السودان يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته: تفنيد حاسم لمزاعم “الكيميائي” ومطالب بتصنيف الدعم السريع “منظمة إرهابية”

32

السودان يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته: تفنيد حاسم لمزاعم “الكيميائي” ومطالب بتصنيف الدعم السريع “منظمة إرهابية”

 

نيويورك، الأمم المتحدة

 

في تصعيد دبلوماسي لافت وموقف حازم يعكس رؤية الخرطوم الاستراتيجية لمسار الصراع الدائر، وجه السودان رسائل قوية ومتعددة الاتجاهات عبر منصة مجلس الأمن الدولي. فقد قدم السفير الحارث إدريس، مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة، إحاطة شاملة فندت بالدلائل اتهامات استخدام القوات المسلحة للأسلحة الكيميائية، ووضعت النقاط على الحروف فيما يخص التدخلات الأجنبية السافرة، مشدداً على أن مفتاح الحل يكمن في عملية سياسية تدار بإرادة “سودانية خالصة”، ولا تكافئ التمرد على حساب سيادة الدولة وأمن مواطنيها.

تفنيد قاطع وتحدٍ بالأدلة لمزاعم الأسلحة الكيميائية

في سياق رده على الحملات الإعلامية والاتهامات الموجهة للجيش السوداني، قاد السفير إدريس هجوماً دبلوماسياً مضاداً، نافياً بشكل قاطع استخدام القوات المسلحة لأي أسلحة كيميائية. وأكد أن هذه المزاعم تفتقر إلى أي سند واقعي أو دليل مادي يثبت صحتها.

وفي خطوة تعكس ثقة الحكومة السودانية وشفافيتها، كشف المندوب عن تعاون السودان الكامل مع الجهات الدولية المختصة؛ حيث شكلت الخرطوم، بصفتها عضواً في المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، لجنة وطنية للتواصل مع الجانب الأمريكي. وقد أثمر هذا التعاون عن زيارة فريق أمريكي متخصص أجرى مسحاً ميدانياً معمقاً شمل أخذ عينات من أربع مناطق سودانية مختلفة، ليخرج بنتيجة صفرية تؤكد خلو ساحة الجيش السوداني من هذه الاتهامات.

كما فنّد إدريس ما أثاره السيد مسعد بولس حول رفض السودان لمقترحات التسوية، موضحاً أن رئيس مجلس السيادة الانتقالي تعاطى بإيجابية وقدم رداً عملياً تضمن “جدول انسحاب معدل” يمهد الطريق لاستعادة السلام، مما يدحض سردية التعنت التي تحاول بعض الأطراف ترويجها.

إدانة التدخلات الأجنبية وتسمية الأشياء بمسمياتها

انتقل المندوب السوداني إلى تشريح جذور استدامة الأزمة، مصوباً سهام النقد المباشر نحو التدخلات الخارجية التي تغذي آلة الحرب. وطالب مجلس الأمن باتخاذ إجراءات صارمة لوقف تدفق المساعدات المالية والعسكرية والطائرات المسيرة التي تقدمها دولة الإمارات وبعض دول الجوار إلى مليشيا الدعم السريع، منتقداً صمت الوسطاء الدوليين حيال هذا الدعم اللوجستي المستمر.

ولم يكتفِ السودان بالتحذير العام، بل قدم خطوات إجرائية شملت:

  • تسليم قوائم بأسماء المرتزقة الأجانب المتواجدين في إقليمي دارفور وكردفان إلى مجلس الأمن، تمهيداً لطردهم ومحاسبتهم.
  • المطالبة بتفعيل المعاهدات الدولية والأفريقية الخاصة بمكافحة الارتزاق.
  • الدعوة لإجراء تحقيق أممي في أنشطة مجموعة الخدمات الأمنية العالمية ومقرها أبو ظبي، ومحاسبة الشركات المتورطة في تجنيد وتدريب المرتزقة وتسهيل نقلهم إلى بؤر الصراع في السودان.
  • الرفض القاطع لتوسيع نطاق القرار 1591 ليشمل كافة أنحاء السودان، معتبراً أن هذا التوجه يهدف بشكل مبطن إلى حظر تسليح الجيش الوطني، مما يضعفه في مواجهة التحديات التي تفرضها المليشيات.

شروط لا تنازل عنها: منبر جدة والانسحاب قبل إطلاق النار

على صعيد العملية السياسية والجهود السلمية، أعرب السفير إدريس عن انزعاج الخرطوم من حالة “التشظي التفاوضي” وتعدد المنابر والمبادرات الإقليمية والدولية، خاصة تلك التي تُعقد في عواصم خارجية دون توجيه دعوة رسمية للسودان، مما يعكس تجاهلاً لسيادته ومؤسساته.

وقد حددت الخرطوم عبر مندوبها رؤية واضحة للتسوية السلمية ترتكز على المحددات التالية:

  • اعتماد “اتفاق جدة” المُوقّع في مايو 2023 كحجر زاوية ومنصة مشروعة ووحيدة لاستئناف المحادثات، محمّلاً المليشيا مسؤولية إجهاض الإعلان عبر تمسكها بالتمركز في منازل المواطنين والمستشفيات والمرافق الخدمية.
  • ربط أي وقف لإطلاق النار بانسحاب المليشيا من المدن في دارفور وكردفان، معتبراً أن الوقف غير المشروط لإطلاق النار سيستخدم كغطاء للتحشيد العسكري ويهدد بتكريس واقع يقوض وحدة البلاد.
  • إنشاء آلية رقابة حدودية صارمة لرصد ومنع تهريب السلاح عبر المنافذ الصحراوية الممتدة مع دول الجوار.

المطالبة بتصنيف الدعم السريع “منظمة إرهابية” وجبر الضرر

وفي سابقة دبلوماسية قوية داخل أروقة الأمم المتحدة، دعا السفير السوداني إلى التعامل مع الانتهاكات المروعة التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع بمعيار قانوني وأخلاقي حاسم، مطالباً بتصنيفها كـ “منظمة إرهابية”، مشبهاً ممارساتها وجرائمها بسجل تنظيمات مثل “داعش”، و”بوكو حرام”، و”جيش الرب”.

وتأكيداً على حق الضحايا في العدالة، طالب إدريس بتأسيس صندوق دولي لتعويض الضحايا والناجين والمجتمعات المتضررة من فظائع المليشيا، مع إلزامها الفوري بحماية المدنيين ووقف كافة الانتهاكات الموجهة ضدهم، ودعم التحقيقات الوطنية والإقليمية والدولية في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة على الأراضي السودانية.

خارطة طريق وطنية نحو السلم المجتمعي والمستقبل

اختتم السودان موقفه بالتأكيد على مبدأ “الملكية الوطنية” للعملية السياسية، مشدداً على أن الشعب السوداني قد سئم من تصادم أجندات الدول الخارجية وتعدد مبادراتها.

وأعلن المندوب عن عزم الحكومة السودانية تنظيم مؤتمر شامل للسلم المجتمعي والمصالحات الوطنية، يهدف إلى معالجة الجذور العميقة للنزاعات وإعادة بناء الثقة بين المكونات السودانية، على أن يكون مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بمسارات العدالة الانتقالية. وأكد أن التسوية المستدامة تتطلب مشاركة طيف واسع يشمل القوى السياسية، والمجتمع المدني، والنساء، والشباب، إلى جانب القوات المسلحة والأجهزة النظامية التي تُعد الضامن الأول والأخير للأمن القومي السوداني ووحدة ترابه.

Leave A Reply

Your email address will not be published.