تحقيق التوازن بين العمل والحياة
تغيَّرت النظرة إلى العمل كثيرًا عمّا كانت عليه في الماضي، فقد انقضت أيام تمجيد الإفراط في العمل بوصفه فضيلة. وأصبح تقدير التوازن بين الحياة المهنية والشخصية ضرورة لا غنى عنها، من قِبل العاملين، والقادة، والمؤسسات، على حد سواء.
يُعَد العمل جزءًا مهمًّا من الحياة؛ إذ يمنح شعورًا بالإسهام والمعنى، غير أن هنالك أبعادًا كثيرة في الحياة لا تقل أهمية خارج إطار العمل. وتشير بيانات منصة (Edu Birdie) إلى أن أفراد جيل زد يُعبِّرون عن وضوح تام في أولوياتهم وقيمهم في هذا الصدد:
السعادة في العمل ترتبط غالبًا بالسعادة خارج العمل. كما أنَّ القيام بأنشطة ممتعة خارج العمل يُسهم في تعزيز الشعور بالرضا داخل بيئة العمل أيضًا. لذا، يُستحسن الالتزام بعمل ذي قيمة، مع الحفاظ على هوية متكاملة متعددة الأبعاد، تشمل الاهتمامات والأنشطة الشخصية خارج نطاق الوظيفة.
وبناءً عليه، باتت مؤسسات عديدة تُولي أهمية متزايدة للجانب الحياتي خارج العمل، جنبًا إلى جنب مع بيئة العمل ذاتها. وتُعَد السياسات التي تتيح المرونة في تحديد توقيت العمل، ومكانه، وطريقته، إحدى السُبل التي تعكس هذا التوجه. كما أن تصميم المهام لتكون ذات مغزى وأثر ملموس، يُعد من المعايير المهمة.
الصحة والرفاهية
جزء مما سبق يرتبط أيضًا بموضوع الصحة والرفاهية، فوفقًا لاستطلاع منصة (Edu Birdie)، فإن 62% من جيل زد يَعتبرون أن صحتهم ورفاهيتهم الجسدية والنفسية تأتي في مقدمة اهتماماتهم، ويشعر 57% منهم أن الحفاظ على الصحة النفسية وتجنب الإرهاق هو التحدي الأكبر، ويواجه 38% منهم مشكلات في صحتهم الجسدية، ويعترف 14% من هذا الجيل بتأثير وسائل التواصل الاجتماعي على صحتهم.
يواجه هذا الجيل أعلى معدلات من الاكتئاب والقلق والوحدة والانتحار مقارنة بالسابقين؛ لذا تُعَد هذه القضايا أولوية ضرورية للقلق والدعم. لذلك، يستجيب أصحاب العمل عبر توفير أنماط دعم متعددة، مثل: برامج مساعدة الموظف، وتطبيقات للصحة النفسية، وجماعات دعم، وبرامج تنمية تشمل التأمل والتغذية ومجالات أخرى متعددة.
ونتيجة لذلك، يُوصى بالبحث عن ثقافات تنظيمية تُقدِّر الرفاهية الشاملة، وتستثمر فيها المؤسسات في تجارب العمل التي تُعزز الصحة البدنية والعقلية والمعرفية.
النمو الشخصي والمهني
جيل زد يُلهم التوجه نحو النمو الذاتي والمهني؛ إذ يرى 26% من أفراده أن ذلك هو الهدف الأهم، و24% يضعون التطور المهني والتعليمي في أولوياتهم. أما الانتقال إلى مناصب قيادية فيخيف 10% منهم.
وتُظهر المؤسسات تجاوبًا لهذا التأثير، من خلال تبني الشفافية في الرواتب وتوضيح المسارات الممكنة للترقيات، بالإضافة إلى إدراك قيمة التعليم والتطوير المهني في جذبهم والاحتفاظ بهم. وكل ذلك يشير إلى إمكانية توقُّع توفر فرص متزايدة للنمو والتطور المهني طوال مسيرة العمل، في ظل التغيُّرات التي يُحدِثها هذا الجيل في ثقافة بيئة العمل.
يواجه جيل زد مستقبلًا مشرقًا بأولويات واضحة، لكن لديهم أيضًا مخاوف. ومع ذلك يمكن أن يهيئ التركيز على جيل زد الظروف المناسبة لهم لتلقي الدعم، وإعالة أنفسهم، وأن تُتَرجَم مخاوفهم إلى اتجاهات إيجابية تؤثر على جميع الأجيال.
وارتباطًا بما سبق، فإن جذب أفراد جيل زد إلى أي مؤسسة ليس سوى البداية؛ فالإدماج الفعّال لهم ضمن قوة عاملة تمتد عبر خمسة أجيال يُعَد أمرًا بالغ الأهمية؛ إذ إن هذا الاندماج يُسهم في مساعدة القادة الأقل دراية بالتكنولوجيا على تقبُّل المهارات الرقمية التي يتمتع بها جيل زد دون أن يشعروا بالتهديد أو الارتباك. كما يشجع الموظفين الأكثر خبرة على مشاركة معارفهم وخبراتهم مع الأعضاء الأصغر سنًا؛ مما يعزز النمو المهني لجميع الأطراف.
إن إيجاد انسجام بين الأجيال أصبح أمرًا ذا أهمية متزايدة، خاصةً أن واحدًا من كل عشرة من أفراد جيل زد يشغل بالفعل منصبًا إداريًّا، وقد يكون مسؤولًا عن إدارة موظفين من جيل أكبر سنًّا. ويجب التذكير بأن بعض أفراد هذا الجيل باتوا في أواخر العشرينيات ويقتربون من بلوغ سن الثلاثين.
لطالما ترك كل جيل بصمته الخاصة في عالم العمل، بدءًا من انخراط النساء في سوق العمل خلال الحرب العالمية الثانية، وصولًا إلى مساهمات جيل الألفية في رفع مستوى الوعي بشأن قضايا مثل الصحة النفسية. أما الجيل زد، فقد بلغ سن الرشد في أعقاب جائحة تاريخية، واضطرابات جيوسياسية، وأزمة مناخية متصاعدة. وما يبحث عنه هذا الجيل في بيئة العمل –وكذلك ما يرفضه– من المرجح أن يترك أثرًا عميقًا وطويل الأمد على طبيعة أماكن العمل.
|