سفير الإنسانية.. وداعاً الدكتور حسين عثمان حماد
بقلم: إسماعيل عبد الحميد بلال

ثلاث سنوات وأنا أحتفظ بهذه الصورة لهذا الرجل الملائكي، غير أني كنت عاجزاً عن كتابة سطر واحد في حق هذا الشخص المتفرد. فكلما شرعت في الكتابة عنه، يحاصرني إحساس بأنني أقل بكثير من أن أتحدث عن شخصية ليست بالعادية؛ شخصية جسدت معاني كثيرة لصفاتٍ نبيلة أنزلها الله على العباد: اللطف، اللين، التوادد، التراحم، الكرم، الحكمة، والإيثار.
اليوم، أتوكل على الله الحي القيوم، وأحاول بما أملك من حروف بسيطة وقليلة قد لا تسعفني، أن أتحدث إليكم عن هذا الرجل الكريم، فتقبلوها مني كجهد المُقِل. إنه سفير الإنسانية، الرجل النبيل “أبو حسام” الدكتور حسين عثمان حماد.
قاهرة المعز.. واللقاء الأول
في أولى رحلاتي المتعددة إلى قاهرة المعز، التقيت بالأصدقاء هناك، فتوالت الدعوات وتكررت الجلسات في الصالونات والمقاهي، حيث اغتسلت روحي وامتلأ قلبي سكينة وتدفق راحةً وأمناً بحفاوة “أبناء البلد”.
في هذه المجالس الحلوة، كنت أستمع بين اللحظة والأخرى إلى اسم يتردد على الشفاه كثيراً: (دكتور حسين.. دكتور حسين). ودون أن أسأل أحداً، أيقنت تماماً أن هذا الاسم الذي لا يفارق مجالسهم العامرة هو مصدر سعادتهم ومكمن طمأنينتهم، فأصبحت متلهفاً للقاء هذا “الرجل الإنسان”.
الرحلة إلى ضاحية الدقي
جمعتني إحدى زياراتي للقاهرة برفقة ميمونة مع عدد من زملائي بالإذاعة والتلفزيون، واستقبلنا وقتها الزميل الأستاذ أحمد هشاب برفقة أعضاء كرام من “جمعية دنقلا للثقافة والتراث النوبي”؛ هذا الكيان الذي شكل ثنائية عظيمة مع وفد إعلاميي الولاية الشمالية. وهي سانحة نحيي عبرها الأساتذة: محمد عوض، جمال محجوب، الراحل المقيم فريد مكاوي، جمال الدنقلاوي، إبراهيم أبهور، عبد الله فقيري، والأخوات: نوال بشارة، ست البنات، آمنة عبدو، هالة محمد، والأخ مجدي محمد نور، وكل من لم تسعف الذاكرة بذكر اسمه.
كان هؤلاء جميعاً وراء لقائي بسفير الأخلاق ورسول الإنسانية حسين عثمان حماد. في ذات جمعة، وبعد الصلاة مباشرة، توقفت أمام مقر إقامتنا بالمعادي “ميكروباص” يقل الزملاء المقيمين بالقاهرة، يتقدمهم دكتور فريد والأستاذ أحمد هشاب، واصطحبونا في جولة ترويحية رشيقة، انتهت بنا في ضاحية الدقي عند محطة البحوث الشهيرة، مفصحين لنا بأننا على مقربة من ذلك الدار الكريم.
في حضرة “الملاك”
ترجل الجميع، وكان المكان اعتيادياً في عيون المعتادين عليه، لكنني شعرت بقدسية اللحظة. ولجنا شارعاً هو “الهدوء نفسه”، لا تسمع فيه إلا زقزقة العصافير فوق غصون الأشجار القديمة. وصلنا إلى بناية شاهقة، وصعدنا الدرج وصولاً إلى الدور الرابع أو الخامس حيث يسكن الدكتور وأسرته.
كان ينتظر وفادتنا واقفا كالملاك على عتبة بابه، يرتدي “عراقيّاً” أبيض كبياض قلبه، في أناقة سودانية شعبية مكتملة. احتضننا فرداً فرداً، والابتسامة تعلو وجهه الجميل، وعطره يملأ المكان وهو يردد: “اتفضلوا.. اتفضلوا”.
سحر الضيافة والإيثار
وجدت هذا الرجل مليئاً بالسحر؛ قدرة فائقة على استضافة المئات، مع إشعار كل فرد بأنه الأهم في المجموعة. يتنقل كالفراش بين الحاضرين، يوزع الرحيق، يهمس لهذا ويسأل ذاك، ويستمع للجميع بتهذيب غير مصنوع.
وقد حباه الله بزوجة خُلقت خصيصاً له، تشبهه في اللطف وتنافسه في الكرم والإيثار، وهي الدكتورة “ست البنات” (أم حسام)، دينامو جمعية دنقلا بالقاهرة.
كنت أظن في البداية أن الدعوة مخصصة لوفدنا، لكنني علمت لاحقاً أن مائدة الجمعة في منزل الدكتور هي “وجبة مفتوحة” لكل السودانيين والسودانيات في مصر، لا تهدأ حركتها حتى مطلع الفجر.
التواضع العظيم
حسين عثمان حماد، أمين العلاقات الخارجية بجامعة الدول العربية، صاحب المؤلفات والشخصية الفولاذية التي وثق بها القادة من السادات ومبارك إلى السيسي، كان يحضر ويجهز الطعام بنفسه مع زوجته وكأنه “شيف” محترف، يصف الأواني ويستمتع بخدمة ضيوفه حافياً، باحثاً عن راحة كل من دخل داره.
وبعد الطعام، يتحول إلى “حلّال للعقد”، يذلل العقبات باتصال هنا وهاتف هناك، واصلاً بين المرضى والأطباء، وبين ذوي الحاجات والمسؤولين، يحل أعقد المشكلات في ثوانٍ معدودة.
رحيل مؤلم
هذا الإنسان انحدر من “ناوا الأثر”، ديار العلم والقرآن والكرم، حيث تشرب قيم الأجداد. ومع بدايات الحرب اللعينة وانقطاع سبل التواصل، غبنا عن الأخبار، ولما عادت شبكة الإنترنت، ليتها لم تعد! فجعني الخبر الأول: رحيل السفير الدكتور حسين (أبو حسام).
ما زلت مصدوماً، فأنا لم ألتقِ به إلا مراتٍ قليلة، ولم أرتوِ كفاية من فيض علمه ومعارفه. العزاء، وإن تأخر، أزجيه بألم لأهله ومحبيه، ولحرمه المصون الدكتورة ست البنات وأنجاله الميامين. وعزائي للزملاء بالهيئة، وللأخ محمد عوض خير، والحبيب جمال محجوب، ولكل أعضاء جمعية دنقلا.
رحم الله الغالي “أبو حسام” وأسكنه جنات النعيم.
ابنك المكلوم:
إسماعيل عبد الحميد بلال – دنقلا