في عالمٍ تتسارع فيه وتيرة التحول الرقمي، وتصير فيه التكنولوجيا المحرك الرئيس للتنمية في مختلف القطاعات، تبرز الفجوة الرقمية كإحدى العقبات التي تُهدد بتحويل التقدم إلى تمييز جديد بين من يمتلكون أدوات المعرفة الرقمية ومن يُحرمون منها.
ورغم الجهود الواسعة لنشر التكنولوجيا وتوسيع الوصول إلى الإنترنت، ما زال شبح الأمية –بأشكالها المختلفة، الأبجدية والوظيفية والرقمية– يُلقي بظلاله على مسيرة التحول الرقمي، خصوصًا في الدول النامية. فضعف مهارات القراءة والكتابة والمعرفة التقنية لا يعني فقط العجز عن استخدام الأجهزة الذكية أو المنصات الإلكترونية، بل يمتد ليشكل حاجزًا أمام التعليم، وفرص العمل، والمشاركة في الحياة العامة في عصر يعتمد على البيانات والمعرفة.
ومن هنا تأتي أهمية مناقشة العلاقة بين الأمية والفجوة الرقمية، بوصفها علاقةً متبادلة تُعمِّق فيها كلٌّ من الظاهرتين الأخرى؛ مما يستدعي جهودًا وطنية ودولية متكاملة لمحو الأمية بمفهومها الشامل، وبناء مواطن رقمي قادر على التفاعل مع متطلبات العصر الرقمي والمشاركة الفاعلة في تنمية بلاده.
القسم الأول: الإطار المفاهيمي للفجوة الرقمية والأمية
القسم الثاني: أثر الأمية الرقمية على التحول الرقمي
القسم الثالث: تحديات مواجهة الأمية في ظل التحول الرقمي
القسم الرابع: أداء المؤشرات الدولية خلال عام 2024
القسم الخامس: التجارب الدولية في معالجة الأمية لدعم التحول الرقمي
الفجوة الرقمية تعبر عن الاختلاف بين الفئات والمناطق التي تتمتع بإمكانية الوصول إلى تقنيات المعلومات والاتصالات الحديثة، مثل: الهاتف، والتلفاز، والحاسوب والإنترنت، وبين من يفتقدون هذا الوصول أو لا يتاح لهم إلا بشكل محدود.وعلى نطاق أوسع، يُستخدم هذا المفهوم للإشارة إلى الفارق بين من يملكون القدرة على استخدام التقنيات الرقمية، بما فيها الإنترنت، ومن لا يملكونها. ولا تقتصر هذه الفجوة على جانب توافر التكنولوجيا فقط، بل تتأثر أيضًا بعوامل أخرى.
من أبرز هذه العوامل مدى انتشار التكنولوجيا وتكلفتها بالنسبة للمجتمع، إضافةً إلى مدى ارتباطها وملاءمتها لاحتياجات السكان المحليين. كما أن غياب المحتوى المحلي أو ضعف الوعي والاهتمام بالتقنيات يُسهم في زيادة الفجوة. إلى جانب ذلك، تؤثر جودة الخدمات ومستوى الثقافة الرقمية للمستخدمين المحتملين في تعميق هذه الظاهرة.وبما أنها قضية عالمية، فإن الفجوة الرقمية موجودة في مختلف الدول والمناطق، الحضرية منها والريفية، لكنها أكثر وضوحًا في القرى والمناطق النائية، وبين الفئات منخفضة الدخل وفي الدول الأقل تقدمًا.
أبرز أبعاد الفجوة الرقمية:
الفجوة الرقمية ليست مجرد مسألة اتصال إنترنت، بل لها أبعاد متعددة، أهمها:
بُعد الوصول إلى البنية التحتية: يشكِّل بُعد الوصول إلى البنية التحتية حجر الأساس في تقليص الفجوة الرقمية؛ حيث يُعَد توفر الإنترنت الشامل والميسور والآمن شرطًا للنمو الاقتصادي وخلق فرص العمل وتطوير الخدمات للأفراد والشركات. ورغم ذلك، ما زال نحو 3 مليارات شخص غير متصلين بالإنترنت في عام 2023، ما يبرز عمق التحدي. وفي هذا الإطار، يعمل البنك الدولي مع الدول والشركاء على عدة محاور: أولها دعم السياسات واللوائح التي تفتح أسواق الاتصالات للمنافسة وتُقلل من عوائق دخول المستثمرين، بما يضمن تحسين جودة الخدمة وتوسيع التغطية وخفض الأسعار. ثانيها الاستثمار في توسيع نطاق تغطية شبكات النطاق العريض وربط المناطق الريفية والنائية والمؤسسات العامة ومراكز الخدمات بالإنترنت، لضمان وصول أكثر شمولًا. وثالثها يركز على أن توافر الإنترنت وحده لا يكفي، بل يجب أن يكون ميسور التكلفة وسهل الاستخدام بشكل آمن ومنتج، مع إعطاء أولوية للفئات المحرومة مثل ذوي الدخل المنخفض والنساء وذوي الإعاقة وكبار السن، لذلك يدعم البنك الدولي إصلاحات وبرامج لتعزيز الشمول الرقمي عبر معالجة العوائق الاجتماعية، ونشر الثقافة الرقمية، وتسهيل الوصول إلى الخدمات والأجهزة بأسعار مناسبة.
بُعد القدرة على تحمُّل التكلفة: يمثل بُعد القدرة على تحمُّل التكاليف أحد أبرز العوائق أمام تحقيق الاتصال الشامل والهادف (UMC). فهو لا يقتصر على سعر الجهاز المطلوب للاتصال، بل يمتد ليشمل التكاليف المتكررة لخدمات الاتصالات. ورغم أن أسعار هذه الخدمات شهدت تحسنًا ملحوظًا منذ عام 2018، خاصة في خدمات الهاتف المحمول، وتمكنت نسبة متزايدة من الدول من بلوغ هدف لجنة النطاق العريض بجعل تكلفة خدمات النطاق العريض الأساسية أقل من 2% من نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي، فإن خدمات النطاق العريض الثابت لا تزال بطيئة التحسن وتشكل عبئًا غير ميسور للكثيرين، لا سيما في البلدان منخفضة الدخل.
وتظل فجوات القدرة على تحمُّل التكاليف واضحة بين الدول وداخلها. فبينما انخفضت أسعار خدمات الهاتف المحمول عبر جميع فئات الدخل، يبقى التفاوت كبيرًا بين الدول الغنية والفقيرة نتيجة بطء نمو الدخول في الاقتصادات منخفضة الدخل. كما أن المتوسطات الوطنية تخفي تفاوتات واسعة داخل الدول؛ حيث يواجه جزء كبير من السكان تكاليف مرتفعة نسبيًّا مقارنة بدخولهم؛ مما يدفع الكثيرين إلى المفاضلة بين الاتصال الرقمي وتلبية احتياجات أساسية أخرى.
ومع تزايد أهمية الخدمات الرقمية في الإدماج الاقتصادي والاجتماعي، يظل ضمان قدرة الجميع على تحمُّل تكلفة اتصال كافٍ أولوية قصوى في السياسات العامة.
بُعد المهارات الرقمية: تشهد المجتمعات تحولات عميقة بفعل التحول الرقمي، الذي أصبح أحد أهم المحركات الكبرى للاقتصاد والمجتمع العالمي. فقد باتت التكنولوجيا حاضرة في مختلف جوانب الحياة اليومية، من طرق التواصل والوصول إلى المعلومات والخدمات، إلى أنماط التعلم والعمل. ومواكبة هذه التغيرات تتطلب تطوير مهارات رقمية تمكِّن الأفراد من الاستفادة الكاملة من التقنيات الحديثة.
ومع ذلك، لا يمتلك الجميع القدر نفسه من هذه المهارات؛ إذ يفتقر نحو 30% من الأمريكيين و42% من الأوروبيين إلى المهارات الرقمية الأساسية؛ مما يحُد من فرصهم في سوق العمل ويحول دون اندماجهم الكامل في المجتمع. وهذا ما يُعمِّق هذه الفجوات القائمة بين من يستطيعون الوصول إلى التكنولوجيا واستخدامها بفعالية ومن لا يستطيعون ذلك.
ولا تتاح لجميع الشباب فرص متكافئة لتطوير هذه المهارات. فبينما يمتلك معظم الطلاب في دول منظمة التعاون والتنمية جهازًا واتصالًا بالإنترنت في منازلهم، يكون الشباب من خلفيات أقل ثراءً، أو من مناطق نائية، أو من أسر ذات مستويات تعليمية متدنية، أقل قدرة على اكتساب المهارات الرقمية.
كذلك تواجه بعض الفئات المجتمعية صعوبات كبرى في تطوير هذه المهارات، مثل المهاجرين في بعض المدن الأوروبية، أو بعض الفئات في الولايات المتحدة، وهو ما يؤثر سلبًا على فرصهم في سوق العمل واستقرارهم. ومن هنا، تؤكد الاستراتيجيات الرقمية الحديثة أن تحقيق “الشمول للجميع” يتطلب استهداف من يفتقرون إلى المهارات الرقمية الأساسية وضمان استفادتهم من التحول الرقمي؛ بما يُسهم في تقليص الفجوة الرقمية.
بُعد الاستخدام الفعّال للإنترنت عبر الهاتف المحمول: يُظهر بُعد الاستخدام الفعّال أن الفجوة الرقمية لا ترتبط فقط بغياب البنية التحتية، بل تمتد إلى وجود شريحة كبيرة من الأفراد الذين تتوافر لهم خدمات الإنترنت المحمول ولكنهم لا يستفيدون منها. ويُطلق على هؤلاء مصطلح فجوة الاستخدام؛ حيث إن العوائق التي تواجههم تتجاوز مجرد مسألة التغطية. ورغم توسع انتشار البنية التحتية لتشمل 40 مليون شخص إضافي معظمهم في إفريقيا جنوب الصحراء، يبقى نحو 300 مليون شخص (4% من سكان العالم) خارج نطاق التغطية كليًّا فيما يُعرف بـ”فجوة التغطية”. وبلغ إجمالي عدد غير المتصلين بالإنترنت المحمول في عام 2024 نحو 3.4 مليارات شخص، وأكثر من 90% منهم يعيشون في مناطق يتوافر فيها الاتصال لكنهم لا يستخدمونه. وتُظهر هذه الحقائق أن تضييق فجوة الاستخدام يمكن أن يُسهم بإضافة نحو 3.5 تريليونات دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول عام 2030.
الانعكاسات التعليمية: تُعَد الفجوة الرقمية أحد أبرز المخاطر التي رافقت التحولات الرقمية؛ حيث أدت إلى زيادة الاستبعاد وعدم المساواة. وقد كشفت جائحة كوفيد-19 بشكل واضح أن التوسع السريع في تقديم الخدمات التعليمية الرقمية لم يكن متكافئًا بين جميع الفئات؛ مما أسفر عن فجوة عميقة وخلق تفاوتات ملحوظة في فرص التعلم. ولا تقتصر الفجوة الرقمية على مجرد الوصول إلى الأجهزة أو الإنترنت، بل تتأثر كذلك بعوامل أخرى تشمل الاستقلالية، والمهارات الرقمية، والدافعية، وأهداف الاستخدام، وجودة الاستفادة، إلى جانب العوامل الاجتماعية والثقافية. وقد صنّف فان دايك (2005) هذه العوامل إلى ثلاثة مستويات أساسية: الفجوة المادية، وفجوة المهارات والاستخدام، والفجوة المرتبطة بالنتائج الملموسة. وهذا يوضح أن بعض الفئات تواجه تحديات كبيرة حتى مع وجود البنية الأساسية للتكنولوجيا، مثل: كبار السن، أو الشباب غير الملتحقين بالتعليم أو العمل، أو الفئات النازحة، أو من يعانون من ضعف في المهارات الأساسية.
وفي هذا السياق، يتضح أن الاستخدام الفعّال للتكنولوجيا التعليمية لا يقتصر على امتلاك المهارات الرقمية الأساسية فقط، بل يتطلب أيضًا امتلاك مهارات أكثر عمقًا مثل القدرة على التعامل مع البيانات والممارسات النقدية في المجال الرقمي. وتشير دراسات ميدانية في دول عديدة إلى وجود عقبات تحُد من استفادة الطلاب، مثل: قلة الوقت المخصص لاستخدام الأجهزة، وانخفاض الثقة في التكنولوجيا، وضعف المهارات الرقمية لدى الطلاب وأولياء الأمور، إلى جانب نقص الدعم والخوف من قضايا الخصوصية، وقلة الوعي بفرص التعليم الرقمي.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى ضمان توزيع عادل لمنافع التعليم الرقمي، وذلك من خلال مراعاة الفروق الشخصية والاجتماعية والاقتصادية بين الأفراد، مثل: مستوى الدخل، أو الموقع الجغرافي، أو النوع الاجتماعي، أو العمر. فخبرات التعلم ليست واحدة للجميع، بل تختلف تبعًا للمعرفة الرقمية، ومهارات اللغة، والقدرة على التعلم الذاتي. لذلك يصبح من المهم تقديم الدعم المستمر، وتكييف أساليب التعليم الرقمي مع احتياجات المتعلمين، وتشجيعهم على تنمية مهارات التعلم الذاتي.
ولتحقيق ذلك، أوصت بعض التجارب بضرورة توفير حلول تقنية تعزز العدالة التعليمية، مثل: إتاحة الإمكانات غير المتصلة بالإنترنت، وتوفير النصوص والترجمات، واعتماد تصميمات تعليمية متجاوبة مع مختلف الأجهزة، بالإضافة إلى إنتاج مقاطع قصيرة واستخدام تطبيقات مألوفة للطلاب مثل “واتساب”. كما أن خفض تكلفة البيانات من خلال الحكومات أو شركات الاتصالات يُعَد خطوة مهمة، خاصة في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط.
ومع ذلك، فإن مجرد توافر التكنولوجيا لا يضمن الوصول الفعلي والعادل إليها؛ إذ إن الأمر يتطلب توافر البنية التحتية الأساسية مثل الكهرباء والأجهزة والاتصال بالإنترنت بسرعات مناسبة، مع إتاحة الاستخدام اليومي غير المحدود. إلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال أهمية العوامل الاجتماعية والسياسية، مثل اللغة والثقافة والبيئة المجتمعية والمؤسسية. ومن هنا يصبح لزامًا تصميم أنظمة التعليم والدعم والتقييم بلغات المتعلمين أنفسهم، خصوصًا أن أكثر من نصف محتوى الإنترنت مكتوب باللغة الإنجليزية، وهو ما يمثل تحديًا إضافيًّا. وفي هذا الإطار، تحمل التطورات الحديثة في تقنيات الترجمة الآلية وعلوم اللغة وعودًا بإيجاد حلول لتجاوز هذه العقبات.
الانعكاسات الاقتصادية/سوق العمل: تشير التطورات في الذكاء الاصطناعي إلى أنه قد يعزز بعض مهام العمال أو يحل محلهم في مهام أخرى. إلا أن تحديد نسبة الوظائف التي يمكن استبدال أو تعزيز هذه التقنيات بها يظل أمرًا صعبًا. فقد أظهرت الدراسات أن الوظائف الكتابية مثل الطباعة وإدخال البيانات معرضة بنسبة تزيد على 50% للأتمتة، بينما الوظائف الزراعية أو الحرفية أقل عرضة لذلك. وفي المقابل، تتمتع المهن التي تتطلب التفكير المجرد بقدرة كبرى على الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي لدعم العاملين فيها.
وتظهر التقديرات أن البلدان مرتفعة الدخل تمتلك النسبة الكبرى من الوظائف المعرَّضة للأتمتة، بينما البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل لديها فرص مماثلة في الوظائف التي يمكن تعزيزها بالذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، تحذر بعض الدراسات من أن هذه التقديرات قد تقلل من حجم التأثير المحتمل مستقبلًا؛ إذ يمكن أن يؤدي الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي إلى تفاقم فجوة الدخل، واستمرار ركود الأجور للعمال منخفضي ومتوسطي المهارات، مقابل مكاسب كبيرة للعمالة عالية التعليم؛ مما يزيد من عدم المساواة في الأجور وتراجع حصة العمالة من القيمة المضافة.
وعلى المستوى الدولي، فإن مبدأ السبق في تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي يُسهم في اتساع فجوة الدخل بين الدول والمناطق. فقد أوضحت دراسات أوروبية أن الأقاليم ذات الدخل المنخفض والتكنولوجيا البسيطة تتجه لاعتماد تقنيات أبسط، في حين تتجه الأقاليم الغنية إلى تبني تقنيات أكثر تعقيدًا. ونتيجة لذلك، يمكن أن تعمق هذه الاتجاهات التفاوتات الاقتصادية والإقليمية بدلًا من معالجتها، وهو ما يهدد الإنجازات المحققة في الحد من الفقر وتعزيز النفاذ إلى التكنولوجيا.
ورغم هذه المخاطر، أظهرت الأدلة التجريبية أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يمكن أن يرفع الإنتاجية ويوسّع فرص العمل، خصوصًا للعاملين الأقل خبرة أو مهارة، بما قد يُسهم في تقليص الفجوة بينهم وبين غيرهم. فقد بيَّنت الدراسات أن وكلاء مراكز الاتصال الذين استخدموا أدوات مثل ChatGPT تمكنوا من التعامل مع عدد أكبر من الاستفسارات، كما استطاع الموظفون إنجاز أعمالهم بسرعة كبرى وجودة عليا، وكانت الفائدة الكبرى من نصيب الأقل خبرة.
وفي جانب آخر، يظل الاستخدام غير المتكافئ لخدمات تكنولوجيا المعلومات بين الدول والفئات الاقتصادية أحد أبرز تجليات الفجوة الرقمية. فقد تضاعف الاعتماد على خدمات تكنولوجيا المعلومات في القطاعات المالية والمهنية بالدول مرتفعة الدخل خلال العقدين الماضيين، بينما بقي محدودًا في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل؛ مما قلل من قدرتها على الاستفادة من مكاسب الإنتاجية.
ومن ثم، فإن نشر واعتماد التكنولوجيا الرقمية يُعد شرطًا أساسيًّا لتحقيق النمو الاقتصادي، لا مجرد اختراعها. غير أن هذا الانتشار يعتمد على قرارات الأفراد والمؤسسات في الموازنة بين فوائد التكنولوجيا وتكاليف تبنيها. وغالبًا ما تكون الاقتصادات مرتفعة الدخل الأكثر استفادة، بينما ما زالت اقتصادات أخرى في بداية رحلة التحول الرقمي.
وتؤدي الحكومات دورًا محوريًّا في تسريع هذا التحول من خلال تحفيز الاستثمار الخاص في البنية التحتية الرقمية وربط غير المتصلين، وضمان المنافسة، وتحسين جودة الخدمات. إلا أن استمرار التفاوت في استخدام الإنترنت وسرعاته وتكلفته بين الدول الغنية والفقيرة يفاقم فجوة الإنتاجية والدخل. وقد أظهرت البيانات أن فردًا واحدًا من كل أربعة في الدول منخفضة الدخل يستخدم الإنترنت.
كما أن الفجوة في سرعات الإنترنت وحجم استهلاك البيانات تزداد اتساعًا، وهو ما يعرقل التحول الرقمي للشركات في الدول الأضعف اقتصاديًّا. كذلك، كان لجائحة كوفيد-19 دور مباشر في تغيير أنماط السلوك الاقتصادي والاجتماعي؛ حيث ارتفع استخدام التطبيقات المرتبطة بالتعليم، والصحة، والأعمال بشكل لافت خلال فترات الإغلاق. وقد استفادت المؤسسات التي كانت أكثر جاهزية رقمية أو استثمرت في التحول الرقمي في أثناء الجائحة؛ إذ أظهرت قدرة كبرى على الصمود واستدامة المبيعات مقارنة بغيرها.
الانعكاسات الصحية/الخدمات الصحية الرقمية: لقد أدت الفجوة الرقمية إلى تعميق التفاوت في فرص الحصول على الخدمات الصحية؛ إذ أصبحت القدرة على الاستفادة من الحلول الرقمية في الرعاية الصحية مرتبطة بمستوى الوصول إلى التكنولوجيا وجودة البنية التحتية الرقمية. وهذا يعني أن الفئات التي تعاني من ضعف الاتصال بالإنترنت أو محدودية الأجهزة أو نقص المهارات الرقمية تواجه صعوبات حقيقية في الحصول على الرعاية الصحية الحديثة؛ مما يؤدي إلى تفاقم التفاوتات الصحية بين الفئات المختلفة. وقد أسهمت جائحة كوفيد-19 في تسريع ابتكار واستخدام الأدوات الرقمية والسياسات الصحية في كثير من الدول، الأمر الذي ساعد على استمرار تقديم الخدمات في ظل الظروف الطارئة. ومع ذلك، لا يزال الطريق طويلًا أمام تعميم هذه الحلول بشكل متكافئ.
وتتجلى آثار الفجوة الرقمية الصحية بشكل أعمق في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل؛ حيث تظل الأمراض القابلة للوقاية، مثل: الملاريا، والسل، والتهابات الجهاز التنفسي، من أبرز أسباب الوفاة. في هذه البيئات، يمكن للتكنولوجيا الرقمية أن تؤدي دورًا محوريًّا في تحسين التشخيص وتسهيل الحصول على الرعاية ومتابعة المرضى، غير أن ضعف البنية التحتية يمثل العائق الأكبر أمام الاستفادة الكاملة من هذه الإمكانات. فغياب الاتصال الواسع بالإنترنت أو محدودية القدرات التقنية يحول دون توسيع نطاق الحلول الرقمية وتطبيقها بفاعلية. وقد أثبتت بعض البرامج نجاحًا ملموسًا في هذا السياق، مثل برنامج 99DOTS الذي ساعد على متابعة التزام مرضى السل بالعلاج من خلال تقارير رسائل هاتفية، وحملة Know Your Lemons التي رفعت الوعي بسرطان الثدي عبر تطبيقات الهواتف المحمولة.
كما أظهرت أنظمة السجلات الصحية الإلكترونية والتطبيب عن بُعد فعاليتها في تحسين إدارة البيانات الطبية وتوسيع نطاق التشخيص والعلاج خاصة في المناطق الريفية، وهو ما يعكس الإمكانات الكبيرة التي يمكن أن تحققها الرقمنة الصحية إذا ما جرى استثمارها بشكل صحيح. وبذلك، تكشف الفجوة الرقمية الصحية عن نفسها ليس فقط في ضعف الانتشار، بل أيضًا في محدودية القدرة على الاستفادة من الأدوات الرقمية في تعزيز الوقاية والتشخيص والعلاج؛ مما يعكس واحدة من أبرز الانعكاسات السلبية للفجوة الرقمية على القطاع الصحي.
الانعكاسات على المشاركة المدنية والسياسية: أصبحت الفجوة الرقمية عائقًا مباشرًا أمام المشاركة المدنية والسياسية والوصول إلى المعلومات العامة. فالملايين ممن يفتقرون إلى الاتصال بالإنترنت عالي السرعة أو لا يتبنونه يواجهون تحديات كبيرة في أداء مهامهم اليومية، الأمر الذي يضعهم في وضع غير متكافئ عند محاولتهم المشاركة في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. هذا الواقع الهيكلي يؤدي إلى ما يُعرف بـ”التمييز الرقمي” ويعمِّق التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية.
كما أن الفجوة الرقمية لا تقتصر على غياب أداة تقنية، بل تمتد لتشمل غياب وسيلة أساسية للتواصل مع الحكومة والمجتمع. فالاتصال المنزلي بالإنترنت يرتبط بزيادة فرص الأفراد في التواصل مع المسؤولين والمشاركة في مختلف الأنشطة المدنية، في حين أن غياب هذا الاتصال يقلل من انخراطهم في الحياة العامة، ويعمّق ما يُعرف بـ”الفجوة الديمقراطية”. كما أن الاعتماد على الإنترنت أصبح وسيلة رئيسة للتفاعل مع الحكومة والاقتصاد ومع الآخرين؛ حيث يُسهم في تعزيز المشاركة السياسية عبر توفير المعلومات التي ترفع من كفاءة الأفراد السياسية وتدعم قدرتهم على التعبير، سواء من خلال المراسلات أو المكالمات أو إرسال رسائل إلكترونية إلى المسؤولين.
أما الأفراد المحرومون من استخدام الإنترنت في منازلهم، نتيجة ضعف المهارات أو غياب الاتصال، فهم أقل انخراطًا في الأنشطة المدنية والسياسية؛ مما يعكس التأثير السلبي المباشر للفجوة الرقمية على المشاركة السياسية. وبذلك يمكن القول إن الفجوة الرقمية لا تقتصر على كونها مشكلة تقنية، بل هي صورة من صور الاستبعاد الاجتماعي الذي يحرم الأفراد من حقوق وفرص أساسية، الأمر الذي يجعل ضمان الوصول العادل إلى الإنترنت وتنمية المهارات الرقمية خطوة ضرورية لتعزيز المساواة وصون الكرامة الإنسانية، وتعزيز المشاركة السياسية.
لم يعُد مفهوم الأمية يقتصر على العجز عن القراءة والكتابة فقط كما كان يُفهم في الماضي، بل أصبح مفهومًا متعدد الأبعاد يعكس مستويات مختلفة من القدرات المعرفية والمهارية لدى الأفراد. فالتطور الاجتماعي والتكنولوجي الذي يشهده العالم جعل من الضروري إعادة النظر في معنى أن يكون الفرد “متعلِّمًا”. فاليوم لا يُقاس التعليم فقط بقدرتنا على قراءة جملة أو كتابة نص بسيط، بل بمدى قدرتنا على استخدام المعرفة في العمل، والمجتمع، والتكنولوجيا. ومن هنا ظهرت مفاهيم جديدة للأمية، أبرزها الأمية الأبجدية، والأمية الوظيفية، والأمية الرقمية، وهي مفاهيم مترابطة لكنها تختلف في طبيعة المهارة التي تفتقر إليها فئات معينة من الأفراد في المجتمع.
محو الأمية الأبجدية: هي القدرة على القراءة والكتابة واستخدام الأرقام، وتُفهم اليوم بعيدًا عن مفهومها التقليدي كمجموعة مهارات ثابتة تُكتسب مرة واحدة. فهي وسيلة للتعرُّف والفهم والتفسير والإبداع والتواصل في عالم يزداد فيه الرقمنة ويكثر فيه النصوص والمعلومات ويتغير بسرعة. كما أنها عملية تعلم مستمرة تمتد على مدار حياة الإنسان، تتدرج فيها مستويات الإتقان وفقًا لتجارب الأفراد واحتياجاتهم المتغيرة، وتُعَد وسيلة أساسية للاندماج الاجتماعي والاقتصادي والثقافي في عالم متشابك ومتطور.
وتُسهم مهارات القراءة والكتابة في تمكين الأفراد وتحسين جودة حياتهم؛ إذ توسِّع من قدراتهم وتزيد من فرصهم في التعليم والعمل والمشاركة الفاعلة في المجتمع؛ مما يُسهم في الحد من الفقر وتعزيز التنمية المستدامة. كما ينعكس محو أمية النساء بشكل خاص على تقدم المجتمعات بأكملها؛ حيث يمنحهن قدرة كبرى على اتخاذ القرارات وتحسين أوضاع أسرهن الصحية والتعليمية، ولا سيما فيما يتعلق بتعليم الفتيات.
وتُعَد هذه المهارات مدخلًا أساسيًّا لاكتساب مجموعة واسعة من القدرات المطلوبة في القرن الحادي والعشرين، مثل المهارات الرقمية والإعلامية، والتعليم من أجل التنمية المستدامة والمواطنة العالمية، إلى جانب المهارات المرتبطة بسوق العمل، بما يجعل من إتقان القراءة والكتابة خطوة أساسية نحو تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة.
الأمية الوظيفية: تُشير الأمية الوظيفية إلى العجز عن فهم النصوص المعقدة رغم تلقي التعليم الكافي وامتلاك مهارات القراءة والكتابة الأساسية، والقدرات اللغوية، ومستوى الذكاء المناسب. ولا يمكن تفسير هذا العجز من خلال اضطرابات حسية أو عصبية أو نفسية أو معرفية عامة. وتُعرَّف الأمية الوظيفية بأنها الحالة التي لا يتمكن فيها الأفراد، رغم إتمامهم سنوات التعليم الإلزامي، من اكتساب المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والحساب؛ مما يؤثر سلبًا في قدرتهم على أداء مهام الحياة اليومية بفعالية. فالأميون وظيفيًّا يواجهون صعوبات في الفهم اللغوي مثل قراءة تعليمات الأدوية أو المقارنة بين أسعار المنتجات، إضافة إلى ضعف في القدرات الحسابية؛ مما يحُد من قدرتهم على التعامل مع المواقف الحياتية اليومية كقراءة الجداول الزمنية.
تُعزى الأسباب المؤدية إلى الأمية الوظيفية إلى أربعة جوانب مترابطة: الجانب المعرفي؛ حيث يؤدي ضعف القدرات الإدراكية إلى عدم اكتساب مهارات القراءة والكتابة الكافية، والجانب التعليمي؛ إذ يواجه المعلمون صعوبة في مراعاة الفروق الفردية بين الطلاب؛ مما يجعل أصحاب القدرات الضعيفة أو الدافعية المنخفضة يتأخرون دراسيًا، والجانب الاجتماعي، المتمثل في غياب البيئة الداعمة والمحفزة في الأسرة؛ مما ينعكس سلبًا على دافعية التعلم، وأخيرًا جانب فقدان الكفاءات؛ حيث يفقد بعض الأفراد مهاراتهم المكتسبة في مرحلة البلوغ نتيجة لانخفاض متطلباتهم المعرفية اليومية.
ومن ثَمَّ، تُعَد الأمية الوظيفية ظاهرة متعددة الأبعاد تتجاوز حدود التعليم النظامي لتشمل تفاعلًا معقدًا بين العوامل المعرفية والتعليمية والاجتماعية؛ ما يجعل مكافحتها تتطلب استراتيجيات شاملة تُعنى بتطوير المهارات الأساسية وتعزيز بيئات التعلم مدى الحياة.
الأمية الرقمية: تُعبِّر عن ضعف الأفراد في التعامل مع التقنيات الحديثة وعدم امتلاكهم المهارات اللازمة لاستخدام الأدوات الرقمية بفعالية. فالأشخاص الذين يعانون من الأمية الرقمية يجدون صعوبة في استخدام الأجهزة التكنولوجية أو التعامل مع الإنترنت والتطبيقات المختلفة، كما يواجهون مشكلات في التواصل عبر المنصات الرقمية أو في الوصول إلى المعلومات والخدمات الإلكترونية؛ مما يحُد من قدرتهم على المشاركة في الأنشطة الرقمية ويقلل من فرصهم في سوق العمل.
وتتفاقم مشكلة الأمية الرقمية في ظل التحول العالمي نحو الأتمتة؛ إذ أصبح التطور التكنولوجي السريع يتطلب امتلاك مهارات رقمية متقدمة لفهم الأنظمة المؤتمتة والتعامل معها. ومع غياب هذه المهارات، يواجه الأفراد صعوبة في التكيُّف مع التقنيات الحديثة؛ مما يؤدي إلى اتساع الفجوة الرقمية بينهم وبين من يمتلكون الكفاءة الرقمية، ويجعلهم أقل قدرة على الاستفادة من التطور التكنولوجي في حياتهم اليومية ومجالات العمل المختلفة.
وتُعَد الأمية الرقمية من أبرز التحديات في العصر الحديث؛ إذ تؤثر سلبًا على قدرة الأفراد على التكيف مع التطور التكنولوجي، كما تُضعف وصولهم إلى المعلومات والخدمات الإلكترونية، وتؤدي إلى عزلة اجتماعية وتراجع في الكفاءة والتنافسية. ويستدعي الحد من هذه المشكلة الاستثمار في تنمية المهارات الرقمية عبر التعليم والتدريب، وتوفير الإنترنت للمجتمعات المحرومة، وتبسيط التقنيات لتصبح أكثر سهولة في الاستخدام، إلى جانب نشر الوعي بأهمية الثقافة الرقمية وتمكين الأفراد من التعامل بفاعلية وثقة مع متطلبات العصر الرقمي.
أصبح التحول الرقمي أحد الاتجاهات الرئيسة في المؤسسات خلال السنوات الأخيرة، وتُعَد الثقافة الرقمية عاملًا حاسمًا في نجاح هذا التحول. ويقوم التحول الرقمي على توظيف التقنيات الحديثة من أجل تطوير عمليات المؤسسة وتحسين منتجاتها وخدماتها. ولا يمكن تحقيق هذا النجاح إلا بامتلاك الأفراد المعرفة والمهارات الرقمية اللازمة؛ إذ تساعد الثقافة الرقمية الموظفين على فهم تلك التقنيات وتطبيقها بكفاءة وأمان، وتمكِّنهم من اختيار الأدوات الرقمية الأكثر ملاءمة لكل مهمة، إلى جانب إعدادهم للتعامل مع التحديات والمشكلات التي قد تطرأ في بيئة العمل الرقمية.
أولًا- التحول الرقمي: حجر الزاوية للنجاح في المشهد الرقمي المتغير:
يمثل التحول الرقمي أهمية كبيرة بالنسبة للمؤسسات، وتكمن أهميته في الفوائد المتعددة التي يحققها للأعمال. ومن أبرز هذه المزايا تعزيز الكفاءة التشغيلية والإنتاجية من خلال تحسين العمليات، وأتمتة المهام الروتينية. كما يُسهم بشكل كبير في تحسين تجربة العملاء؛ مما يعزز ولاءهم ورضاهم عبر توفير تفاعلات سلسة وشخصية. ويساعد هذا التحول المؤسسات على اكتساب المرونة والقدرة على التكيف؛ مما يمكنها من الاستجابة بسرعة للتغيرات في الأسواق والتطورات التكنولوجية، وبالتالي الحفاظ على قدرتها التنافسية.
إضافةً إلى ذلك، فإن استراتيجية التحول الرقمي المصممة جيدًا تعزز الابتكار، وتمنح المؤسسات ميزة تنافسية وتضعها في موقع ريادي ضمن قطاعاتها. ويمد الانتقال نحو الاعتماد على القرارات المستندة إلى البيانات المؤسسات برؤى فورية تساعدها على صياغة استراتيجيات أكثر دقة. هذا، وتشمل الآثار الإيجابية الأخرى للتحول الرقمي: توسيع الوصول للأسواق العالمية، وخفض التكاليف، وتمكين الموظفين، وضمان الامتثال التنظيمي، والاستعداد للمستقبل؛ مما يجعله حجر الزاوية للنجاح في المشهد الرقمي المتغير.
ويساعد التحول الرقمي المؤسسات على الاستباقية ومواكبة الموجات الجديدة للتنمية الاقتصادية. فعلى سبيل المثال، بدأت تقنيات الثورة الصناعية الرابعة، مثل: الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، وتقنية البلوك تشين في تغيير قطاع الصناعة بالفعل. ومن خلال تبني التحول الرقمي، تستطيع المؤسسات أن تضع نفسها في موقع يمكِّنها من الاستفادة من هذه التقنيات الحديثة واستثمار فرص التطور الاقتصادي، وتبرز أهم فوائد التحول الرقمي في:
ارتفاع رضا العملاء: يُسهم التحول الرقمي في رفع مستويات رضا العملاء من خلال توفير تجارب مخصصة وسلسة تعتمد على تحليلات البيانات وفهم أعمق لتفضيلاتهم وسلوكياتهم، كما تتيح التقنيات الحديثة، مثل: الدردشة الآلية والدعم المؤتمت، سرعة الاستجابة وحل المشكلات بكفاءة، فيما تساعد آليات التغذية الراجعة الفورية على تعزيز الابتكار، وتحسين الخدمات باستمرار. إلى جانب ذلك، يوفِّر إطار “الوظائف المطلوب إنجازها” (JTBD) أداة فعّالة لتمكين المؤسسات من مواءمة عروضها بدقة مع احتياجات العملاء الحقيقية؛ مما يعزز رضاهم وولاءهم، ومن ثم يُسهم في بناء صورة إيجابية للعلامة التجارية في المشهد الرقمي المتغير.
تعزيز المرونة التشغيلية: يساعد التحول الرقمي المؤسسات على الاستجابة السريعة للتغيرات السوقية واغتنام الفرص الجديدة عبر التحليلات المتقدمة والأتمتة والبيانات الفورية، بشكل يعزز قدرتها على اتخاذ قرارات فعّالة والحفاظ على تنافسيتها. كما يُمكِّنها من تعديل استراتيجياتها وإطلاق منتجات أو خدمات جديدة بسرعة، مع تحسين العمليات الداخلية وتقليل الهدر، بما يتيح توجيه الموارد نحو الابتكار والمبادرات الاستراتيجية.
الكفاءة في التكاليف: يساعد التحول الرقمي في خفض التكاليف التشغيلية عبر تحسين استخدام الموارد وتبسيط العمليات؛ مما يتيح للمؤسسات إعادة استثمار الوفورات في مجالات الابتكار والنمو وتعزيز القدرة التنافسية.
زيادة فرص الإيرادات: يُعد التحول الرقمي بوابة لخلق مصادر دخل جديدة عبر استغلال التقنيات الرقمية في التوسع في الأسواق، وتنويع الأنشطة، وتقديم منتجات أو خدمات مبتكرة. كما يتيح التحول الرقمي تبني نماذج أعمال حديثة مثل التجارة الإلكترونية، والخدمات بالاشتراك، أو الأسواق الرقمية؛ مما يعزز القدرة على تلبية توقعات العملاء المتغيرة.
زيادة تفاعل الموظفين: يُعَد التحول الرقمي عاملًا رئيسًا في تعزيز رضا وتحفيز الموظفين من خلال تزويدهم بأدوات تسهِّل إنجاز المهام، وتقلل الأعمال الروتينية، وتزيد الإحساس بالإنجاز. كما تعزز هذه الأدوات التعاون والتواصل داخل الفرق، وحتى عن بُعد؛ مما يرسخ ثقافة إيجابية تشجع على المشاركة والانفتاح. إضافةً لذلك، يفتح التحول الرقمي المجال للتطوير المهني عبر التدريب الرقمي والموارد المتخصصة، وهو ما يدعم النمو الفردي ويعزز ثقافة الابتكار والتكيف داخل المنظمة.
تشجيع الابتكار: يُعد الابتكار محركًا أساسيًّا للنمو المستدام، والتحول الرقمي يعمل كعامل محفّز له عبر توفير بيئة تدعم التجربة والإبداع وتبني التقنيات الحديثة. ويُسهم هذا التحول في دمج الحلول المبتكرة وتعزيز ثقافة تنظيمية قائمة على الأفكار المستقبلية؛ مما يمكِّن المؤسسات من الحفاظ على نموها واستمرار قدرتها على المنافسة في بيئة متغيرة باستمرار.
تعزيز الثقافة الرقمية: إن تبني التحول الرقمي لا يقتصر فقط على اعتماد تقنيات جديدة؛ بل يتطلب إحداث تحول ثقافي عميق داخل المنظمة. فهذا التحول يتجاوز مجرد تطبيق الأدوات والمنصات الرقمية، ليؤدي إلى ترسيخ ثقافة تنظيمية رقمية تخترق جميع جوانب العمل. ويُعَد هذا التحول الثقافي ضروريًّا لدعم الابتكار، وتعزيز القدرة على التكيُّف، وغرس عقلية استشرافية لدى الموظفين على المستويات كافة.
رغم أن التحول الرقمي يوفر فوائد كبيرة للمؤسسات، فإن نجاحه لا يتوقف على البنية التكنولوجية وحدها، بل يتطلب بالأساس توافر كوادر بشرية تمتلك المهارات اللازمة ومستوى كافٍ من الثقافة الرقمية. ومن ثَمَّ فإن الأمية الرقمية بين الموظفين تُشكِّل عائقًا جوهريًّا أمام تبني التحول الرقمي؛ إذ إن نقص المعرفة الرقمية يقلل من فعالية مبادرات التحول الرقمي ويُضعف القدرة على الاستفادة من إمكاناتها. لذلك، فإن تقييم مستوى الثقافة الرقمية للعاملين وقياس أثرها على جهود التحول الرقمي يُعَدان خطوة محورية ينبغي أن تُولى اهتمامًا بحثيًّا وتطبيقيًّا لضمان نجاح هذه المبادرات الرقمية وتحقيق القيمة المضافة المرجوة منها. وتتمثل أبرز العوائق نحو التحول الرقمي في التالي:
التطور الفكري والمعرفي: يشمل التحول الرقمي تغيير العقليات تجاه استخدام التكنولوجيا؛ حيث يُعَد الأفراد محور هذا التحول ومسؤولين رئيسين عن نجاحه. لذلك من الضروري دمجهم في العملية واعتبارهم عاملًا أساسيًّا للتغيير، وإلا فلن يكونوا جزءًا من الحل بل قد يصبحون جزءًا من المشكلة. ويُعَد الأفراد والعمليات والتكنولوجيا العناصر الثلاثة الأكثر أهمية في التحول الرقمي. ومع ذلك، فإن ضعف الثقافة الرقمية لدى المشاركين قد يهدد نجاح هذا التحول.
وبالتالي، تُحدث الأمية الرقمية تأثيرًا كبيرًا على نتائج الشركات؛ إذ يؤدي غياب الوعي بالتكنولوجيا الرقمية وعدم القدرة على التفاعل معها إلى العديد من العواقب السلبية، بما في ذلك انخفاض الإنتاجية، وزيادة التكاليف، وخطر التخلف عن المنافسين.
انخفاض الإنتاجية: قد تؤدي الأمية الرقمية داخل الشركة إلى تراجع ملحوظ في مستوى الإنتاج. فإذا كان الموظفون يفتقرون إلى المعرفة اللازمة لاستخدام التقنيات الرقمية المتاحة، فإن معدل إنتاجيتهم قد ينخفض بشكل كبير. وهذا قد يؤدي إلى استغراق المهام وقتًا أطول من اللازم لإتمامها، بالإضافة إلى ارتفاع معدل الأخطاء. كما أن نقص المهارات الرقمية يمكن أن يعوق التواصل داخل الفريق وبين الإدارات؛ إذ يصبح الموظفون غير قادرين على استخدام التكنولوجيا بشكل فعّال لتبادل المعلومات أو التعاون في المشروعات.
ارتفاع التكاليف: قد تكون التكاليف المرتبطة بتطوير المهارات الرقمية لدى القوى العاملة باهظة. وستحتاج الشركات إلى الاستثمار في برامج تدريب الموظفين، بالإضافة إلى برامج جديدة وتقنيات أخرى تُتيح تعاونًا أكثر سلاسةً وإنتاجيةً مُحسّنة. علاوةً على ذلك، إذا كانت الشركات تفتقر إلى هذه المواهب داخليًّا، فيجب عليها تقييم تكلفة استقطاب عمال مُهرة بالفعل في التقنيات الرقمية.
خطر التراجع أمام المنافسين: فإن الشركات التي لا تعالج مشكلة الأمية الرقمية تُعرّض نفسها لخطر التراجع خلف منافسيها الذين تبنوا التكنولوجيا الحديثة واستثمروا في تدريب موظفيهم على استخدامها بكفاءة. ففي الاقتصاد الرقمي المعاصر، ستكون المؤسسات، بغض النظر عن مجال عملها أو قطاعها، في وضع غير مواتٍ إذا لم تواكب التطورات التكنولوجية أو تفهم كيفية استغلالها بشكل فعّال.
ثالثًا- الثقافة الرقمية.. الطريق نحو تجاوز الأمية الرقمية وتحقيق التنافسية والتقدم المهني:
يتضح مما سبق أن الأمية الرقمية تُعَد من أبرز العقبات أمام التحول الرقمي وازدهار الأعمال؛ إذ تُضعف قدرة المؤسسات والأفراد على مواكبة التطور التكنولوجي والاستفادة من إمكاناته. ومن هنا تبرز الثقافة الرقمية كحل عملي وضروري لتجاوز هذه التحديات، ليس فقط لدعم جهود التحول الرقمي، بل أيضًا لتسهيل فرص العمل وتعزيز التقدم المهني.
أصبحت الثقافة الرقمية، بمعناها الواسع المتمثل في القدرة على استخدام الأدوات والتقنيات الرقمية، مهارةً تخصصيةً وأساسيةً لجميع قطاعات المجتمع. ولا تقتصر المهارات الرقمية على الأفراد العاملين في الصناعات التكنولوجية فحسب، بل أصبحت مطلوبة الآن في جميع القطاعات تقريبًا، بدءًا من الزراعة وصولًا إلى الرعاية الصحية والتعليم والتمويل، وغيرها. وتتجلى أهمية هذه الثقافة بشكل عملي في مساهمتها المباشرة في خلق فرص العمل، وذلك من خلال عدة جوانب من أبرزها:
الوصول إلى فرص العمل: مع تحول الصناعات لاعتماد التقنيات الرقمية، أصبحت فرص العمل تشترط امتلاك كفاءات رقمية؛ إذ إن غالبية الإعلانات الوظيفية تتطلب حاليًّا إتقان برامج الحاسوب الأساسية، وأدوات التحليل، أو أدوات التواصل الرقمي. ومن دون الثقافة الرقمية، قد يُحرم الباحثون عن العمل من الوصول إلى معظم الوظائف المتاحة؛ مما يقلل من فرص حصولهم على عمل. وفي حالة الدول النامية، حيث يغلب على أسواق العمل الطابع غير الرسمي، تكتسب الثقافة الرقمية أهمية بالغة في إدماج الأفراد داخل الاقتصادات الرسمية. فمن خلال امتلاك مهارات تقنية رقمية، يصبح أمامهم فرص كبرى للحصول على وظائف أكثر مهنية، بل والانخراط في اقتصاد العمل الحر عبر المنصات الإلكترونية.
تعزيز الإنتاجية والكفاءة: بالنسبة للموظفين الحاليين، يمكن للثقافة الرقمية أن تجعلهم أكثر إنتاجية وكفاءة. فالإلمام بالأدوات الرقمية مثل جداول البيانات، وبرامج العروض التقديمية، ومواقع إدارة المشروعات، وأدوات التعاون، يمكِّن العاملين من إنجاز مهامهم بشكل أسرع وأفضل، وبالتالي يصبحون أكثر قيمة لأصحاب العمل. بالفعل، يُنظر إلى الموظفين ذوي المهارات الرقمية على أنهم أكثر كفاءة ومرونة؛ مما يؤدي إلى تحسين الأداء في بيئة العمل وتعزيز الأمن الوظيفي. إضافة إلى ذلك، فإن امتلاك القدرة على استخدام التقنيات الرقمية لمواجهة التحديات وتحسين العمليات يفتح المجال أمام فرص للنمو المهني.
تعزيز ريادة الأعمال: تُعَد الثقافة الرقمية أيضًا محركًا رئيسًا لريادة الأعمال. فمع سهولة الوصول إلى مواقع التجارة الإلكترونية، والمنصات الاجتماعية للترويج للمبيعات، وأدوات الخدمات المصرفية عبر الإنترنت، يمكن لأي شخص يمتلك الوعي الرقمي أن يبدأ ويدير مشروعه الخاص من منزله. وبالنسبة لأولئك الذين يعيشون في القرى الريفية أو المناطق النامية ذات الوصول المحدود إلى المرافق التجارية التقليدية، توفر الأدوات الرقمية فرصة للاندماج في الاقتصاديات العالمية.
ويتمكن رواد الأعمال المتمتعون بالثقافة الرقمية من إنشاء متاجر افتراضية، وتنفيذ حملات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومتابعة المخزون بوسائل رقمية، ومعالجة المدفوعات إلكترونيًّا. ويتيح ذلك مصادر جديدة للإيرادات، ويساعد على تنويع الاقتصاد، خاصة في العالم النامي؛ حيث يمكن لريادة الأعمال أن تكون وسيلة أساسية لخلق فرص العمل.
دعم العمل عن بُعد والعمل المرن: أدى انتشار أنماط العمل عن بُعد والجداول المرنة، والتي تسارعت بفعل جائحة “كوفيد-19” إلى إبراز أهمية الثقافة الرقمية في تمكين الأفراد من الوصول إلى فرص العمل الجديدة. فالعاملون اليوم أصبحوا بحاجة إلى امتلاك مهارات رقمية متقدمة تتيح لهم استخدام أدوات الاتصال الافتراضي، ومنصات التعاون الإلكتروني، والتطبيقات السحابية بكفاءة لأداء مهامهم من أي مكان.
كما أصبحت الكفاءة الرقمية شرطًا أساسيًّا للحصول على فرص العمل عن بُعد في قطاعات متعددة، مثل: التكنولوجيا، والخدمات المالية، والتعليم، وخدمة العملاء. ومع التوسع في العمل من المنزل، يتمتع الأفراد ذوو المهارات الرقمية العالية بميزة تنافسية تمكِّنهم من الاستفادة من فرص العمل المرنة وتعزز قدرتهم على التكيُّف مع تحوُّلات سوق العمل الحديثة.
يُعَد هدف التعليم الجيد أحد أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر التي وضعتها الأمم المتحدة بحلول عام 2030، كان التقدم نحو التعليم الجيد بطيئًا، وهو ما يتطلب مواصلة الجهود الدولية لمعالجة التحديات المستمرة التي تواجه هدف القضاء على الأمية وضمان إمكانية وصول الجميع إلى تعليم جيد، وتتنوع تلك التحديات ما بين تحديات اقتصادية، واجتماعية، وتكنولوجية، في ظل ارتفاع معدلات التحول الرقمي عالميًّا، وارتفاع حجم الفجوة الرقمية معها، وذلك بين البلدان التي تفتقر للأدوات الرقمية الأساسية والبلدان ذات التكنولوجيا الرقمية العالية؛ مما سيُسهم في تفاقم حجم التفاوتات في مدى إمكانية الوصول إلى خدمات التعليم بشكل عادل.
أولًا- التحديات الاقتصادية:
تُعَد التحديات الاقتصادية أحد أبرز الأسباب التي تحول دون القضاء على الأمية؛ حيث أظهرت الدراسات وجود علاقة طردية بين معدلات الأمية ومعدلات الفقر عالميًّا؛ حيث تعاني معظم البلدان ذات معدلات الفقر المرتفعة من انخفاض معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة، مثل دول جنوب وغرب آسيا وجنوب الصحراء الكبرى في إفريقيا. ويُعزى ذلك إلى ارتفاع الأعباء المادية التي تقع على عاتق الأسر في تلك الدول؛ مما يجعلها غير قادرة على سداد المصروفات التعليمية، وتدفعها للعمل في سن مبكرة للحصول على مصدر دخل للأسرة بدلًا من الالتحاق بالمدارس، أو تزويج الفتيات في سن مبكرة كمحاولة للتخلص من أعبائهن المادية. تظهر بعض التفاوتات الإقليمية في فرص الحصول على التعليم؛ إذ تمثل الفجوة بين الريف والحضر أحد أسباب تفاقم الأمية، فلا يزال الريف يعاني نقصًا كبيرًا في أعداد المدارس والبنايات التعليمية مقارنة بالحضر. كما يواجه الأطفال في المجتمعات الريفية تحديات بسبب المسافة الطويلة إلى المدارس ونقص المعلمين.
ثانيًا- التحديات الاجتماعية:
من بين نحو 781 مليون بالغ حول العالم لا يستطيعون القراءة أو الكتابة، تُشكِّل النساء ما يقرب من ثلثي هذا العدد. وتظهر هذه التفاوتات بوضوح في الدول ذات معدلات الفقر المرتفعة، ولا سيما في دول جنوب الصحراء الكبرى بإفريقيا؛ حيث تضم هذه المنطقة وحدها 19 اقتصادًا من أصل 24 اقتصادًا لم تتمكن من سد 80% من الفجوة بين الجنسين في الإلمام بالقراءة والكتابة.
ثالثًا- التحديات الديموغرافية:
توجد علاقة متبادلة بين معدلات الزيادة السكانية المرتفعة وارتفاع معدلات الأمية؛ حيث تحُد معدلات الزيادة السكانية الهائلة من قدرة الدولة على توفير المدارس والمرافق التعليمية بما يتوافق مع تلك الزيادة. والعكس كذلك؛ حيث تتسبب الأمية في قلة وعي الأسر بوسائل تنظيم الأسرة؛ مما يجعل البرامج والمبادرات التي تطلقها الدول بهدف ضبط معدلات الإنجاب غير مُجدية، وبالنظر إلى باكستان بصفتها خامس أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان في عام 2024، نجد أنها تسجل أعلى معدلات للأمية؛ إذ تُسهم معدلات الإنجاب المرتفعة في ظل الموارد المحدودة في ارتباط معظم أطفال باكستان بكسب الرزق بدلًا من السعي وراء التعليم. وقد تم تقدير أعلى رقم في إقليم البنجاب الباكستاني؛ حيث تم إجبار أكثر من 1.9 مليون طفل على العمل، فضلًا عن عدم السماح لمعظم النساء بالدراسة في المدارس؛ مما يؤدي إلى الزواج المبكر.
رابعًا- التحديات التقنية:
تواجه الدول النامية تحديات تقنية تعوق جهودها المبذولة للقضاء على الأمية تتمثل في محدودية توافر البنية التحتية ووجود مبانٍ دراسية متضررة، فضلًا عن ضعف المناهج الدراسية وتركيزها بشكل كامل على المعرفة النظرية والحفظ، وبالتالي عدم وجود ربط للنظام التعليمي بالاحتياجات الحقيقية لسوق العمل.
علاوة على ذلك، يتطلب عالمنا الرقمي أشكالًا جديدة من المعرفة تتجاوز مهارات القراءة والكتابة. وبالنظر إلى المناطق الفقيرة، نجد أنها تفتقر إلى المهارات الرقمية الأساسية، الأمر الذي يعوق جهود القضاء على الأمية. والآن، ومع تغير الوظائف في عصر الرقمنة، يجب أن تتضمن الجهود حصول الجميع على التعليم التقني؛ مما يستلزم تكثيف الجهود من أجل القضاء على الأمية الرقمية إلى جانب الأمية الأبجدية.
يُعَد مؤشر المعرفة العالمي حجر الزاوية في قياس المعرفة عالميًّا، وقد تم إطلاقه خلال عام 2017 من خلال الشراكة المستمرة بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) والمكتب الإقليمي للدول العربية (RBAS) ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة (MBRF). ويقيس المؤشر مستوى المعرفة بين دول العالم في 7 أبعاد رئيسة: التعليم ما قبل الجامعي، والتعليم والتدريب التقني والمهني، والتعليم العالي، والبحث والتطوير والابتكار، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والاقتصاد، والبيئة التمكينية من حيث العوامل الاجتماعية والاقتصادية والحوكمة والصحة والبيئة التي تدعم التعليم.
وفي تقرير مؤشر المعرفة العالمي الصادر خلال 2024، حصلت السويد على المركز الأول عالميًّا بقيمة بلغت 68.3 نقطة، تلاها كل من فنلندا وسويسرا في المركزين الثاني والثالث بقيمتي 68 و67.9 نقطة على التوالي، ثم جاءت الدنمارك وهولندا في المركزين الرابع والخامس بقيمة 66.8 نقطة لكل منهما، لتشكل معًا الدول الخمس الرائدة في المؤشر عالميًّا، في حين جاءت معظم الدول الإفريقية في المراكز الأخيرة من المؤشر.
وعلى مستوى الأبعاد الرئيسة المكونة للمؤشر:
في مؤشر “التعليم قبل الجامعي”، حصلت كندا على المركز الأول بقيمة 90.2 نقطة، تلتها روسيا البيضاء والبرتغال في المركزين الثاني والثالث بقيمتي 85.3 و85 نقطة على التوالي، ثم المملكة العربية السعودية في المركز الرابع عالميًّا لتتصدر بذلك قائمة الدول العربية في مؤشر التعليم قبل الجامعي بقيمة 84 نقطة، ثم بولندا في المركز الخامس من المؤشر بقيمة 83.9 نقطة.
أما في مؤشر “التعليم والتدريب المهني”، فتصدرت الصين قائمة المؤشر بقيمة 75.1 نقطة، تلتها سلوفاكيا وهولندا في المركزين الثاني والثالث بقيمتي 68.4 و68.1 نقطة على التوالي، ثم النمسا وفنلندا في المركزين الرابع والخامس بقيمتي 67.4 و67.3 نقطة على التوالي.
وفي مؤشر “التعليم الجامعي”، تصدرت لوكسمبورج القائمة بقيمة 67.9 نقطة، تلتها سويسرا والولايات المتحدة الأمريكية بقيمتي 64.6 و63.9 نقطة على التوالي، ثم النرويج في المركز الرابع بقيمة 63 نقطة، بينما جاءت قبرص والمملكة المتحدة في المركزين الخامس والسادس بقيمة 62.5 نقطة لكل منهما.
يمثل مؤشر “البحث العلمي والتطوير والابتكار” جانبًا أساسيًّا من عمليات توليد المعرفة ونشرها وتطبيقها دعمًا للتنمية، وقد حققت السويد وسويسرا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية المراكز العليا في المؤشر بقيم تراوحت ما بين 56.3 و54.2 نقطة.
يأخذ المؤشر الفرعي لـ “تكنولوجيا المعلومات والاتصالات” في الاعتبار المتغيرات المتعلقة بالبنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والوصول إلى التكنولوجيات واستخدامها، وقد جاءت سنغافورة في المركز الأول من المؤشر بقيمة 76.5 نقطة، تلاها كل من السويد وفنلندا في المركزين الثاني والثالث ثم الإمارات العربية المتحدة في المركز الرابع عالميًّا لتتصدر الدول العربية في المؤشر بقيمة 73.7 نقطة، ثم الدنمارك في المركز الخامس بقيمة 73.6 نقطة.
اقتصاديًّا، تصدرت هونج كونج القائمة بقيمة 81.4 نقطة، تلتها سنغافورة والدنمارك في المركزين الثاني والثالث بقيمتي 79.8، 74.8 نقطة على التوالي، ثم أيرلندا وكوريا الجنوبية بقيمتي 72.4 و71.6 نقطة على التوالي.
تُمثل البيئة المُمكِّنة الظروفَ اللازمة لاحتضان ودعم إنتاج المعرفة وتطويرها وتوظيفها لتحقيق التنمية المستدامة، وذلك من خلال العوامل المُمكِّنة المؤسسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وقد حصلت أيسلندا على المركز الأول في مؤشر “البيئة التمكينية” بقيمة 88.4 نقطة، تلتها النرويج وسويسرا في المركزين الثاني والثالث بقيمتي 86.6 و84.9 نقطة، ثم السويد وفنلندا في المركزين الرابع والخامس بقيمتي 84.7 و84.6 نقطة على التوالي.
يقدم مؤشر جاهزية الشبكات الصادر عن معهد بروتلانز البرتغالي خلال عام 2024 تقييمًا شاملًا لـ 133 اقتصادًا على الاستفادة من التقنيات الرقمية، وذلك من خلال أربعة أبعاد: (التكنولوجيا، والأفراد، والحوكمة، والتأثير).
للعام الثالث على التوالي، حافظت الولايات المتحدة الأمريكية على صدارتها في مؤشر جاهزية الشبكات بقيمة 78.96 نقطة؛ وذلك نظرًا لتميزها في بُعد التكنولوجيا من خلال الوصول إلى الإنترنت في المدارس، فضلًا عن المنشورات العلمية للذكاء الاصطناعي، والاستثمار في التقنيات الناشئة. كذلك فقد شهد بُعد الأشخاص تميزًا ملحوظًا، مدفوعًا بالأداء المتميز في الاستثمار السنوي في خدمات الاتصالات، وحجم سوق الحوسبة السحابية العامة، والترويج الحكومي للاستثمار في التقنيات الناشئة، بالإضافة إلى الإنفاق الحكومي على البحث والتطوير.
تحتفظ سنغافورة بالمركز الثاني عالميًّا في مؤشر جاهزية الشبكات بقيمة 76.94 نقطة، وذلك نظرًا لأدائها المتميز في بُعد التكنولوجيا، المتمثل في تفوق الدولة في وصول الإنترنت واستيعاب التقنيات المستقبلية. كما حسَّنت سنغافورة أداءها في بُعد الأشخاص مدفوعة بزيادة عدد صفقات رأس المال الاستثماري المستثمر في الذكاء الاصطناعي والخدمات الحكومية عبر الإنترنت، بالإضافة إلى الترويج الحكومي للتقنيات الناشئة.
تأتي فنلندا في المركز الثالث عالميًّا خلال عام 2024 بقيمة 75.76 نقطة، ويدعم بروزها الأداء الجيد في بُعد التكنولوجيا الذي يتضح من خلاله تركيز الدولة على الاستثمار في التقنيات الناشئة، كما تتمتع فنلندا بأداء قوي في بُعد الأشخاص، مع نتائج جديرة بالثناء في أعداد الشركات التي لديها مواقع ويب والخدمات الحكومية عبر الإنترنت. كذلك تُعَد الحوكمة نقطة قوة لفنلندا، مدفوعة بتشريعات التجارة الإلكترونية، وتنظيم التقنيات الناشئة، والبيئة التنظيمية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
جاءت السويد في المركز الرابع عالميًّا خلال عام 2024 بقيمة 74.99 نقطة، ويُظهر تصنيفها العالي في التكنولوجيا من خلال مجالات مثل أعداد السكان الذين تغطيهم شبكة الهاتف المحمول 3G على الأقل والوصول إلى الإنترنت في المدارس، ويتعزز ذلك من خلال كثافة الروبوتات الصناعية. كما تُظهر السويد أداءً قويًّا عندما يتعلق الأمر بالأشخاص مع إنجازات ملحوظة في مهارات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في النظام التعليمي والشركات التي لديها مواقع ويب وإنفاقها المتزايد على البحث والتطوير من قبل الحكومة والترويج الحكومي للاستثمار في التقنيات الناشئة.
تحتل كوريا الجنوبية المركز الخامس خلال عام 2024 بقيمة 74.85 نقطة، ففي بُعد التكنولوجيا أظهرت كوريا الجنوبية تميزًا في الوصول إلى الإنترنت في المدارس وكثافة الروبوتات وتبني التقنيات الناشئة. كما تعرض كوريا الجنوبية فرصًا تسهيلية في تحمل تكاليف وتعريفات الهاتف المحمول والإنفاق على برامج الكمبيوتر. أما في بُعد الأشخاص، فتشمل إنجازاتها البارزة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي كالتركيز على مواهب الذكاء الاصطناعي وعدد صفقات رأس المال الاستثماري في الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى تميزها في قدرات البيانات ومهارات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في النظام التعليمي والخدمات الحكومية عبر الإنترنت.