحفاظ على ثقة الجمهور واستدامة الأثر الإيجابي للصورة الذهنية للوجهات السياحية.

المصدر

يتناول هذا القسم مجموعة من التجارب والممارسات الدولية الرائدة في توظيف الصورة الذهنية والتسويق الخفي لتعزيز تنافسية الوجهات السياحية، وذلك من خلال استعراض نماذج لدول نجحت في بناء مكانة سياحية متميزة عبر أدوات تسويقية مبتكرة وغير تقليدية.

وقد تم اختيار الدول محل الدراسة وفق منهجية تستند إلى عدد من المؤشرات والتقارير الدولية المرجعية، في مقدمتها مؤشر تنمية السفر والسياحة لعام 2024، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، والذي يقيم أداء 119 اقتصادًا في مجال السياحة والسفر، إلى جانب تقرير الأثر الاقتصادي للسفر والسياحة لعام 2025 الصادر عن المجلس العالمي للسفر والسياحة.

وانطلاقًا من هذه المنهجية، تم اختيار سبع دول التي تمثل نماذج بارزة على المستويين الإقليمي والدولي، تشمل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وقطر على مستوى الشرق الأوسط، وكوريا الجنوبية وسنغافورة على مستوى آسيا، والمملكة المتحدة على مستوى أوروبا، ورواندا على مستوى إفريقيا، وذلك بهدف الوقوف على أبرز الممارسات والتجارب الناجحة في توظيف الصورة الذهنية والتسويق الخفي لتعزيز جاذبية الوجهات السياحية ودعم قدرتها التنافسية.

أولًا: دول الشرق الأوسط

يُعد قطاع السفر والسياحة في الشرق الأوسط من أسرع القطاعات تعافيًا ونموًا على مستوى العالم، حيث جاء في المرتبة الثانية عالميًا بعد منطقة الكاريبي من حيث التعافي بعد جائحة كوفيد-19. ففي عام 2024، بلغت المساهمة الإجمالية للقطاع في الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة نحو 341.9 مليار دولار أمريكي، محققة نموًا بنسبة 7% مقارنة بعام 2023، وبارتفاع بلغ 16.1% مقارنة بمستويات ما قبل الجائحة في عام 2019.

وتتصدر المملكة العربية السعودية دول المنطقة من حيث حجم مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي عام 2024، بقيمة بلغت 107.5 مليارات دولار أمريكي، تليها الإمارات العربية المتحدة بنحو 70.1 مليار دولار أمريكي، ثم قطر بمساهمة بلغت 33.3 مليار دولار أمريكي. كما واصل القطاع دوره المحوري في دعم سوق العمل، حيث وفر نحو 7.3 ملايين وظيفة خلال عام 2024، بزيادة قدرها 406 آلاف وظيفة مقارنة بالعام السابق، واستحوذت المملكة العربية السعودية على ما يقرب من ثلاثة أرباع هذه الزيادة.

ويستند هذا الأداء القوي إلى النمو المتواصل في حركة السياحة والاستثمار؛ إذ بلغ إنفاق الزوار الدوليين نحو 172.2 مليار دولار أمريكي خلال عام 2024 في منطقة الشرق الأوسط بزيادة قدرها 7.8% مقارنة بعام 2023. كما سجلت الاستثمارات في قطاع السفر والسياحة نحو 84.5 مليار دولار أمريكي، وهو أعلى معدل نمو استثماري بين مختلف مناطق العالم، بزيادة بلغت 9.7% مقارنة بعام 2019، مدفوعًا بالتوسع الكبير في المشروعات السياحية والاستثمارات التي تضخها دول الخليج لتعزيز مكانة القطاع كمحرك رئيسي للتنويع الاقتصادي.

وتشير التوقعات المستقبلية إلى استمرار هذا الزخم؛ إذ يُتوقع أن ينمو القطاع بمعدل سنوي يبلغ 3.6% خلال الفترة (2025–2035)، متجاوزًا معدل نمو الاقتصاد الإقليمي البالغ 2.6%. ومن ثم، يُرجح أن ترتفع مساهمة القطاع إلى نحو 522.4 مليار دولار أمريكي، بما يمثل 11.5% من الاقتصاد الإقليمي، مع توفير نحو 2.2 مليون وظيفة إضافية ليصل إجمالي الوظائف المدعومة إلى نحو 9.9 ملايين وظيفة بحلول عام 2035.

المصدر

1- المملكة العربية السعودية

تُعد المملكة العربية السعودية من أبرز النماذج الإقليمية في توظيف الفعاليات والمواسم الترفيهية والثقافية والرياضية لتعزيز جاذبية المقصد السياحي وتنويع القاعدة الاقتصادية. ووفقًا لمؤشر تنمية السفر والسياحة لعام 2024، جاءت المملكة في المرتبة الحادية والأربعين عالميًا من بين 119 اقتصادًا، محققة 4.23 نقاط من أصل 7 نقاط، وهو ما يعكس التقدم المتواصل في تطوير البنية السياحية وتعزيز تنافسية القطاع.

وفي إطار مستهدفات رؤية السعودية 2030، نجحت المملكة في تحويل قطاع الترفيه من نشاط محدود إلى صناعة متكاملة، تسهم في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز الحركة السياحية، حيث أسهمت مبادرات مثل «موسم الرياض» و«مواسم السعودية» واستضافة الفعاليات الدولية الكبرى في ترسيخ مكانة المملكة كوجهة سياحية وترفيهية على المستويين الإقليمي والدولي. وقد ساعدت هذه الجهود في جذب نحو 29 مليون زائر وتحقيق إيرادات تجاوزت 42.6 مليار دولار أمريكي، فضلًا عن استقطاب أكثر من 7 ملايين سائح قدموا إلى المملكة بغرض الترفيه في عام 2025.

وتؤدي السياحة دورًا متناميًا في دعم الاقتصاد السعودي من خلال زيادة مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي، وجذب الاستثمارات، وتوفير فرص العمل. ويستهدف القطاع بحلول عام 2030 رفع مساهمته إلى أكثر من 10% من الناتج المحلي الإجمالي، واستقطاب 150 مليون زائر، إلى جانب تعزيز فرص التوظيف المرتبطة بالأنشطة السياحية والترفيهية. وفي هذا السياق، أصبحت الفعاليات والمواسم الترفيهية أداة استراتيجية لتشكيل صورة ذهنية حديثة للمملكة، وإبرازها كوجهة تجمع بين الثقافة والترفيه والرياضة، بما يدعم جهود التنويع الاقتصادي ويعزز تنافسيتها السياحية عالميًا، ومن هذه الفعاليات:

  • انطلاق مهرجان “شتاء الطنطورة” عام 2018

يعد أول حدث سنوي دولي يُقام بمدينة العلا السعودية، ويتضمن مجموعة غنية من الأنشطة والفعاليات المخصصة لمحبي الفن والثقافة، ويضم العديد من الفعاليات، بما فيها مهرجان المناطيد، وفعالية “رحلات الطائرات الكلاسيكية”، وتجارب للطهي تحت النجوم تنظم بإشراف طهاة عالميين حائزين على تصنيف درجة ميشلان، وقد استضاف أكثر من 37 ألف زائر من جميع أنحاء العالم خلال 10 أسابيع فقط. بالإضافة إلى مشاركة أسماء عالمية معروفة من الفنانين العالميين.

  • انطلاق برنامج مواسم السعودية عام 2019

يشمل البرنامج العديد من البرامج المصممة لعدد من المناطق بالمملكة، متمثلة في 11 موسمًا، وهي: موسم المنطقة الشرقية، وموسم شهر رمضان المبارك، وموسم عيد الفطر، وموسم جدة، وموسم الطائف، وموسم عيد الأضحى، وموسم اليوم الوطني، وموسم الرياض، وموسم الدرعية، وموسم العلا، وموسم حائل. ويمثل هذا البرنامج فرصة لتفعيل قطاع السياحة، في الوقت الذي تزخر فيه المملكة بالعديد من المقومات السياحية المهمة، بما في ذلك المناظر الطبيعة الخلابة، والثقافة العربية الأصيلة، والمواقع التاريخية العريقة، والبنى التحتية المتطورة.

  • اليوم العالمي للسياحة 2023

استضافت السعودية فعاليات الاحتفال بـ “اليوم العالمي للسياحة 2023″، والذي يُقام تحت شعار “السياحة والاستثمار الأخضر” بمشاركة أكثر من 500 من المسؤولين الحكوميين وقادة القطاع السياحي والخبراء من 120 دولة بمدينة الرياض، وذلك من أجل رسم خارطة مستقبل السياحة، ومناقشة أبرز الموضوعات ذات الصلة بالقطاع السياحي، بالإضافة إلى توعية المجتمع الدولي بأهمية السياحة وقيمتها الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، لكونها تمثل أكثر من 20% من إجمالي الناتج المحلي لبعض البلدان.

  • موسم الرياض

يُعد موسم الرياض الحدث الترفيهي الأبرز على المستويَيْن المحلي والإقليمي، وبدأ الإعلان عن نسخته الأولى في أواخر 2019، والذي تم الإعلان عنه في ميادين عالمية، أبرزها: منهاتن ونيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية، ومدينتا لندن ونيوكاسل في بريطانيا، وعدد من المدن العربية، منها: دبي والكويت والدوحة، فضلًا عن المدن السعودية الكبرى. ويواصل موسم الرياض تألقه في نسخته الأخيرة المطلقة في عام 2025، وقد بلغ إجمالي زوار موسم الرياض عام 2025 أكثر من 17 مليون زائر، بقيمة تقديرية تصل إلى 3.2 مليارات دولار أمريكي.

وتُعد المملكة العربية السعودية نموذجًا بارزًا لتوظيف الفعاليات والمواسم الترفيهية في تعزيز الجاذبية السياحية وتنويع دوافع الزيارة. فقد بلغ إجمالي عدد السائحين الوافدين إلى المملكة نحو 29.7 مليون سائح عام 2024، توزعوا بين 12.3 مليون سائح لأغراض دينية (41.5%)، و7.5 ملايين سائح لأغراض ترفيهية (25.2%)، و5.95 ملايين سائح لزيارة الأصدقاء والأقارب (20%)، ونحو مليوني سائح لكل من أغراض العمل والأغراض الأخرى (6.6% لكل منهما).

ويبرز الأثر المتزايد للفعاليات الترفيهية في النمو اللافت للسياحة الترفيهية، حيث ارتفع عدد السائحين الوافدين لهذا الغرض من نحو 900 ألف سائح عام 2017 إلى 7.5 ملايين سائح عام 2024، لتصبح السياحة الترفيهية ثاني أكبر دوافع الزيارة بعد السياحة الدينية. ويعكس هذا التطور نجاح المملكة في توظيف المواسم والفعاليات الكبرى، مثل «موسم الرياض» والبطولات الرياضية العالمية والحفلات الفنية والمهرجانات الثقافية، في ترسيخ مكانتها كوجهة سياحية وترفيهية رائدة على المستويين الإقليمي والدولي، وتعزيز قدرتها على جذب شرائح جديدة من الزوار.

المصدر

2- الإمارات العربية المتحدة

تأتي الإمارات في مؤشر تنمية السياحة والسفر عام 2024 بالمرتبة الثامنة عشر محققة 4.62  نقاط من أصل 7 نقاط، وتُعد نموذجا رائدا في تطوير قطاع السياحة الترفيهية، فقد نجحت الدولة في بناء منظومة سياحية عالمية تستند إلى بنية تحتية متطورة، وسياسات جاذبة للاستثمار، ومبادرات مبتكرة لتحسين تجربة الزائر، إلى جانب استضافة فعاليات دولية كبرى مثل معرض إكسبو دبي، كما أسهمت مشروعات نوعية مثل المدينة المستدامة في تعزيز مكانة الإمارات في مجال السياحة المستدامة، بينما عزز التنوع الثقافي والمطبخي من جاذبية دبي كوجهة عالمية استقبلت حوالي 19.59 مليون زائر من مختلف الجنسيات، وتعد دبي أولى الوجهات السياحية عالميًا، حيث شغلت المراكز المتقدمة في كثير من التصنيفات السياحية من أبرزها:

  • حصلت في عام 2025 على المركز الثالث عالميًا في قائمة الوجهات السياحية الأكثر شعبية في العالم وفقًا لجوائز «اختيار المسافرين»، التي تقدمها منصة “ريب أدفايزر”، حيث تأتي دبي بعد لندن التي احتلت المركز الأول، وبالي التي حلت في المركز الثاني.

  • صُنفت في عام 2025 كأفضل مدينة في العالم للمسافرات المنفردات في دراسة أجرتهاInsureMyTrip ، بفضل الشعور بالأمان ووجود أقسام مخصصة للنساء في وسائل النقل.

  • أصبحت في عام 2025 أول وجهة في الجزء الشرقي من الكرة الأرضية، يتم اعتمادها كمدينة صديقة لفئة ذوي التوحد، مما يُثبت التزامها بتوفير سفر مُيسّر.

  • حصلت في عام 2025 على المرتبة الأولى عالميًا كأفضل وجهة للسفر، حسب تصنيف موقع «Booking.com».

  • ثالث وجهة سياحية بالعالم يفضلها جيل «زد» في خريف 2025، بحسب تقرير صدر عن شركة “إير بي إن بي”.

  • أكثر مدينة مريحة للزيارة في العالم، خلال عام 2025، وفقًا لاستطلاع أجرته صحيفة «ديلي ميل» البريطانية.

  • المركز الثامن في قائمة أفضل مدن العالم للزيارة في عام 2026 ومتفوقة على مدن عالمية كبرى، بحسب تقرير “ريزونانس”.

وفيما يتعلق بالأداء الفندقي، سجّل قطاعا الفنادق والضيافة في الإمارة نتائج قياسية خلال عام 2025، ومع نهاية ديسمبر 2025، بلغت السعة الفندقية للمدينة 154.2 ألف غرفة فندقية موزعة على 827 منشأة، مما يضع دبي في موقع متقدم مقارنًة بمدن عالمية رائدة، مثل: بانكوك، ونيويورك، وباريس، وسنغافورة، ولندن. هذا، وقد نجحت دبي في تعزيز مكانتها كواحدة من أبرز الوجهات السياحية العالمية من خلال تنفيذ مجموعة متنوعة من المبادرات والفعاليات والمشروعات المبتكرة التي دعمت نمو القطاع السياحي ورفعت من جاذبية الإمارة للزوار. ومن أبرز هذه النماذج:

  • انطلاق معرض Expo عام 2020

شكّل معرض Expo 2020 دبي محطة فارقة في تعزيز مكانة الإمارة السياحية عالميًا، باعتباره أول معرض عالمي يُقام في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا وجنوب آسيا وأول معرض تستضيفه دولة عربية. وقد استقطب أكثر من 24 مليون زائر بين أكتوبر 2021 ومارس 2022، وأسهم في رفع عدد الزوار الدوليين إلى 14.36 مليون زائر عام 2022، بزيادة 97% مقارنة بعام 2021، مما دعم تعافي القطاع السياحي وزيادة الإشغال الفندقي والإنفاق السياحي.

  • المدينة المستدامة في دبي

مثّلت «المدينة المستدامة» نموذجًا رائدًا للسياحة والتنمية المستدامة، حيث نجحت في خفض استهلاك الكهرباء والمياه وتقليل النفايات من خلال تطبيق حلول بيئية مبتكرة. وأسهمت هذه المبادرات في تعزيز صورة دبي كوجهة مستدامة، بالتزامن مع ارتفاع عدد الزوار الدوليين إلى 18.72 مليون زائر عام 2024، والحفاظ على معدلات إشغال فندقي مرتفعة بلغت 78.2%.

  • مبادرات مبتكرة

واصلت دبي تطوير قطاع الضيافة عبر إطلاق مبادرات مبتكرة، من أبرزها برنامج المحفزات الاستثمارية لتشجيع إنشاء منشآت فندقية جديدة في مناطق النمو، إلى جانب تطبيق نظام تسجيل الوصول الفندقي الرقمي الذي يوفر تجربة وصول أسرع وأكثر سلاسة للزوار، بما يعزز تنافسية الإمارة كوجهة سياحية ذكية.

  • عالم المأكولات وفنون الطهي

عززت دبي مكانتها كوجهة عالمية لفنون الطهي من خلال افتتاح مطاعم عالمية جديدة وتوسيع تنوع تجارب الطعام. كما رسّخ دليل ميشلان دبي 2025 هذه المكانة بإدراج 119 مطعمًا تمثل 35 مطبخًا عالميًا، ومنح أول ثلاث نجوم ميشلان لمطعمين في الإمارة، مما أسهم في تعزيز جاذبية دبي لسياحة المأكولات والتجارب الفاخرة.

المصدر

3- قطر: الرياضة والفعاليات الكبرى كأداة تسويق سياحي غير مباشر

تُعد قطر نموذجًا بارزًا في توظيف الفعاليات الرياضية الكبرى لتعزيز التنمية السياحية والاقتصادية، حيث جاءت في المرتبة الثالثة والخمسين ضمن مؤشر تنمية السياحة والسفر لعام 2024 بمعدل 4.02 من 7. وقد تحولت استضافة البطولات العالمية، وعلى رأسها كأس العالم 2022، من حدث رياضي إلى منصة استثمارية كبرى أسهمت في تطوير البنية التحتية وتحقيق عوائد سياحية مستدامة.

وخلال البطولة، استقبلت قطر نحو 2.56 مليون سائح، واستمر الزخم عبر فعاليات دولية لاحقة مثل كأس العرب FIFA 2025، الذي جذب 674 ألف زائر في ديسمبر 2025 بزيادة 16% مقارنة بالعام السابق. كما ارتفعت إيرادات قطاع الإقامة السياحية إلى 8.3 مليارات ريال قطري في 2025، مع استقبال نحو 5.1 ملايين سائح ومتوسط إشغال فندقي بلغ 71% خلال النصف الأول من عام 2025، بما يعكس نجاح قطر في تحويل السياحة الرياضية إلى أداة فعالة للنمو الاقتصادي وتعزيز الصورة الذهنية عالميًا.

وأثناء استضافة بطولة كأس العرب 2025 FIFA ، بلغت إيرادات قطر في قطاع النقل المحلي فقط من الزوار 84 مليون ريال قطري، و201 مليون ريال قطر على قطاع التجزئة والسياحة، و246 مليون ريال قطري على الأغذية والمشروبات، و289 مليون ريال قطري إيرادات قطاع الطيران نظير رحلات السفر الجوي إلى قطر أثناء إقامة البطولة، كما بلغت إيرادات الفنادق والإقامة 315 مليون ريال قطري من 1.5 مليون ليلة فندقية تم حجزها من الزوار.

كما بلغت إيرادات قطر فقط من استضافة بطولة كأس العرب 2025 حوالي 2.89 مليار ريال قطري.

ونتيجة لما سبق، تُسهم استضافة الفعاليات الرياضية في ازدهار الاقتصاد من خلال السياحة، ولكنه ليس مصدرًا رئيسًا للازدهار الاقتصادي للدولة، حيث إنه قد يكون إنفاق مليارات الدولارات استعدادًا لاستضافة كأس العالم مخاطرة كبيرة لأي دولة، دون التنبؤ بتأثير ذلك على الاقتصاد، كما حدث في البرازيل عام 2014، حيث فاقت تكاليف كأس العالم 2014 فوائدها بكثير، ولم تحقق الحكومة البرازيلية سوى عائد ضئيل للغاية، مما أثار غضب العديد من البرازيليين الذين وُعدوا بعائد استثمار يصل إلى خمسة أضعاف وملايين فرص العمل الجديدة في الواقع.

المصدر

ثانيًا: قطاع السفر والسياحة في آسيا

يُعد قطاع السفر والسياحة في آسيا والمحيط الهادئ من أكبر القطاعات السياحية عالميًا وأكثرها تأثيرًا في دعم سوق العمل، حيث استحوذت المنطقة على نحو 55% من إجمالي الوظائف التي وفرها القطاع عالميًا خلال عام 2024، بما يعادل 196 مليون وظيفة من أصل 357 مليون وظيفة. ويمثل ذلك استمرارًا للنمو القوي للقطاع، إذ ارتفع عدد الوظائف المدعومة بنسبة 5.6% مقارنة بعام 2023، وبنسبة 4.5% مقارنة بمستويات ما قبل الجائحة في عام 2019.

وعلى الصعيد الاقتصادي، بلغت المساهمة الإجمالية لقطاع السفر والسياحة في الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة نحو 3.1 تريليونات دولار أمريكي خلال عام 2024، مما يعكس الأهمية المتزايدة للقطاع كأحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي في آسيا والمحيط الهادئ. وتبرز كل من كوريا الجنوبية وسنغافورة ضمن أبرز النماذج السياحية الرائدة في المنطقة، حيث بلغت مساهمة قطاع السفر والسياحة في الناتج المحلي الإجمالي نحو 73 مليار دولار أمريكي في كوريا الجنوبية، و54.6 مليار دولار أمريكي في سنغافورة، بما يؤكد الدور الحيوي الذي تؤديه السياحة في دعم اقتصادهما وتعزيز تنافسيتهما الإقليمية والدولية.

المصدر

1- سنغافورة: الابتكار العمراني كوسيلة لجذب السياحة العالمية

تأتي سنغافورة في مؤشر تنمية السياحة والسفر عام 2024 بالمرتبة الثالثة عشرة، محققة 4.76 نقاط من أصل 7 نقاط، كما تحتل سنغافورة المرتبة 29 عالميًا كأكثر الوجهات العالمية في السياحة، وقد وصل إجمالي إيرادات السياحة في سنغافورة حوالي 27.5 مليار دولار أمريكي واستقبلت نحو 12.4 مليون سائح عام 2025، مقارنةً بعام 2024، والذي وصل فيه إجمالي الإيرادات السياحة في سنغافورة 24.5 مليار دولار أمريكي واستقبلت نحو 13 مليون سائح خلال عام 2024.

وتُعد سنغافورة من أبرز الدول المتقدمة بمجال المدن الذكية والتخطيط العمراني، ويتضح ذلك في مشروع الحي الرقمي بمنطقة بونغول، الذي حول منطقة سكنية إلى وجهة ذكية متكاملة، ومشروع  Jewel Changi Airport، الذي نجح في تحويل المطار من مجرد مرفق للنقل إلى معلم سياحي عالمي مستقل، بالإضافة إلى مشروع  Gourmaze، الذي ابتكر نمطا جديدا من السياحة القائمة على التفاعل واكتشاف الثقافة المحلية عبر المأكولات وفنون الطهي، وهو ما جعلها نموذجًا جديرًا بالدراسة لفهم كيفية تنشيط السياحة وزيادة العوائد الاقتصادية وتحسين الصورة الذهنية للدولة على المستوى الدولي.

  • الحي الرقمي في منطقة بونغول Punggol

تُعد منطقة بونغول أول منطقة تجريبية شهدت تطبيق العديد من ميزات الاستدامة، ومنها ميزات البيئة، التي تتوافق مع الظروف المناخية الاستوائية في سنغافورة، حيث تحولت المنطقة من مجرد منطقة زراعية إلى بلدة بيئية ذكية جذابة مزودة بألواح الطاقة الشمسية، وخزانات جمع مياه الأمطار، وأضواء حساسة للحركة على السلالم، وموقف سيارات، مما أتاح توفير مساحات خضراء واسعة على مستوى الحي، وقد ساهم ذلك في جعلها وجهة سياحية.

  • مشروع Jewel Changi Airport

يُعد مشروع Jewel Changi Airport في سنغافورة أحد أبرز نماذج السياحة غير التقليدية المرتبطة بالمطارات، حيث يهدف إلى تحويل المطار إلى وجهة سياحية متكاملة وليس مجرد نقطة عبور. ويضم المشروع أكثر من 260 متجرًا ومطعمًا إلى جانب أكبر شلال داخلي في العالم، مستهدفًا جذب المسافرين العابرين وإطالة مدة إقامتهم وزيادة إنفاقهم داخل الدولة.

وقد حقق المشروع نجاحًا كبيرًا باستقطاب عشرات الملايين من الزوار، ليسهم في تعزيز مكانة سنغافورة كوجهة سياحية عالمية، حيث سجلت إيرادات السياحة نحو 22.4 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2024 بزيادة 10% عن العام السابق، إلى جانب استقبال 16.5 مليون زائر. كما ارتفع الإنفاق السياحي في قطاعات الترفيه والإقامة والتسوق، وبلغ متوسط إشغال الفنادق 81.8%، بما يعكس دور المشروع في دعم قطاع السياحة وتحسين تجربة الزوار وزيادة مدة الإقامة.

  • مشروع  Gourmaze

تم إطلاق هذا المشروع في سنغافورة عام 2025 بدعم من هيئة السياحة السنغافورية، ويُعد بمثابة نموذج سياحي مبتكر يجمع بين السياحة، والثقافة، والترفيه، والطعام، حيث يقوم على اكتشاف أماكن الطعام، من خلال حل المشاركين ألغاز وتحديات في الألعاب، وذلك في مقابل الحصول على وجبات الطعام.

المصدر

2- كوريا الجنوبية

يأتي ترتيب كوريا الجنوبية في مؤشر تنمية السياحة والسفر عام 2024 بالمرتبة الرابعة عشرة محققة 4.74 نقاط من أصل 7 نقاط ، وتُعد كوريا الجنوبية نموذجا رائدا في السياحة السينمائية عبر استخدام الدراما الكورية والموسيقى والثقافة الشعبية “الهاليو” في بناء صورة ذهنية إيجابية عن المجتمع الكوري وتعزيز جاذبيته السياحية عالميًا، مما انعكس في زيادة أعداد الزوار الراغبين في استكشاف المواقع الثقافية وأماكن تصوير الأعمال الفنية وتجربة أنماط الحياة الكورية، حيث بلغ إجمالي إيرادات السياحة في عام 2025 في كوريا الجنوبية 22.2 مليار دولار أمريكي من خلال استقبال حوالي 18.9 مليون سائح.

ولقد لعبت كوريا الجنوبية دورًا كبيرًا في تعريف العالم بالمجتمع الكوري من خلال استخدام ثقافات شعبية وصناعات إبداعية، وتقديم الثقافة الكورية اليومية كوسائل لبناء صورة ذهنية عالمية جذبت ملايين السياح، فأصبح الكثير من السياح يزورون أماكن تصوير المسلسلات الشهيرة، كما تبنت الدراما الكورية آلية تصحيح صورة نمطية سلبية مفادها أن الشعب الكوري شديد العملية ولا يهتم بالحياة الاجتماعية، وأنها مجتمعات منغلقة على نفسها ومقاومة للمظاهر الغربية، وقد تم تصحيح تلك الأفكار من خلال العديد من المسلسلات الكورية التي عُرِضت على الشاشات العربية المدبلجة للغة العربية.

وبناءً على ما سبق، تبيّن أن أكثر من نصف السياح الأجانب الذين زاروا كوريا الجنوبية كانوا متأثرين بظاهرة انتشار موجة الثقافة الكورية الشعبية “هاليو”، ووفقًا لإحصائيات مؤسسة السياحة الكورية –التي أجرتها على 3199 سائحا أجنبيا وافدا إلى كوريا من الصين واليابان والولايات المتحدة الأمريكية وهونغ كونغ وتايوان وتايلاند وماليزيا وسنغافورة– فإن  55.6% من السائحين تأثروا بالمسلسلات التلفزيونية والأفلام الكورية كأهم أسباب لاختيارهم كوريا كمقصد لرحلاتهم الحرة، بينما 36.8% من السائحين تأثروا بالبرامج التليفزيونية  الخاصة بتقديم أماكن الرحلات ونصحوا بالتوجه إلى كوريا الجنوبية، بينما 28.4% تأثروا بالمدونات حول الرحلات عبر شبكات التواصل الاجتماعي إلى كوريا الجنوبية، وزار 26.5% من السياح كوريا الجنوبية بناءً على توصيات من معارفهم، و24.4% بناءً على المقالات التي تلقوها حول تقديم أماكن الرحلات أو الذكريات عنها عبر المواقع المتخصصة في السفر على الإنترنت.

وبسؤال السائحين عن أكثر الأنشطة التي يقومون بها في كوريا الجنوبية، أجاب 67.2% من السائحين هناك، بأن التسوق هو أكثر الأنشطة التي يقومون بها في كوريا الجنوبية، بينما يقوم 51.3% منهم بتناول الطعام الكوري، وزيارة المعالم السياحية والثقافية، بينما 36.4% يتمتعون بمشاهدة المناظر الطبيعية بالبلاد، بينما يتردد 20.8% من السائحين لكوريا الجنوبية من أجل الترفيه والاستراحة، و11.7% منهم للمشاركة في العروض والفعاليات الثقافية، ويأتي 11.5% لمعايشة الموجة الكورية “هاليو”، وذلك كما هو موضّح بالأشكال الآتية:

المصدر

ثالثًا: قطاع السفر والسياحة في أوروبا

يُعد قطاع السفر والسياحة أحد المحركات الرئيسية للاقتصاد الأوروبي، في ظل مكانة أوروبا كأكثر مناطق العالم استقطابًا للزوار وتنوعًا في المقاصد السياحية. وقد بلغت مساهمة القطاع في الاقتصاد الأوروبي نحو 2.7 تريليون دولار أمريكي عام 2024، بما يعادل 9.6% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة، مما يعكس دوره الحيوي في دعم النمو الاقتصادي والتشغيل والتنمية الإقليمية. وتتصدر كل من ألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا الأسواق الأوروبية من حيث حجم قطاع السفر والسياحة، مستفيدة من قاعدة قوية من السياحة المحلية والدولية.

وفي هذا السياق، تبرز المملكة المتحدة بوصفها إحدى أبرز القوى السياحية في أوروبا، حيث تُعد ثاني أكبر دولة أوروبية من حيث مساهمة قطاع السياحة في الناتج المحلي الإجمالي بقيمة بلغت نحو367.2 مليار دولار أمريكي عام 2024، الأمر الذي يجعلها نموذجًا مهمًا لدراسة توظيف أدوات التسويق الحديثة والصورة الذهنية في تعزيز تنافسية الوجهات السياحية.

  • المملكة المتحدة: توظيف السياحة السينمائية في تعزيز الصورة السياحية

تأتي المملكة المتحدة في المرتبة السابعة في مؤشر تنمية السياحة والسفر 2024 محققة 4.96 نقاط من أصل 7. هذا، وتُظهر أبحاث هيئة السياحة البريطانية (VisitBritain) أن مواقع تصوير الأفلام والمسلسلات والبرامج التلفزيونية أصبحت من أبرز المحفزات المؤثرة في قرارات السفر، ففي عام 2023، أبدى 43% من المسافرين الدوليين اهتمامًا كبيرًا بزيارة مواقع التصوير خلال رحلاتهم الترفيهية المقبلة. وتكشف نتائج الاستطلاعات عن قوة تأثير المحتوى المرئي في تشكيل الطلب السياحي، إذ بلغ متوسط الراغبين في زيارة المملكة المتحدة بدافع السياحة السينمائية نحو 70% من إجمالي المسافرين المحتملين، أي ما يعادل سبعة من كل عشرة زوار.

كما تلعب مواقع الأفلام والتليفزيون دورًا مهمًا في التأثير على قرار السفر خارج لندن عند القيام برحلة ترفيهية للمملكة المتحدة، حيث وافق 73% من المسافرين للمملكة على أن مواقع الأفلام والتلفزيون لها تأثير إيجابي على الأقل جزئيًا على قرارهم بالسفر إقليميًا عبر المملكة المتحدة، مما يشير إلى أن محتوى الأفلام والتلفزيون البريطاني يمكن أن يلعب دورًا كبيرًا في المراحل الأولية للبحث والتخطيط.

المصدر

رابعًا: قطاع السفر والسياحة في إفريقيا

يلعب قطاع السياحة والسفر في إفريقيا دورًا مهمًا في الاقتصاد الإفريقي، حيث بلغت المساهمة الإجمالية لقطاع السفر والسياحة في الاقتصاد الإفريقي نحو 211 مليار دولار أمريكي خلال عام 2024، بما يمثل 7.8% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي للقارة. كما سجل القطاع نموًا بنسبة 9.5% مقارنة بعام 2023، وتجاوز مستويات ما قبل الجائحة في عام 2019 بنسبة 9.8%. وعلى صعيد التوظيف، دعم القطاع نحو 27.9 مليون وظيفة، وهو ما يمثل 5.6% من إجمالي العمالة في إفريقيا.

وعلى المدى الطويل، خلال الفترة من 2025 إلى 2035، يُتوقع أن تنمو مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي الإفريقي بمعدل سنوي يبلغ 3.7%، مع توفير نحو 10.7 ملايين وظيفة إضافية. وبذلك قد تصل مساهمة القطاع إلى 322.9 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2035، بما يمثل 7.7% من اقتصاد القارة، في حين يُتوقع أن يرتفع عدد الوظائف المدعومة إلى 40.5 مليون وظيفة، أي ما يعادل 6.1% من إجمالي العمالة في إفريقيا.

  • رواندا: التسويق السياحي عبر الرعاية الرياضية وبناء العلامة الوطنية

تُعد واحدة من أشهر حملات التسويق السياحي الحديثة في إفريقيا، وهي مثال واضح على ما يعرف بالتسويق عبر الرياضة أو التسويق الوطني بهدف بناء صورة دولية لدولة ما وجذب السياحة والاستثمار، وبدأت الفكرة رسميًا في مايو 2018 عندما أطلقتها هيئة التنمية الرواندية بالتزامن مع توقيع شراكة دعائية كبيرة مع نادي أرسنال الإنجليزي ليظهر شعار “Visit Rwanda”  على قمصان الفريق، وقد تم وصف هذا التعاون لاحقًا بأنه واحد من أكبر وأشهر استثمارات التسويق السياحي في القارة الإفريقية وامتد لاحقًا إلى أندية أخرى مثل باريس سان جيرمان وأتلتيكو مدريد.

وقدرت صفقة الرعاية بقيمة 34.5 مليون يورو، ولقد ساعدت الحملة بشكل مباشر في رفع إيرادات السياحة، فقد وصلت إلى حوالي 685 مليون دولار أمريكي في 2025 مقارنة بنحو 647 مليون دولار أمريكي في 2024 مع ارتفاع عدد الزوار إلى نحو 1.49 مليون سائح سنويًا، فضلًا عن استضافتها 165 حدثا دوليا وإقليميا وارتفع قطاع الحوافز والمؤتمرات بحوالي 94.7 مليون دولار أمريكي في 2025، مما عزز مكانتها كوجهة للسياحة ذات القيمة العالية والتجمعات العالمية.

المصدر

شهد قطاع السياحة المصري خلال السنوات الأخيرة نموًا ملحوظًا مدعومًا بسياسات حكومية استهدفت تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري وتنويع منتجاته، مما انعكس على زيادة أعداد السائحين والإيرادات السياحية وتعزيز دوره كمصدر رئيسي للنقد الأجنبي. وفي هذا الإطار، لم يعد نجاح القطاع يعتمد فقط على المقومات الطبيعية والأثرية، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بتوظيف أدوات التسويق الحديثة وغير المباشرة، من خلال الفعاليات الدولية والحملات الرقمية والتعاون مع المؤثرين وصناع المحتوى، بما يسهم في تعزيز الصورة الذهنية لمصر وجذب شرائح جديدة من السائحين.

ومن ثم، يستعرض هذا الجزء أبرز المؤشرات والإحصاءات المحلية لقطاع السياحة في مصر، إلى جانب تحليل أهم آليات التسويق السياحي غير المباشر التي أسهمت في دعم الصورة الذهنية لمصر كوجهة سياحية عالمية، وتعزيز قدرتها على جذب المزيد من الحركة السياحية الوافدة خلال السنوات الأخيرة.

أبرز الإحصاءات المحلية للسياحة في مصر:

يمثل قطاع السياحة دورًا هامًّا في التنمية الاقتصادية، حيث يُعد أحد مصادر النقد الأجنبي الهامة للدولة، ويساهم في توفير فرص عمل، وسد العجز في ميزان المدفوعات، وزيادة الدخل القومي، ويعزز من الاستثمار. كما يرتبط قطاع السياحة في مصر بأكثر من 70 قطاعا من القطاعات الإنتاجية والخدمية، وعليه تستهدف الحكومة المصرية زيادة حركة السياحة الوافدة لمختلف المدن المصرية، كمدينة شرم الشيخ، والغردقة، ومرسى علم، واستغلال ما تتمتع به مصر من تنوع المقاصد السياحية في زيادة أعداد السائحين.

انعكست جهود تطوير القطاع السياحي والتوسع في أدوات الترويج والتسويق الحديثة على الأداء الاقتصادي للسياحة في مصر، حيث سجل القطاع معدل نمو بلغ 17.3% خلال العام المالي 2024/2025 مقارنة بالعام السابق، وارتفع إلى 19.3% خلال الربع الرابع من العام ذاته. كما حققت الإيرادات السياحية مستوىً قياسيًا بلغ 16.7 مليار دولار أمريكي خلال العام المالي 2024/2025، مقابل 14.3 مليار دولار في العام المالي 2023/2024. ويُعزى هذا الأداء الإيجابي إلى مجموعة من العوامل، من أبرزها استقرار الأوضاع الأمنية، والتنافسية السعرية للمقصد السياحي المصري، والترويج لافتتاح المتحف المصري الكبير.

وفي الوقت نفسه، عززت السياحة مكانتها كأحد أهم مصادر النقد الأجنبي، لتصبح ثالث أكبر مصدر لهذه الموارد خلال العام المالي 2024/2025، مساهمةً بنحو 15.3% من إجمالي حصيلتها.

آليات التسويق السياحي غير المباشرة في مصر: 

تتميز مصر بامتلاكها العديد من الأماكن السياحية، هذا إلى جانب وجود بنية تحتية قوية صالحة لخدمة قطاع السياحة في مصر، تشمل الغرف الفندقية، والمنتجعات السياحية، ومكاتب حجز تذاكر الطيران، بالإضافة إلى العديد من المتاحف الأثرية مثل المتحف المصري الكبير –الذي تم افتتاحه في الربع الأخير من عام 2025– والمعابد مثل معبد أبو سمبل ومعبد الكرنك، ولكن اتجهت مصر في السنوات الأخيرة إلى تبني أساليب حديثة ومتنوعة في الدعاية والترويج السياحي فلم تعد تعتمد فقط على الإعلانات التقليدية بل توسعت في استخدام التسويق الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي والتعاون مع المؤثرين وصناع المحتوى العالميين؛ من أجل تعزيز الجذب السياحي، ويتمثل ذلك في:

ويأتي هذا التطور في إطار الدور الذي تقوم به الهيئة العامة للتنشيط السياحي، التي أُنشئت في مارس 1981 بهدف رفع معدلات تدفق السياحة الوافدة إلى مصر وتعزيز صورتها على المستويين الإقليمي والدولي. وتضطلع الهيئة بدور محوري في الترويج للمقومات السياحية عبر تصميم وتنفيذ حملات دعائية وتسويقية، والمشاركة في المعارض الدولية، وتنظيم الفعاليات التي تبرز التنوع الحضاري والثقافي والأثري للدولة، إلى جانب دراسة الأسواق المستهدفة وتطوير استراتيجيات تسويقية ملائمة لها، بما يسهم في تعزيز تنافسية مصر عالميًا ودعم الاقتصاد الوطني من خلال تنشيط الحركة السياحية.

وقد انعكست هذه التوجهات في عدد من المبادرات والحملات الترويجية التي وظفت أدوات التسويق غير المباشر، مثل التعاون مع المؤثرين وصناع المحتوى، واستضافة الفعاليات والمهرجانات الدولية، والترويج الرقمي للمقاصد السياحية المصرية. وفيما يلي أبرز هذه الآليات والنماذج التي أسهمت في تعزيز الصورة الذهنية لمصر وزيادة جاذبيتها السياحية:

1- المهرجانات والمؤتمرات في العلمين الجديدة

شهدت مصر في السنوات الأخيرة طفرة واضحة في تنظيم الفعاليات السياحية والثقافية لدعم الترويج للمقاصد الجديدة مثل مدينة العلمين الجديدة والساحل الشمالي والبحر الأحمر، حيث استقبل مهرجان العلمين في نسخته الأولى عام 2023 ما يقرب من مليون زائر خلال فترة إقامته التي امتدت نحو 45 يوما، وهو ما يعكس الدور المتزايد للمدينة كمركز جذب سياحي وترفيهي إقليمي.

وتتمثل أبرز فعاليات المهرجان في تنظيم بطولات رياضية دولية متنوعة مثل: البادل، والكرة الشاطئية، وسباق السيارات، إضافة إلى تحدي الجيت سكي  Jet Skiing” والبطولة العربية للجودو، وسباق الترايثلون “Triathlon” الذي يجمع بين السباحة وركوب الدراجات والجري، كما شمل المهرجان فعاليات فنية وترفيهية متميزة مثل عرض الأزياء للمصمم العالمي مايكل سينكو، وحفلات موسيقية كبرى لعدد من نجوم الوطن العربي، كما ارتفعت معدلات الإشغال في فنادق مدينة العلمين الجديدة إلى 100%، واستقطبت مصر نحو 7.069 ملايين سائح بين يناير ويونيو 2024.

2- موكب نقل المومياوات الملكية

يُعد موكب نقل المومياوات الملكية في أبريل 2021 نموذجًا بارزًا لتوظيف التراث الأثري في التسويق السياحي غير المباشر، حيث قُدم كحدث ثقافي عالمي حظي بتغطية إعلامية واسعة، وأسهم في تعزيز الاهتمام الدولي بالحضارة المصرية، وإبراز قدرة مصر على تنظيم فعاليات ثقافية كبرى. كذلك يعزز المتحف المصري الكبير هذا التوجه من خلال تقديم التراث المصري بأساليب عرض حديثة، مستفيدًا من الترويج الرقمي عبر المؤثرين العالميين ومنصات التواصل الاجتماعي، مثل زيارة صانع المحتوى IShowSpeed والشراكة مع منصة تيك توك، حيث تسهم هذه المبادرات في نشر محتوى سياحي عضوي يعزز الصورة الذهنية لمصر كوجهة سياحية عصرية وجاذبة لدى الأجيال الشابة.

وقد حظي المتحف المصري الكبير باهتمام إعلامي عالمي واسع، إذ تناولت كبرى المنابر الصحفية الدولية كمجلة Condé Nast Traveler حدث افتتاحه الرسمي، مسلطةً الضوء على تفاصيله المعمارية الفريدة وكنوزه الأثرية النادرة التي تضم أكثر من 100,000 قطعة أثرية، في مقدمتها المجموعة الكاملة لمقتنيات الملك توت عنخ آمون التي تُعرض للجمهور بالكامل لأول مرة في تاريخها. وقد أبرز هذا الاهتمام الإعلامي الدولي الاحتفالية الكبرى التي أُقيمت بحضور ملوك ورؤساء ووفود رفيعة المستوى من عشرات الدول، فضلًا عن تسليط الضوء على مكانة المتحف بوصفه أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة. ويُسهم هذا الزخم الإعلامي بشكل فعّال في ترسيخ مكانة المتحف كوجهةً سياحية عالمية من الطراز الأول.

3- حملة مستر بيست

تُعد حملة صانع المحتوى الأمريكي الشهير مستر بيست من أبرز نماذج التسويق السياحي الرقمي غير المباشر التي استفادت منها مصر خلال عام 2025، حيث نشر فيديو بعنوان «قضيت 100 ساعة داخل الأهرامات»، حظي بانتشار عالمي واسع وحقق عشرات الملايين من المشاهدات خلال فترة قصيرة. وقد أسهمت الحملة في تسليط الضوء على الحضارة المصرية والأهرامات أمام جمهور دولي ضخم، مما عزز الحضور الرقمي للمقصد السياحي المصري وحقق العديد من المكاسب التسويقية والسياحية، من أبرزها:

  •  زيادة الوعي العالمي بالمقاصد السياحية المصرية بشكل غير مباشر وبتكلفة أقل مقارنة بالإعلانات التقليدية الضخمة.

  • تعزيز صورة مصر كوجهة سياحية آمنة ومثيرة للاهتمام تجمع بين التاريخ العريق والتجربة الحديثة.

  •  رفع معدلات البحث والحجز السياحي، حيث شهدت بعض المنصات السياحية زيادة في الاهتمام بمصر بعد انتشار الفيديو.

  •  استهداف فئة الشباب من السياح، وهي فئة مؤثرة في صناعة السياحة العالمية؛ نظرًا لاهتمامها بالتجارب الفريدة والمغامرات.

المصدر

4- حملة “مصر.. تنوع لا يضاهى”

أطلقت وزارة السياحة والآثار مجموعة من الحملات الترويجية بعدد من الأسواق السياحية المستهدفة في أوروبا وأمريكا اللاتينية، ومن بين هذه الأسواق: السوق الفرنسي، والإيطالي، والإسباني، والبرازيلي، والروسي من أجل إظهار المقومات والمنتجات والأنماط السياحية المتنوعة التي يتمتع بها المقصد السياحي المصري مع الاعتماد  على وسائل إعلانية حديثة ذات انتشار واسع وتأثير مباشر مع التركيز على مواقع تتميز بكثافة سياحية وحركة يومية مرتفعة، بما يسهم في تعزيز الحضور البصري للمقصد السياحي المصري وترسيخ صورته الذهنية لدى الجمهور المستهدف، فعلى سبيل المثال:

  • نُفِذت أول حملة ترويجية في البرازيل تزامنًا مع مشاركة مصر في المعرض السياحي الدولي ILTM Latin America بساو باولو مستهدفة شرائح السائحين ذوي الإنفاق المتوسط والمرتفع عبر شاشات رقمية في الشوارع والمراكز التجارية بعدد من كبرى المدن البرازيلية والمطار الدولي بالعاصمة برازيليا، بالإضافة إلى شاحنات دعائية مزودة بشاشات LED جذبت المناطق ذات الكثافة المرتفعة محققة أكثر من 25.5 مليون ظهور إعلاني.

  • نُفِذت الحملة في فرنسا من خلال إطلاق إعلانات داخل 25 محطة قطار رئيسية عبر 67 شاشة إعلانية محققة أكثر من 23 مليون ظهور إعلاني والوصول إلى أكثر من 4 ملايين شخص، بالإضافة إلى إعلانات على الحافلات السياحية بمدينة باريس، وعرض مواد ترويجية للمقصد المصري على شاشات رقمية كبرى بمحيط مهرجان “كان” السينمائي الدولي.

  • نُفِذت الحملة في إيطاليا، بالمطارات الرئيسية ومحطات القطارات المركزية ووسائل النقل العام وعلى شاشات عرض رقمية بالميادين والمناطق الحيوية بمدينتي روما وميلانو، بالإضافة إلى إعلانات على الحافلات السياحية بمدينتي نابولي وبولونيا.

  • نُفِذت الحملة في إسبانيا، بمحطات مترو الأنفاق والمراكز التجارية في مدريد وبرشلونة من خلال مئات الشاشات الرقمية التي عرضت مواد ترويجية للمقصد المصري.

  • نُفِذت الحملة في روسيا على هامش مشاركة مصر في معرض MITT الدولي بموسكو خلال شهر مارس الماضي، شملت تسع مدن روسية عبر مجموعة متنوعة من الوسائل الإعلانية الخارجية، من بينها الشاشات الرقمية واللوحات الإعلانية بإجمالي معدل مشاهدة يقدر بنحو 9 ملايين مشاهدة يوميًا

5- حملة Follow the sun

أطلقت الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي الحملة في مارس 2021 بهدف إعادة تنشيط السياحة المصرية واستهداف الأسواق الأوروبية والأمريكية الرئيسية مثل المملكة المتحدة، وألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، والولايات المتحدة الأمريكية. وقد تم تصميم الحملة كجزء من استراتيجية تسويق رقمية حديثة تعتمد على الإعلانات الرقمية عبر منصات التواصل الاجتماعي لزيادة الوصول العالمي للمحتوى السياحي المصري، ولقد حققت الحملة انتشارًا واسعًا؛ حيث وصلت حتى يونيو 2022 إلى ما يقارب 495.3 مليون مستخدم عالميًا عبر المنصات الرقمية المختلفة مع تسجيل حوالي 68.6 مليون مشاهدة مباشرة للمحتوى الإعلاني عبر الأسواق المستهدفة. وبشكل عام، ساهمت الحملة في زيادة معدلات البحث الإلكتروني عن السياحة والسفر إلى مصر على شبكة الإنترنت عام 2022 بمعدل 121% مقارنة بعام 2021.

6- مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ COP27

يُعد هذا المؤتمر أحد أكبر الأحداث الدولية التي استقبلتها مصر في تاريخها الحديث، الذي عُقِد بمدينة شرم الشيخ في نوفمبر 2022 بمشاركة أكثر من 45 ألف مشارك من نحو 197 دولة، مما أدى إلى تحول المدينة بالكامل إلى مركز عالمي للأعمال والسياحة في الوقت نفسه، ولقد تم اعتبار المؤتمر حدثا سياحيا ضخما غير مباشر، لأنه أدى إلى إعادة تسويق شرم الشيخ عالميًا  كوجهة قادرة على استضافة الفعاليات الدولية الكبرى. وخلال المؤتمر شهدت شرم الشيخ ارتفاعًا غير مسبوق في الطلب، حيث وصلت نسبة الإشغال الفندقي إلى 100% في ذروة أيامه مع استقبال عشرات الآلاف من الوفود في فترة قصيرة جدًا.

7- المهرجانات السينمائية

تسهم المهرجانات السينمائية في جذب الزوار، حيث أولت الدولة المصرية اهتمامًا متزايدًا بتنظيم واستضافة المهرجانات والاحتفالات الدولية والإقليمية، باعتبارها وسيلة فعالة للترويج السياحي غير المباشر وتعزيز مكانة الدولة على خريطة السياحة العالمية، ومن أبرزها:

  • مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول حوض البحر المتوسط: مهرجان سنوي يهدف إلى تعزيز التبادل الثقافي والسينمائي بين دول البحر المتوسط، ويستقطب صناع السينما والمبدعين من مختلف دول العالم. كما يتضمن برامج سياحية للضيوف تسهم في الترويج للمقاصد السياحية المصرية.

  • مهرجان القاهرة السينمائي الدولي: يُعد من أعرق المهرجانات السينمائية في العالم العربي وإفريقيا، ويحظى باعتراف الاتحاد الدولي لجمعيات منتجي الأفلام (FIAPF) كأحد أبرز المهرجانات التنافسية الدولية. ويجمع نخبة من صناع السينما العالميين، مما يسهم في تعزيز الحضور الثقافي والسياحي لمصر عالميًا.

  • مهرجان الجونة السينمائي: يُعد من أبرز المهرجانات السينمائية في مصر والمنطقة، ويسهم في الترويج السياحي والثقافي للدولة من خلال استقطاب صناع الفن والسينما من مختلف دول العالم. كما يمثل منصة فعالة لإبراز المقومات السياحية لمحافظة البحر الأحمر، ولا سيما مدينتي الغردقة والجونة، بما يعزز مكانتهما كوجهتين سياحيتين على المستويين الإقليمي والدولي.

8- المطاعم والمأكولات والطهي

تلعب المطاعم في مصر دورا مهما في الترويج للسياحة غير التقليدية باعتبارها جزءا من تجربة السياحة الغذائية والثقافية، حيث لم يعد السائح يزور المعالم الأثرية فقط بل يبحث أيضًا عن تجربة الطعام المحلي كعنصر أساسي في الرحلة، ولذلك تعمل الدولة عبر وزارة السياحة والغرف السياحية على تطوير ما يعرف بالمطاعم السياحية المعتمدة وتنظيمها داخل منظومة ترفع جودة الخدمة وتربطها بالمنتج السياحي المصري في المدن التاريخية والساحلية، مثل القاهرة والأقصر والغردقة وشرم الشيخ.

كما تستخدم المطاعم كأداة ترويجية عبر إدماجها في الحملات السياحية والفعاليات، حيث يتم تنظيم تجارب مثل الجولات الغذائية في القاهرة التاريخية، المتمثلة في خان الخليلي ووسط البلد، والتي تجمع بين الطعام الشعبي والتراث العمراني، بالإضافة إلى إدخال المأكولات المصرية التقليدية مثل الكشري والطواجن في البرامج السياحية التي تقدمها الشركات والفنادق، وهذا التوجه يتماشى مع طبيعة القطاع السياحي الذي يضم 1.62 ألف مطعم وكافيتريا سياحية معتمدة في مصر.

المصدر

ختامًا، في ضوء ما شهدته صناعة السياحة العالمية من تحولات متسارعة خلال العقود الأخيرة، يتضح أن التنافس بين الوجهات السياحية لم يعد قائمًا فقط على وفرة الموارد الطبيعية أو ثراء المقومات التاريخية والثقافية، بل أصبح يرتكز بصورة متزايدة على القدرة على بناء صورة ذهنية إيجابية ومؤثرة لدى السائح، وتوظيف الأدوات الرقمية الحديثة لصياغة هذه الصورة وتعزيزها. فالسائح المعاصر يتخذ قراراته استنادًا إلى ما يتلقاه من محتوى رقمي وتجارب افتراضية وانطباعات متراكمة تسبق رحلة السفر الفعلية، الأمر الذي جعل إدارة الصورة الذهنية أحد أهم محددات التنافسية السياحية في العصر الرقمي.

هذا وتمثل السياحة إحدى القوى الاقتصادية العالمية المحركة للنمو والتشغيل والاستثمار، وأن استمرار نموها خلال السنوات المقبلة سيزيد من حدة المنافسة بين المقاصد السياحية على جذب السائحين والاستثمارات المرتبطة بالقطاع. وفي هذا الإطار، برزت أدوات تسويقية جديدة تتجاوز الأساليب التقليدية، وعلى رأسها التسويق الخفي، والتسويق عبر المؤثرين، والمحتوى الذي ينشئه المستخدمون، وتوظيف الإنتاج الإعلامي والسينمائي والألعاب الرقمية، بما يسهم في تشكيل الإدراك العام للوجهات السياحية بصورة أكثر تأثيرًا واستدامة.

كما أظهرت التجارب الدولية الناجحة أن الاستثمار في بناء الصورة الذهنية وتعزيز الحضور الرقمي للوجهة السياحية أصبح أحد أكثر الاستثمارات جدوى في دعم القدرة التنافسية للدول، حيث نجحت العديد من المقاصد في تحويل عناصرها الثقافية والطبيعية إلى علامات ذهنية عالمية ساهمت في زيادة التدفقات السياحية وتعظيم العوائد الاقتصادية.

وفيما يتعلق بمصر، فإن ما تمتلكه من مقومات حضارية وتاريخية وثقافية وطبيعية استثنائية يوفر أساسًا قويًا لتعزيز مكانتها على خريطة السياحة العالمية. إلا أن تعظيم الاستفادة من هذه المقومات يتطلب تبني رؤية متكاملة لإدارة الصورة الذهنية للمقصد السياحي المصري، ترتكز على الاستخدام الفعال للتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وتعزيز المحتوى السياحي المبتكر، وتوسيع الشراكات مع المؤثرين وصناع المحتوى والمنصات الإعلامية العالمية، إلى جانب تطوير آليات الرصد المستمر للانطباعات والتصورات الدولية بشأن مصر.

وفي النهاية، فإن بناء صورة ذهنية إيجابية ومستدامة لم يعد خيارًا تكميليًا في السياسات السياحية الحديثة، بل أصبح ضرورة استراتيجية لتعزيز القدرة التنافسية للدول في سوق عالمي شديد التغير. ومن ثم، فإن نجاح مصر في توظيف أدوات التسويق الرقمي والتسويق الخفي بصورة احترافية ومتكاملة يمكن أن يشكل رافعة رئيسة لتعزيز جاذبية المقصد السياحي المصري، وزيادة مساهمة القطاع السياحي في النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة خلال السنوات المقبلة.

اضغط هنا للتواصل معنا

مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري

IDSC

شهد مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري -منذ نشأته عام 1985– عدة تحوُّلات؛ ليُواكب التغيرات التي مرَّ بها المجتمع المصري. فقد اختص في مرحلته الأولى (1985-1999) بتطوير البنية المعلوماتية في مصر، ثم كان إنشاء وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات عام (1999) نقطة تحوُّل رئيسة في مسيرته؛ ليُؤدي دوره كمُؤسسة فكر (Think Tank) تدعم جهود مُتخذ القرار في شتى مجالات التنمية، ثم جاء قرار رئيس مجلس الوزراء، رقم 2085 لسنة 2023 بإعادة تنظيم مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار كهيئة عامة خدمية، تكون له الشخصية الاعتبارية، ويتبع رئيس مجلس الوزراء؛ تتويجًا لجهوده كمركز فكر حكومي متميز يدعم متخذ القرار على المستوى القومي.
نشرة مركز المعلومات اليومية الإلكترونية (IDSC Newsletter)
تصلكم يوميًا قبل الساعة السادسة صباحًا، عدا يوم السبت وأيام الأجازات الرسمية
Copyright © IDSC 2021, All rights reserved.

تواصل معنا عبر البريد الإلكتروني: newsletter@idsc.net.eg

Want to change how you receive these emails?
You can update your preferences or unsubscribe from this list

Comments (0)
Add Comment