كلمات الوفاء لاهل العطاء

15

عثمان عولي

في زحام الحياة تبقى المواقف النبيلة وحدها قادرة على أن تترك أثرها العميق في الذاكرة، وتبقى الإنسانية الصادقة هي الجواز الحقيقي لعبور القلوب قبل الحدود. وما شهدناه خلال امتحانات الشهادة المتوسطة السودانية بالقاهرة لم يكن مجرد إجراء إداري أو مهمة عابرة، بل كان درساً كاملاً في الأخلاق والرحمة واحترام الإنسان.
قادني الواجب ذات صباح برفقة الأستاذة الجليلة والمربية الوقورة الأستاذة نهى، لإكمال مهمة إنسانية تخص طالباً سودانياً يجلس لامتحانات الشهادة المتوسطة وهو موقوف بقسم أول السلام. كانت المهمة تبدو معقدة في ظاهرها، لكننا منذ اللحظة الأولى التي التقينا فيها سعادة العقيد شرطة كريم المسلمي، مأمور قسم أول السلام، أدركنا أننا أمام رجل يحمل من اسمه نصيباً ومن أخلاقه وطناً كاملاً.
استقبلنا الرجل بابتسامته الهادئة، وبروح المسؤولية النبيلة، وبإنسانية سبقت اللوائح والإجراءات دون أن تتجاوزها. كان حريصاً على أن يؤدي الطالب امتحاناته كاملة، مؤمناً بأن التعليم حق، وأن مستقبل الأبناء لا ينبغي أن ينكسر تحت أي ظرف. فتمكّن الطالب من الجلوس لجلستي امتحان بالقسم، ثم أُكملت الجلسة الثالثة بمبنى النيابة، تلك المؤسسة التي أكدت هي الأخرى أن العدالة الحقيقية لا تنفصل عن الرحمة واحترام إنسانية البشر.
ولأن الوفاء لا يتجزأ، فإن التحية تمتد لكل ضباط وأفراد قسم أول السلام، ولكل منسوبي النيابة العامة، الذين تعاملوا معنا بروح راقية تعكس أخلاق الدولة المصرية وشعبها العظيم.
وفي لحظة كهذه، لا يمكن إلا أن ينحني القلب احتراماً لجمهورية مصر العربية، قيادةً وشعباً، وللسياسة الحكيمة التي انتهجتها القيادة المصرية بقيادة عبد الفتاح السيسي، وهي تفتح أبواب مصر الآمنة لأهل السودان بعد قسوة الحرب ومواجع النزوح. لقد أثبتت مصر، حكومةً وشعباً، أن العلاقات بين وادي النيل ليست مجرد جغرافيا، بل تاريخ ومصير وأخوّة ضاربة الجذور.
كما يظل الشكر موصولاً لسعادة الفريق أول مهندس عماد الدين مصطفى عدوي، الذي ظل متابعاً لقضايا أبناء وطنه وطلابهم باهتمام كبير، وإلى سعادة السفير حسام الدين حسين، وسعادة المستشار حجاج، وسعادة الدكتور عاصم أحمد حسن، وإلى مكتب شؤون الرعايا بقيادة الأستاذ محمد أحمد خالد كندي، وكل الجنود المجهولين الذين يعملون بصمت من أجل الناس.
أما مدرسة الصداقة السودانية بالقاهرة، فقد أكدت مجدداً أنها أكثر من مؤسسة تعليمية، بل بيت كبير لأبنائها. فكان للدكتور عبدالمحمود النور، مدير المدرسة، موقف مشرّف ومتابعة دقيقة وحرص كامل على أن يؤدي الطلاب امتحاناتهم في أفضل الظروف. كما يمتد التقدير للأستاذ الدكتور عثمان كبير مراقبي مركز الشهيد محمد أحمد غنيم بالحلمية، ولكل المراقبين والمساعدين وطاقم الإشراف والتأمين.
وتبقى الأستاذة نهى، تلك المعلمة التي حملت الرسالة قبل الوظيفة، نموذجاً نبيلاً للمعلم السوداني الأصيل؛ فقد تابعت الأمر بكل إخلاص، وتحملت المسؤولية كاملة، وكان حضورها الإنساني سبباً رئيسياً في إكمال المهمة بنجاح.
هي مواقف صغيرة في ظاهرها، لكنها كبيرة في معناها. مواقف تؤكد أن الإنسان يظل القيمة الأعلى، وأن التعليم رسالة، وأن الشرطة حين تقترن بالأخلاق تصبح أكثر قرباً من الناس، وأن العلاقات بين الشعوب تُبنى بالمواقف قبل الكلمات.
شكراً لمصر حكومةً وشعباً،
شكراً لوزارة الداخلية المصرية،
وشكراً للخارجية السودانية ووزارة التربية والتعليم،
وشكراً لكل معلمي بلادي الأجلاء.
ويبقى الشكر الخاص موصولاً إلى قسم أول السلام، وإلى صاحب الخلق الرفيع والوجه البشوش، سعادة العقيد شرطة كريم المسلمي، الرجل الذي جعلنا نرى في الموقف معنى الأصالة، وفي الإنسانية أجمل صورها.

Leave A Reply

Your email address will not be published.