صحيفة صوت الشمالية | شيء للوطن | صلاح غريبة يكتب ……النزوح في الشمالية: توثيق الحقائق لإنصاف الضحايا
شيء للوطن
م.صلاح غريبة
Ghariba2013@gmail.com
النزوح في الشمالية: توثيق الحقائق لإنصاف الضحايا
تضع الحرب الدائرة أوزارها الثقيلة على كاهل المدنيين، ولا تقتصر تداعياتها على جبهات القتال، بل تمتد لتشمل مأساة إنسانية تتفاقم يومياً في مراكز الإيواء ومعسكرات النزوح. وفي هذا السياق، تكتسب التحركات الميدانية لتقييم أوضاع النازحين في الولاية الشمالية أهمية قصوى، ليس فقط من باب تقديم العون الإنساني، بل لكونها خطوة جوهرية في معركة “التوثيق” التي ستكون حجر الزاوية في تحقيق العدالة لاحقاً.
إن تدفقات النازحين المستمرة من ولايات دارفور وكردفان نحو الشمالية تضع السلطات المحلية والجهات الحقوقية أمام تحدٍ مزدوج؛ فالأمر لا يتوقف عند توفير الغذاء والكساء، بل يمتد ليشمل رصد الانتهاكات الجسيمة التي تعرض لها هؤلاء المدنيون قبل وصولهم إلى بر الأمان.
إن الجهد المبذول حالياً لتفقد أوضاع المعسكرات يعكس إدراكاً عميقاً بضرورة الانتقال من العمل الإغاثي التقليدي إلى “العمل الحقوقي الممنهج“. بالوقوف الميداني يتيح معرفة الاحتياجات الفعلية، لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام الضحايا لسرد قصصهم وتوثيق الانتهاكات التي مارستها الميليشيات المتمردة بحقهم، وهو ما يمنح التقارير الرسمية مصداقية لا تقبل الشك أمام المجتمع الدولي.
أحد أهم المخرجات المنتظرة من هذه التحركات هو صياغة تقرير شامل يغطي الجوانب الإنسانية والقانونية والمجتمعية. هذا التقرير لن يكون مجرد ورقة تُعرض في الاجتماعات، بل هو وثيقة إدانة تاريخية ترصد الانتهاكات المباشرة من اعتداءات على المدنيين وسلب للممتلكات، والتداعيات النفسية والاجتماعية، ومدى أثر النزوح القسري على تماسك الأسر وضياع مستقبل الأجيال، بالاضافة الى الاحتياجات اللوجستية برصد الفجوة بين الموارد المتاحة والتدفقات البشرية المستمرة.
إن تمليك هذه الحقائق للمنظمات الأممية والمجتمع الدولي هو الخطوة الأهم لكسر حاجز الصمت تجاه ما يحدث. فالعالم الذي غالباً ما يكتفي بالمراقبة عن بُعد، يحتاج إلى رؤية الوقائع كما هي على الأرض، مدعومة بالأرقام والشهادات الحية.
إن التنسيق المشترك بين الجهات المعنية بالعمل الاجتماعي والعون الإنساني والآليات الحقوقية يبعث برسالة قوية بأن الدولة السودانية، رغم الجراح، لا تزال قادرة على تفعيل أدواتها الرقابية وحماية مواطنيها وتجهيز ملفات قانونية متكاملة تضمن عدم إفلات الجناة من العقاب.
إن زيارة معسكرات ومراكز الإيواء في الولاية الشمالية ليست مجرد جولة تفقدية، بل هي “لاسترداد كرامة النازحين”.
فالمعركة القانونية والحقوقية لا تقل ضراوة عن المعركة العسكرية، والبدء بتوصيف الواقع بدقة هو أول طريق الإنصاف.

