قرار العودة إلى الجامعات أم العودة إلى الوهم؟

24

كوداويات 2026/6/5
✍️ محمد بلال كوداوي

أصدرت وزارة التعليم العالي قرارًا يقضي بعودة الجامعات والكليات إلى مقارها الأصلية داخل السودان، وكأن المشكلة كانت مجرد توقيع غاب عن ورقة، أو ختم تأخر على قرار إداري، لا حربًا دمّرت المدن والبنية التحتية وشردت الملايين.

من حيث المبدأ، لا أحد يرفض عودة الجامعات إلى مقارها الطبيعية، فذلك حلم كل سوداني يتطلع إلى استعادة الحياة والاستقرار. لكن السؤال الذي تجاهله أصحاب القرار هو: هل عادت الحياة أصلًا حتى تعود الجامعات؟

أين سيسكن آلاف الطلاب العائدين؟ وأين سيقيم الأساتذة والعاملون؟ هل أصبحت منازلهم صالحة للسكن بعد أن تعرض كثير منها للنهب والتخريب والتدمير؟ أم أن الوزارة تفترض أن الجميع يحتفظون بمنازل احتياطية مجهزة لاستقبالهم فور صدور القرار؟

هل أصبحت شوارع الخرطوم والولايات المتأثرة بالحرب جاهزة للحركة اليومية؟ وهل عادت وسائل النقل المنهوبة أو المدمرة؟ وهل تم إصلاح الطرق والجسور والخدمات التي يعتمد عليها الطلاب والعاملون للوصول إلى جامعاتهم؟

ثم ماذا عن الكهرباء؟ هل عادت إلى كل الأحياء؟ وهل أصبحت الجامعات تمتلك إمدادًا كهربائيًا مستقرًا يسمح بإقامة المحاضرات والمعامل والامتحانات؟ أم أن الطلاب سيحملون معهم الشموع والمولدات ضمن متطلبات القبول الأكاديمي الجديدة؟

وماذا عن المياه والاتصالات والإنترنت والخدمات الصحية والأمنية؟ هل أصبحت متوفرة بالحد الأدنى الذي يسمح باستئناف العملية التعليمية بصورة طبيعية؟

القرار يبدو وكأنه صادر من كوكب آخر لا علاقة له بالواقع الذي يعيشه السودانيون يوميًا. فالمؤسسات التعليمية ليست لافتات تُنقل من مكان إلى آخر، وإنما منظومة كاملة تحتاج إلى بيئة مستقرة وخدمات أساسية وسكن ومواصلات وأمن وإدارة وموارد.

المؤسف أن بعض المسؤولين ما زالوا يعتقدون أن إصدار القرار هو نهاية المهمة، بينما الحقيقة أن القرار هو آخر خطوة وليس أولها. فقبل أن تطالب الناس بالعودة، عليك أن تهيئ لهم أسباب العودة.

إن إعادة الجامعات إلى مقارها الأصلية هدف نبيل ومطلوب، لكن تحويل هذا الهدف إلى قرارات متعجلة لا تستند إلى واقع ميداني واضح قد يخلق أزمة جديدة فوق الأزمات القائمة، ويدفع ثمنها الطلاب وأسرهم والأساتذة والعاملون.

لقد علمتنا السنوات الأخيرة أن الأمنيات ليست خططًا، وأن القرارات ليست إنجازات، وأن التوقيع على الورق لا يعيد الكهرباء ولا يبني المنازل ولا يوفر المواصلات ولا يعيد الحياة إلى المدن المنكوبة.

حقًا نحن نعيش في زمن تُتخذ فيه القرارات وكأن الدولة بكامل مؤسساتها وخدماتها تعمل بصورة طبيعية، بينما المواطن يقف كل يوم أمام واقع مختلف تمامًا.

وصدق القائل:

“حدث العاقل بما لا يعقل، فإن صدق فلا عقل له.”

أما نحن فلم نعد نعرف: هل نضحك من غرابة هذه القرارات أم نبكي على حال دولة أصبحت تتعامل مع الكارثة وكأنها مجرد فصل في مشهد أكبر من أن يُدار بالقرارات وحدها .

Leave A Reply

Your email address will not be published.