صحيفة القوات المسلحة | شيء للوطن | صلاح غريبة يكتب ….. مناورات “الهدنة”: حين يتحدث القاتل عن الإنسانية

449

شيء للوطن
م.صلاح غريبة
Ghariba2013@gmail.com

مناورات “الهدنة”: حين يتحدث القاتل عن الإنسانية

إن التصريح الأخير الذي أدلى به قائد ميليشيا الدعم السريع المتمردة، بخصوص إعلانه عن “هدنة إنسانية”، لا يمكن النظر إليه إلا كـ مناورة سياسية مكشوفة وفارغة من أي مصداقية، بل هي محاولة بائسة لارتداء ثوب الحمل الوديع بعد أن سفكت قواته دماء الأبرياء وتجرّدت من كل قيمة إنسانية.
إن الواقع على الأرض، والمثبت بالحقائق الدامغة، ينسف هذا الإعلان جملة وتفصيلاً.

فكيف لمن حاصر المدنيين العزّل وجوّعهم وقصفهم بالطائرات المسيّرة، وارتكب جرائم مروعة وصلت إلى تعليق بعض الضحايا على الأشجار ودفن آخرين أحياء في الفاشر وبارا، أن يتحدث اليوم عن “اعتبارات إنسانية“؟ هذا التناقض الصارخ يؤكد أن الهدف من وراء هذا الإعلان ليس السعي للسلام أو التخفيف من معاناة الشعب السوداني، بل هو محاولة رخيصة لـ تلميع صورة شوهتها الوحشية الممنهجة أمام المجتمع الدولي.

إن التاريخ القريب، خاصة تجربة هدن “اتفاق جدة“، يقدم الدليل القاطع على عدم جدية الميليشيا. فبينما التزم الجيش السوداني بما وُقّع عليه، استغلت الميليشيا تلك الفترات بانتهازية مفرطة، لا لإدخال المساعدات، بل لـ تمرير إمدادات المرتزقة من السلاح والعتاد إلى المدن المكتظة بالسكان، وعلى رأسها العاصمة الخرطوم، لتحقيق مكاسب عسكرية على حساب أمن وحياة المواطنين. لقد رأى العالم حجم المعدات والذخائر التي أدخلت، ثم فرّت منها القوات المتمردة لاحقاً، مما يثبت أن من ينقض العهود لا يمكن الوثوق بوعوده. فمن يمارس القتل والحصار والاغتصاب لا يصنع سلاماً ولا يمتلك أي إيمان حقيقي بالقيم الإنسانية التي يتشدق بها اليوم.

إن هذا الإعلان يأتي في توقيت يكشف دوافعه الحقيقية؛ فبعد الانتصارات الميدانية التي حققتها القوات المسلحة، وبعد أن “أرعدت سماء القوات المسلحة” وبدأت عملية تطهير كردفان وتحرير دارفور، وبعد أن “انكسرت شوكة الميليشيا“، خرج قائدها متحدثاً عن هدنة لمدة ثلاثة أشهر. هذه المدة تشير بوضوح إلى رغبته في إعادة ترتيب قواته المهزومة والمنهارة، وتهيئة المطارات في الفاشر ونيالا لاستقبال الدعم الخارجي.

إن هذا التوسل الـمُلِحّ للهدنة ما هو إلا اعتراف ضمني بـ الفشل الذريع والحماقة التي ارتكبتها الميليشيات في حرب الخامس عشر من أبريل 2023. إن قادتها اليوم باتوا يتساقطون هلكى وجرحى، وتدهور حال الميليشيا إلى حالة يرثى لها، حيث أصبح “الشفشفة والسرقة والنهب” هي الوسيلة الأقرب لسد الرمق، في دلالة واضحة على تفكك القيادة وانهيار الروح المعنوية.

على المجتمع الدولي أن يكون على قدر عالٍ من الوعي والإدراك لطبيعة هذه المناورة المفضوحة. يجب ألا يُسمح بأن يُستدرج إلى هذا الخطاب المضلل، بل يجب أن يقدم معاناة الشعب السوداني على أي اعتبارات سياسية أو دعائية، وأن يدرك أن عصا المجتمع الدولي التي يتوكأ عليها قائد الميليشيا باتت “من دون جدوى“.

إن السبيل الأجدى لطي صفحة المعاناة واجتثاث مسببات الحرب من جذورها ليس بالانسياق وراء افكار واهمة، بل بالضغط على الميليشيا لتنفيذ خارطة الطريق التي قدمها رئيس مجلس السيادة الانتقالي والمودعة لدى الأمم المتحدة.

خاتمة القول: إن أراد قائد الميليشيا أن ينجو بنفسه، فعليه الاستجابة لشروط القوات المسلحة – شروط المنتصر على أرض المعركة – التي تتضمن الخروج الفوري من المناطق التي سيطرت عليها بعد اتفاق جدة، وتسليم السلاح، وجمع أفراد الميليشيا في معسكرات خارج المدن. ودون ذلك، فإن حديثه عن الهدنة لن يكون سوى خدع حربية، وسيستمر “البل” وستواصل القوات المسلحة انتصاراتها حتى يتم تحرير كل شبر من أرض السودان. لقد شارف “الغريق على الهلاك“، وعلى كل من بقي من أفراد الميليشيا أن يسلموا أنفسهم، فالحرب قد شارفت على الانتهاء.

مصدر المقال

لتصفح صحيفة القوات المسلحة العدد الصادر يوم الخميس 27 نوفمبر 2025، مستخدما تطبيق Google drive، أضغط هنا ……!
,

Leave A Reply

Your email address will not be published.