أيقونة الاتزان السفير د. أحمد سمير عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة يكتب …… يوم الاستقلال السوداني احتفالية التاريخ وبذور المستقبل
يوم الاستقلال السوداني
احتفالية التاريخ وبذور المستقبل

في صباح الأول من يناير عام 1956، ارتفع العلم السوداني خفاقاً فوق سارية الاستقلال، ليعلن ميلاد جمهورية جديدة في إفريقيا نالت حريتها بالإجماع من داخل البرلمان، لا برصاص البنادق كان المشهد في القصر الجمهوري بالخرطوم أشبه بآية من الفجر الوطني: جموع غفيرة تهتف للوطن، والأعلام تلوّح في سماء المدينة المطمئنة، والدموع تنهمر على وجوه من عاشوا عقوداً في ظل الحكم البريطاني، يحلمون بهذه اللحظة التي لا تُنسى.
جذور الحلم وولادة الاستقلال
جاء الأول من يناير تتويجاً لنضال طويل بدأ منذ أوائل القرن العشرين فقد كانت حركة مؤتمر الخريجين عام 1938 الشرارة السياسية التي جمعت كلمة السودانيين حول هدف واضح: الجلاء وتقرير المصير ومن رحم ذلك المؤتمر نشأت الأحزاب الوطنية، وتنامت المظاهرات والمطالبات حتى اجتمع البرلمان السوداني في التاسع عشر من ديسمبر عام 1955 وأعلن بالإجماع استقلال السودان، مطالباً دولة الاحتلال البريطاني بالاعتراف به دولة حرة ذات سيادة.
وفي ذلك اليوم التاريخي، قال الزعيم إسماعيل الأزهري، أول رئيس وزراء للسودان، كلمته الشهيرة أمام نواب الأمة: “نحن أمة أرادت الحياة، فاستحقت أن تُكتب لها الحرية.” وجاءت موافقة بريطانيا على القرار، معلنة انتهاء عهد الوصاية وبداية عهد السيادة.
في صباح الأول من يناير 1956، ارتفع العلم السوداني لأول مرة في سماء الخرطوم، في مشهد وحد بين التيارات السياسية وجسّد وحدة المصير.
فرحة شعبية لا تُنسى
منذ ذلك اليوم، صار الأول من يناير مناسبة وطنية تحتفي بها المدن والقرى كلها في شوارع الخرطوم وأم درمان وبورتسودان وعطبرة، تُرفع الأعلام على البيوت والمتاجر، وتتعانق الألوان الثلاثة (الأحمر والأخضر والأسود) في لوحات فنية تكسو الجدران والقلوب تصدح الأغاني الوطنية في المقاهي والأسواق، وتملأ الأرجاء أنغام الطمبور والنقارة والمردوم، فيما يتبادل الناس التهاني بكلمات بسيطة لكنها مفعمة بالمعنى “كل عام وسوداننا بخير”
الأطفال في المدارس ينشدون نشيد العلم، والكبار يتذكرون تفاصيل يوم الجلاء، حين كانت الجموع تهتف باسم الوطن.
أما الجاليات السودانية في الخارج، فتقيم الليالي الثقافية والندوات عن تاريخ الاستقلال، كأنها تزرع الوطن في الغربة.
روح الوحدة والفخر الوطني
يُعلّمنا يوم الاستقلال أن سر قوة السودان في تنوّعه وفي وحدة قلوب أبنائه فمن الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، كانت القبائل والطوائف والمعتقدات المختلفة صفًا واحدًا في معركة التحرر لم يكن النصر نتاج فصيلٍ واحد، بل ثمرة جهد جماعي وإصرار متوارث وكما قال الزعيم محمد أحمد المحجوب في تلك المرحلة: “ما جمعنا هو حب الأرض وإيماننا بأن السودان ليس رقعة جغرافية فحسب، بل هو قلب ينبض بالكرامة.”
القيم التي أنجزت الاستقلال
يمتاز الشعب السوداني بفضائله الأصيلة: الكرم، والصبر، والشهامة، وهي ذاتها القيم التي كانت زاداً في طريق الحرية فبينما واجهت بلدان كثيرة استعمارها بالسلاح، واجه السودانيون خصومهم بالحكمة والإجماع والوعي كان الاستقلال بالنسبة إليهم معركة أخلاقية سياسية، يُدافع فيها الإنسان عن كرامته قبل ترابه.
جيل الغد يورث المجد
واليوم، يسلم جيل المؤسسين الراية لجيل جديد من الشباب، يكتب قصة السودان المعاصر فبين شوارع الخرطوم الرقمية ومنصات الإبداع والبحث والابتكار، تُترجم روح الاستقلال إلى نهضة علمية وثقافية، تبني وتُصلح وتُحافظ على الإرث الوطني هذا الجيل يتعلّم أن الوطنية ليست نشيداً يُردد، بل عمل يومي ينهض بالبلاد ويجمع الناس على هدف واحد.
ختام التأمل
في ذكرى الاستقلال، نتذكر أن الحرية لا تُمنح وإنما تُنتزع بالإرادة والإيمان السودان، الذي رفع رايته الأولى في وجه الاستعمار قبل سبعين عاماً، ما زال يرفعها اليوم في وجه التحديات، بنفس اليقين والصبر سيبقى هذا اليوم رمزاً يتجدد في وجدان كل سوداني وسودانية؛ يومٌ يذكّرنا أن شمس السيادة لم تغب قط عن هذه الأرض الطيبة، بل تُروى كل عامٍ بفصولٍ جديدة من العمل والحب.
وهكذا، نبقى نحرس إرثنا، ونصنع به مستقبلاً يليقُ بعمق حضارتنا وعظمة حلمنا.
واقع مؤلم ودعوة صادقة للأمل
تأتي هذه الذكرى الوطنية والسودان ينزف في حرب أهلية قاسية أنهكت شعبه ومزّقت نسيجه الاجتماعي، لتتحول ذكرى الاستقلال إلى محطة للتأمل في واقع مؤلم، وإلى دعوة صادقة للأمل بأن تنتهي هذه الحرب ويعود السودان إلى سابق عهده وطموحه في بناء دولة مستقرة، متماسكة، وموحدة وبين جراح الحاضر وذكريات الماضي، يبقى يوم الاستقلال مناسبة لتجديد العهد على أن السلام هو الطريق الوحيد لاستعادة السودان قوته ومكانته بين الأمم.
بقلم أيقونة الاتزان
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية