صحيفة صوت الشمالية | شيء للوطن | صلاح غريبة يكتب …….. المغترب: من “صراف آلي” إلى شريك أصيل
شيء للوطن
م.صلاح غريبة
Ghariba2013@gmail.com
المغترب: من “صراف آلي” إلى شريك أصيل
لطالما كان المغترب السوداني هو الجدار الساند الذي تتكئ عليه البلاد في أزماتها، والقلب النابض بالوفاء الذي لم يبخل يوماً بجهده الشعبي لتنمية منطقته أو بإسناد خزينة الدولة في أحلك الظروف. ومع ذلك، ظلّ ملف مستحقات المغتربين، لا سيما في شقيه السكني والزراعي، يراوح مكانه بين التعقيدات الإدارية والوعود المؤجلة، مما خلق فجوة من عدم الثقة بين “الوطن المقيم” والمواطن المهاجر”.
إن الاجتماع الأخير الذي ضمّ قادة البنى التحتية، والإنتاج، والاستثمار، وجهاز المغتربين بالولاية الشمالية، يمثل بارقة أمل لكسر هذا الجمود. فتوجيه القيادة العليا بضرورة الجلوس المباشر لحلحلة المشاكل العالقة ليس مجرد إجراء إداري روتيني، بل هو اعتراف صريح بأن “حق المغترب” ليس منّة، بل هو استحقاق واجب النفاذ تأخر كثيراً.
عندما نتحدث عن توفير أراضٍ سكنية وزراعية للمغتربين، فنحن لا نتحدث عن رفاهية، بل عن ربط الجيل القادم بالهوية، الأرض هي الرابط الحقيقي الذي يضمن عودة الطيور المهاجرة يوماً ما، بالاضافة الى مفهوم الاستثمار المنتج بتحويل مدخرات المغتربين من “استهلاك” إلى “إنتاج” عبر المخططات الزراعية يصب في مصلحة الأمن الغذائي للولاية والسودان قاطبة، وهذا يعني رد الجميل وتقدير الدور البطولي الذي لعبه هؤلاء في دعم الخدمات الأساسية في قراهم ومدنهم من مالهم الخاص.
النتائج الإيجابية التي خلص إليها اجتماع الولاية الشمالية، والتأكيد على إيجاد حلول للكثير من العقبات هي خطوة ممتازة، لكن “العبرة بالخواتيم“. إن إحالة بعض الملفات للوالي لإصدار قرارات بشأنها تعني أننا وصلنا إلى مرحلة “الإرادة السياسية“، وهي المرحلة التي ينتظر فيها المغترب أن يرى أراضيه واقعاً ملموساً ومخططات جاهزة للتسليم، بعيداً عن البيروقراطية التي أرهقت كاهله لسنوات.
المغترب ليس مجرد مصدر للعملة الصعبة، بل هو شريك في التنمية العمرانية والاقتصادية. إن وقوف مؤسسات الدولة بجدية لتسليم المغتربين مستحقاتهم هو أفضل رسالة طمأنة يمكن إرسالها للسودانيين في الخارج. الاستثمار في “ثقة المغترب” لا يقل أهمية عن الاستثمار في الأرض نفسها، فمتى ما شعر المهاجر بإنصاف الدولة، تضاعفت تدفقاته المادية والمعنوية نحو الوطن.
