من عمق المشهد | د. ست البنات حسن أحمد تكتب …… معادلة التعافي والاستثمار: هل نبني دولة الإنتاج أم نعيد تدوير المضاربات؟

214

من عمق المشهد |
د. ست البنات حسن أحمد

معادلة التعافي والاستثمار: هل نبني دولة الإنتاج أم نعيد تدوير المضاربات؟

يقف السودان اليوم على عتبة مرحلة وجودية بالغة التعقيد؛ مرحلة لا تحتمل التسكين بالشعارات الرنانة أو الاستغراق في أمنيات إعادة الإعمار الورقية. إن قراءة المشهد الاقتصادي من عمقه تفرض علينا مصارحة قاسية: الحرب التي أحرقت الأخضر واليابس لم تدمر الحجر والمؤسسات فحسب، بل عمقت تشوهات هيكلية موروثة في بنية الاقتصاد الوطني.
وتشير التقديرات والتقارير الاقتصادية المتخصصة إلى أن كلفة الخسائر المباشرة وغير المباشرة التي لحقت بالبنية التحتية والقطاعات الإنتاجية تجاوزت حاجز الـ 120 إلى 150 مليار دولار (بينما تتجاوز التقديرات الحكومية والشاملة للأضرار التراكمية أرقاماً أضعاف ذلك)، في بلد انكمش ناتجه المحلي الإجمالي بأكثر من 40%، وتراجعت إيراداته العامة بنحو 80%، وفقدت عملته الوطنية أكثر من 450% من قيمتها، في ظل نزوح ولجوء ما يفوق 14 مليون مواطن يمثلون الكتلة الضاربة لقوة العمل والإنتاج.
في ظل هذا النزيف غير المسبوق، يبرز السؤال الاستراتيجي: كيف ينتقل السودان من هاوية النجاة اللحظية إلى آفاق التعافي والاستثمار الراشد؟ وما هي الضمانات التي تحول دون تحول “إعادة الإعمار” إلى موسم جديد للمحاصصات والمضاربات الطفيلية؟
أولاً: وهم التمويل الخارجي وحتمية “الاعتماد المؤسسي”
الخطأ القاتل الذي تقع فيه النخب الاقتصادية عادة هو الارتهان المطلق لفكرة “المارشال الخارجي”، والاعتقاد بأن عواصم القرار والمنظمات الدولية ستسارع لضخ مليارات الدولارات بمجرد صمت المدافع.
إن التجارب الدولية في إدارة اقتصادات ما بعد النزاعات تؤكد أن رأس المال جبان، لكنه أشد حذراً في بيئات الهشاشة المؤسسية.
إن أي انفتاح تمويلي دولي أو رفع لبقايا القيود سيبقى عديم الأثر ما لم تسبقه خطوتان بنيويتان في الداخل:
* استعادة السيادة المالية والنقدية: إصلاح الجهاز المصرفي الذي طال التخريب والنهب مقارّ كبرياته في العاصمة، وإعادة بناء شبكات التحويلات الرقمية، ومحاصرة اقتصاد الحرب والسوق الموازي الذي ابتلع السيولة النقدية.
* إرساء دولة القانون وحماية الملكية: رأس المال الأجنبي والوطني المهاجر لا يبحث عن مجاملات دبلوماسية، بل عن محاكم تجارية ناجزة، وقوانين استثمار مستقرة غير خاضعة للتقلبات المزاجية، وقضاء حاسم يجتث الفساد وسماسرة النفوذ.
ثانياً: خريطة الفرص الاستثمارية.. من الريع إلى سلاسل القيمة
لا يمكن مقاربة الاستثمار بعد الحرب بالعقلية “الريعية” القديمة القائمة على تصدير الموارد الخام واستيراد السلع المصنعة، بل يجب تركيز الجهود على قطاعات حيوية تقود التعافي السريع:
* القطاع الزراعي والغذائي (قاطرة الأمن القومي):
يمتلك السودان ما يزيد عن 175 مليون فدان من الأراضي الصالحة للزراعة (لا يُستغل منها فعلياً سوى أقل من ربعها)، إلى جانب ثروة حيوانية تتجاوز 100 مليون رأس. إن الاستثمار المجدي هنا لا يعني مجرد زراعة تقليدية، بل التحول نحو “الزراعة التعاقدية والتصنيع الزراعي (الزيوت، السكر، اللحوم المصنعة، الألبان، ومنظومات تخزين الحبوب). إن تأهيل شبكات الري وقنوات مشروع الجزيرة والمشاريع المروية يمثل خط دفاع أول لتأمين الغذاء وتوليد النقد الأجنبي.
* البنية التحتية والطاقة البديلة:
لقد كشفت الحرب حجم العجز الفادح في قطاع الكهرباء؛ حيث دخل أكثر من 50% من السكان في دائرة العجز الكهربائي التام بعد تضرر الشبكات والمحطات التحويلية. هنا تكمن فرصة ذهبية للاستثمار في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح للمشاريع الزراعية والصناعية في الولايات الآمنة، إلى جانب عقود البناء والتشغيل (BOT) لتأهيل الموانئ البحرية، والمطارات، وخطوط السكك الحديدية التي تربط مناطق الإنتاج بمنافذ التصدير في بورتسودان وسواكن.
* التعدين والموارد الطبيعية (حوكمة الذهب):
يُعد السودان من كبار منتجي الذهب في إفريقيا بإنتاج يتجاوز عشرات الأطنان سنوياً؛ غير أن معظمه ظل يُهدر عبر شبكات التهريب والتعدين التقليدي العشوائي. يتطلب التعافي شراكات استراتيجية مع شركات تعدين دولية كبرى، تطبق معايير الاستدامة البيئية، وتلزم بإدخال العائدات إلى خزينة البنك المركزي لتعزيز الاحتياطي النقدي وتثبيت سعر الصرف.
ثالثاً: الاستثمار في بناء القدرات وتفجير الطاقات البشرية.
إن أعظم خسارة تكبدها السودان ليست في انهيار الجسور أو حرق المباني، بل في “تهجير كوادره وعقوله”، فقد فقدت الجامعات، والمشافي، والورش والمصانع خيرة أطبائها، ومهندسيها، وحرفييها الذين توزعوا بين الشتات والنزوح الداخلي.
إن أي خطة استثمارية تتجاهل تأهيل الإنسان وإشراكه هي خطة محكوم عليها بالفشل؛ لذا يجب أن تتضمن حزم الاستثمار:
* إشراك الكفاءات والشركات الوطنية: اشتراط نسب تشغيل وتدريب للكادر المحلي في أي مشروع أجنبي.
* بناء أوعية لاستقطاب مدخرات وخبرات الشتات: إطلاق “سندات الإعمار الوطنية” الموجهة للمغتربين، لتمويل مشاريع بنى تحتية محددة بعوائد استثمارية وضمانات سيادية موثوقة.
كلمة أخيرة.. في الميزان
إن الاستثمار في السودان اليوم ليس مجرد عملية حسابية لجني الأرباح وجمع العوائد؛ بل هو “عمارة للأرض واسترداد لكرامة أمة”.
إن التعافي لن يولد من رحم المؤتمرات الصحفية، بل تصنعه إرادة سياسية ومؤسسية تقطع دابر الفساد، وتستبدل منطق الجبايات العقيمة بمنطق تشجيع الإنتاج، وتدرك أن المستثمر الأجنبي لن يأتي إلا إذا رأى المستثمر الوطني آمناً على ماله وعرقه.
لقد دفعت هذه البلاد فاتورة باهظة من دماء أبنائها وبنيتها، والواجب الوطني يفرض ألا تُباع تضحياتهم في سوق المساومات، بل أن تتحول هذه المحنة إلى منصة تأسيس لاقتصاد حقيقي يملك زمام أمره، ويطعم شعبه، ويحفظ سيادته.. والميدان وحده هو المحك.

Leave A Reply

Your email address will not be published.