صحيفة صوت الشمالية | شيء للوطن | صلاح غريبة يكتب …… التمويل الأصغر: قاطرة النهضة المنسية في الولاية الشمالية

589

شيء للوطن
م.صلاح غريبة
Ghariba2013@gmail.com

التمويل الأصغر: قاطرة النهضة المنسية في الولاية الشمالية

لطالما كان الرهان الحقيقي في دفع عجلة الاقتصاد بالولايات السودانية يكمن في “الإنسان المنتج”؛ ذلك الفرد الذي يمتلك الفكرة والمهارة ولكنه يفتقر إلى رأس المال البسيط الذي يحول حلمه إلى واقع. ومن هنا، تبرز التحركات الأخيرة في الولاية الشمالية كخطوة استراتيجية في التوقيت الصحيح، حيث لم يعد التمويل الأصغر مجرد أداة بنكية عابرة، بل بات ركيزة أساسية لإعادة صياغة المشهد الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة.

إن توجه السلطات المالية في الولاية نحو تعزيز ثقافة التمويل الأصغر ليس مجرد إجراء روتيني، بل هو اعتراف ضمني بأن الحلول الكلية للأزمات الاقتصادية تبدأ من القواعد. فمن خلال التركيز على الحد من الفقر وزيادة دخل العاملين، تتحول الولاية من “مستهلك” للدعم إلى “منتج” للفرص.

هذا التوجه يهدف إلى إحداث تنمية اجتماعية حقيقية، حيث يساهم التمويل الصغير في تحويل الأسر من حالة العوز إلى حالة الكفاية، ومن ثم إلى المساهمة في الناتج المحلي للولاية، مما يخلق دورة اقتصادية متكاملة تنعكس آثارها على مستوى المعيشة العام.

ما يبعث على التفاؤل في الحراك الحالي هو التناغم الواضح بين وزارة المالية والجهاز المصرفي، وتحديداً بنك السودان المركزي والبنوك الوطنية. إن تخصيص نسبة 12% من محفظة التمويل لصالح التمويل الأصغر ليس مجرد رقم حسابي، بل هو ضخ لدماء جديدة في عروق المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر.

هذا الالتزام المالي، المدعوم برؤية لتطوير “شركات التمويل الأصغر” المتخصصة في الولاية، يضمن استدامة هذه المشروعات ويقلل من مخاطر التعثر، خاصة عندما يقترن ذلك بالعمل وفق صيغ التمويل الإسلامي التي تتناسب مع ثقافة وقيم المجتمع المحلي.

لا يمكن للتمويل أن ينجح بمفرده دون “عقل مدبر” يديره. لذا، تأتي أهمية البرامج التدريبية المكثفة لمنسوبي القطاع المالي والمصرفي كخطوة استباقية لضمان الوعي بالضوابط وفهم شروط ومتطلبات التمويل وتبسيطها للمواطن البسيط، وتوطين الخبرات ونقل التجارب الناجحة بين المؤسسات لضمان عدم تكرار أخطاء الماضي، بالاضافة الى الجودة الفنية وتمكين الكوادر من فرز المشروعات ذات الجدوى الاقتصادية العالية التي تخدم ميزة الولاية النسبية (سواء في الزراعة، التعدين التقليدي، أو الصناعات التحويلية الصغيرة).

إن الولاية الشمالية اليوم تقف على أعتاب مرحلة انتقالية، فإذا ما استمر هذا الزخم في دعم قطاع التمويل الأصغر وتذليل العقبات البيروقراطية أمام الشباب والمرأة والعمال، فإننا سنشهد نهضة تنموية تنطلق من “المزارع” و”الورش الصغيرة” لتصل إلى مراكز القرار الاقتصادي. التمويل الأصغر هو “النواة” التي إذا ما رُعيت بشكل صحيح، ستثمر استقراراً وازدهاراً يلمسه كل مواطن في الولاية.

مصدر المقال


لتصفح صحيفة صوت الشمالية العدد 431 الصادر يوم الاربعاء 24 ديسمبر 2025، مستخدما تطبيق Google drive، أضغط هنا ……..!

Leave A Reply

Your email address will not be published.