البرهان في عيد الأضحى: من شرعية الحرب إلى معادلة ما بعد الحسم

 

قراءة تحليلية في خطابات البرهان خلال لقاءاته في عيد الأضحى المبارك
د. خالد حسين محمد

لم تكن خطابات الفريق أول عبد الفتاح البرهان خلال عيد الأضحى المبارك مجرد كلمات مناسبة أو رسائل تهنئة عابرة، بل جاءت بوصفها إعلانًا سياسيًا واضحًا عن مرحلة جديدة في إدارة الحرب وما بعدها. فمن خلال خطاباته المتتابعة، بدا البرهان حريصًا على تثبيت خطاب موحّد يربط بين الحسم العسكري، واستعادة مركز الدولة، ورسم ملامح العملية السياسية المقبلة من داخل السودان، بعيدًا عن أي إملاءات أو تسويات تفرضها عواصم الخارج. وبهذا المعنى، فإن هذه الخطابات لم تكن مجرد مواقف آنية، بل بدت أقرب إلى صياغة عقيدة سياسية وعسكرية جديدة، عنوانها أن ما بعد الميدان لن يُدار إلا بشروط الدولة السودانية ومن موقع القوة.

لم يكن الخطاب الأول، الذي وجّهه البرهان إلى الشعب السوداني بمناسبة عيد الأضحى المبارك، تهنئة بروتوكولية، بل حمل في مضمونه رسالة تموضع سياسي تعكس موقف القوات المسلحة في أرض المعركة. وهدفت هذه الرسالة إلى تثبيت معادلة مفادها أن الحرب ستستمر حتى تطهير أرض السودان من التمرد، وأن السياسة ستُدار من داخل السودان، لا من منصات الخارج.

ويقوم الخطاب على ثلاث رسائل ضمنية مترابطة.

الرسالة الأولى أن حديثه عن أن «العاصمة تستعيد عافيتها» لا يُقصد به فقط أن استعادة الخرطوم تمثل إنجازًا عسكريًا، بل هو أيضًا إعلان بأن مركز الدولة عاد إلى يد المؤسسة العسكرية، بما يعنيه ذلك من استعادة للشرعية السياسية والسيادية.

الرسالة الثانية أن استخدامه لعبارة «تطهير البلاد من التمرد» يعني أن المعركة تُقدَّم باعتبارها مواجهة بين الدولة وخصم متمرد منزوع الشرعية، نافيًا بذلك السردية التي روّج لها أعداء السودان بقيادة أمريكا والإمارات وإسرائيل، والتي تصف ما يجري بأنه «صراع على السلطة بين جنرالين». ويعني هذا التوصيف استبعاد الدعم السريع، ومن يقترب منه سياسيًا من السودانيين، من أي ترتيبات لاحقة. كما أن من يتعامل معه وفق هذه السردية، إقليميًا أو دوليًا، لن يكون محل احترام أو تقدير، ولن يُستمع إلى أي مبادرات أو هدن يطرحها.

أما الرسالة الثالثة فتتمثل في أن الدعوة إلى «حوار شامل» داخل السودان تعني، بحسب سياق الخطاب، حوارًا تشارك فيه القوى الوطنية التي التفت حول جيشها وتلاحمت معه، مع رفض صريح لمرجعيات «حوار العواصم»، ورفض أي تسوية سياسية يكون طرفها الدعم السريع ومن دعمه سياسيًا، والمقصود هنا «صمود» ومكوناتها. وهنا يشير الخطاب بصورة واضحة إلى أن «صمود» ليست، في هذا الفهم، مجرد داعم سياسي للدعم السريع، بل جزء من التخطيط والتنفيذ والمشاركة معه، بالتواطؤ مع قوى خارجية تقودها أمريكا والإمارات وإسرائيل.

ومن القراءة التحليلية لهذا الخطاب، تبدو هناك افتراضات ضمنية عدة، منها أن التفوق العسكري يسبق الشرعية السياسية ويؤسس لها، وأن التمرد – مهما بلغ حجم الدعم الخارجي الذي يتلقاه – يظل تمردًا. كما أن من يسيطر على العاصمة يملك حق تعريف القوى الوطنية، وحق تعريف القوى المتمردة وداعميها السياسيين، وبناء على ذلك يحدد من يدخل في العملية السياسية ومن يُستبعد منها.

ومن بين هذه الافتراضات أيضًا أن من الممكن الجمع بين استمرار العمليات العسكرية ضد المتمردين، وبين طرح مسار «انتقال مدني ديمقراطي» من جهة أخرى. كذلك يفترض الخطاب أن رفض المنصات الخارجية يعزز السيادة الوطنية، مع الإصرار على منع ظهور أي مرجعية بديلة تفرض تسوية لا يقبلها الشعب السوداني، مهما كانت الضغوط الخارجية. وربما كان الافتراض الضمني الأكثر وضوحًا هو أن ثمة تجاوزًا كاملًا لكل الضغوط الخارجية، وتحررًا تامًا من أي انحناء تحت وطأتها، مهما كان مصدرها.

ومن مجمل ذلك، يمكن قراءة رسالة واحدة واضحة أراد البرهان إيصالها من خلال هذا الخطاب، وهي أنه يسعى إلى الانتقال من شرعية قيادة الحرب إلى شرعية إدارة ما بعد الحرب، من دون التخلي عن إدارة الحسم العسكري. وهو ما يشير إلى ترتيب سياسي من موقع القوة، لا إلى تسوية سياسية مفروضة نتيجة ضغوط خارجية.

وقد كرر البرهان المعاني نفسها التي وردت في خطابه الرسمي، سواء في خطابه خلال صلاة العيد بالمتمة، أو أمام كبار الضباط بالقيادة العامة. وهذا التكرار لا يبدو عفويًا أو انفعاليًا، بل يعكس بناء «عقيدة رسالة» موحدة، تمثل خلاصة المعارك التي جرت في الداخل والخارج، ومصدرها الأساسي موقف الشعب السوداني الموحد ضد الدعم السريع وحاضنته السياسية «صمود»، والوقوف بعزة الشعب السوداني في وجه التدخلات الخارجية والضغوط التي كانت تُمارس على البرهان. ومن خلال هذه الرسالة، يعلن البرهان انحيازه الكامل لتيار الكرامة.

وهذه الرسالة يسعى إلى تثبيتها في ثلاث مساحات معًا: الرأي العام، والجيش وحلفاؤه، والإقليم.

ففي خطابه عشية عيد الأضحى، أعلن أن الترتيبات جارية لحوار سياسي شامل داخل السودان، مع استبعاد من تلطخت أيديهم بدماء السودانيين. وبالتوازي، جدد التمسك باستمرار القتال حتى إنهاء التمرد. ثم عاد في المتمة ليربط العيد القادم بصورة بلد آمن وقد طُرد العدو من السودان. وأعاد في القيادة العامة نفي مشاورات البحرين، والتشديد على أنه لا مكان للدعم السريع.

وهذا النسق المتكرر يعني أن الرجل لا يريد أن يترك فراغًا في التأويل، ولا يريد أن تُقرأ مواقفه باعتبارها رسائل مناسبات، بل باعتبارها خطًا سياسيًا وعسكريًا مستقرًا.

ولهذا التكرار عدة دلالات.

أولًا: أنه يريد إغلاق باب الازدواج في القراءة؛ فلا تفاوض يمنح الدعم السريع أي شرعية، ولا تسوية خارجية تُعرض من عاصمة إقليمية، ولا عودة إلى صيغة «جيش + مليشيا» داخل الدولة. ومن ثم فإن شكل الدولة قد حُسم في القيادة، وهي دولة بجيش واحد. والنقطة المفصلية هنا هي: لا شراكة قسرية. أما الغاية النهائية فلم تعد غامضة، فهي إنهاء الدعم السريع كحالة عسكرية وسياسية، مع فتح مسار سياسي داخلي بشروط الدولة، لا بشروط الوسطاء.

ثانيًا: أن البرهان يبعث برسالة طمأنة إلى قوى حرب الكرامة، ويريد منع أي تشكيك أو اهتزاز في الثقة بالقيادة، بشأن احتمال وجود تليين سياسي مفاجئ أو تفاهمات خلفية مع أبوظبي؛ لأن البرهان يعلم أن الترويج لوجود صفقة قيد الإعداد إنما يُقصد به زعزعة تحالف الكرامة وفض التفاف الشعب حول جيشه. لذلك جاء النفي حادًا، ومصحوبًا بلغة حسم عسكري.

ثالثًا: أن هذا التكرار موجَّه أيضًا إلى الخارج الإقليمي والدولي، ومضمونه أن السودان لم ينكسر حين كان في موقف ضعف، ولن ينكسر الآن وهو على أعتاب هزيمة الدعم السريع. فحين يقول البرهان إن الحوار سيكون داخل السودان، وإن الشعب لن يقبل إملاءات الخارج، ثم ينفي مشاورات البحرين، فإنه لا ينفي خبرًا بعينه فحسب، بل يعيد ترسيم سقف الوساطة الخارجية. ومن ثم يريد أن يقول إن الخارج قد يضغط أو ينقل رسائل، لكنه لن يصمم التسوية، ولن يفرض شريكًا، ولن يعيد تدوير الدعم السريع في المعادلة الوطنية.

لقد انتقل الخطاب الرسمي، في تقدير هذا التحليل، من مرحلة الالتباس إلى مرحلة الإغلاق. وبهذه الخطابات، يبدو أن البرهان قد خرج من دائرة ما بدا للبعض ترددًا، إلى دائرة الوضوح المعلن.

وقد حسم البرهان في خطابه ثلاث نقاط رئيسية:
– لا شرعية لبقاء الدعم السريع.
– لا تسوية خارجية مفروضة.
– نعم لحوار سوداني داخلي، مع استبعاد من ارتبط بالدم.

لكنه أبقى بابين مفتوحين بحساب:
1. العفو لمن يضع السلاح.
2. والانخراط السياسي لمن لم يعادِ الجيش والوطن.

وبذلك وصل البرهان إلى وضع سياسته تحت سقف الحسم العسكري: فالحسم العسكري ضد الدعم السريع هو السقف، والحوار الداخلي هو المسار اللاحق، والخارج ليس شريكًا في صياغة الشرعية المدنية، بل مجرد عامل ضغط أو قناة اتصال.

ولا بد من ختم هذا التحليل بثلاث ملاحظات أساسية.

الملاحظة الأولى: أن البرهان قد قطع الطريق على أي جهة خارجية كانت تعتقد أنها ستستخدمه لتحقيق أجندتها.

الملاحظة الثانية: أن هذا الخطاب أدى إلى تلاحم غير مسبوق بين قوى الكرامة والفريق البرهان، بعد أن كانت هناك شكوك كثيرة تنتاب البعض. وقد بدا هذا الارتياح واضحًا من خلال الكتابات في المواقع ووسائط التواصل الاجتماعي.

الملاحظة الثالثة: أنه كما لم تقبل القوى الإقليمية والدولية عند تعيين كامل إدريس، لأنها تعني بالحكومة المدنية «صمود»، فهي كذلك لا تقبل بالحوار السوداني – السوداني، لأنها تعني بذلك «صمود» وجماعة العملاء.

لكن البرهان قد تجاوز ذلك…
نقطة، وسطر جديد

Comments (0)
Add Comment