عصر اللايقين العالمي: تحولات النظام الدولي وتحديات صنع القرار الاستراتيجي
صباح الخير قراءنا الكرام،
في عالمٍ تتسارع فيه الصدمات وتتقاطع الأزمات، لم يعد اللايقين حالة عارضة يمكن احتواؤها بإجراءات مؤقتة، بل أصبح سمة بنيوية تحكم النظام العالمي المعاصر منذ بداية القرن الحادي والعشرين، وخاصة في العقدين الأخيرين. فقد شهدت هذه الفترة تحولًا جذريًا في طبيعة البيئة التي تعمل ضمنها الدول والمؤسسات، حيث لم يعد المستقبل امتدادًا خطيًا للحاضر، ولم تعد أدوات التنبؤ التقليدية قادرة على استيعاب عالم تتعدد فيه مصادر المخاطر، وتتداخل فيه الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية والتكنولوجية والبيئية والمناخية. ونتيجة لذلك، دخل العالم ما يمكن وصفه بـ «عصر اللايقين»؛ عصر تتجاوز فيه وتيرة التغير قدرة النظم السياسية والاقتصادية على الاستجابة التقليدية، وتتآكل فيه افتراضات الاستقرار التي بُنيت عليها نماذج التخطيط طويل الأجل.
وقد تعمّقت هذه الحالة بفعل سلسلة من الأزمات العالمية الكبرى، بدءًا من الأزمة المالية العالمية عام 2008، مرورًا بجائحة كوفيد-19، وصولًا إلى الأزمات الجيوسياسية والحروب الممتدة، واضطرابات أسواق الطاقة والغذاء، وتسارع تداعيات التغير المناخي. كشفت هذه الأزمات مجتمعة عن هشاشة سلاسل الإمداد العالمية، وتقلبات حادة في الأسواق المالية، وضغوط متزايدة على النظم الصحية وسوق العمل، فضلًا عن تعقيد متزايد في منظومات الحوكمة على المستويين الوطني والدولي. ولم يعد اللايقين في هذا السياق ظرفًا مؤقتًا، بل تحوّل إلى واقع دائم يعيد تشكيل قواعد صنع القرار والاستراتيجيات الاقتصادية والتنموية.
وانعكس هذا السياق المضطرب بصورة مباشرة على كفاءة الأداء المؤسسي وقدرة الدول والمنظمات على اتخاذ قرارات استراتيجية فعّالة، إذ تراجعت قابلية التنبؤ بالمسارات المستقبلية، وتآكلت النماذج التقليدية القائمة على الاستقرار النسبي والتخطيط التنبؤي. ومع انتقال العالم من مرحلة كان فيها اللايقين محدودًا وقابلًا للسيطرة، إلى مرحلة تتسم بتشابك المتغيرات وتسارعها، باتت الدول والمؤسسات مطالَبة بإعادة صياغة مناهجها التحليلية وأطرها التخطيطية، والانتقال من منطق التكيف مع الأزمات إلى منطق الاستباق وبناء المرونة، القائم على تعدد السيناريوهات، وإدارة المخاطر الديناميكية، وتعزيز الجاهزية المؤسسية.
وعليه، تأتي هذه النشرة في إطار مقاربة تحليلية شاملة لفهم ملامح عصر اللايقين العالمي وتداعياته الاستراتيجية على الدول والاقتصادات وصنّاع القرار. إذ تتناول النشرة مفهوم اللايقين في السياق الاستراتيجي العالمي، وتستعرض تطوراته الراهنة، وتحلل تحوّل استجابات الدول من التكيف إلى الاستباق وبناء المرونة، وصولًا إلى عرض رؤى المؤسسات والخبراء الدوليين بشأن ملامح هذا العصر وإمكانات التعامل معه واستشراف مساراته المستقبلية.
قدّم الاقتصادي فرانك نايت تعريفًا تأسيسيًّا لمفهوم اللايقين، بوصفه وضعًا يتسم بعدم القدرة على تحديد احتمالات كمية دقيقة لمختلف السيناريوهات المستقبلية المختلفة. ويُبرز هذا التعريف أن اللايقين لا يقتصر فقط على مجرد صعوبة التنبؤ بنتائج معينة، بل يتجاوزها إلى حالة يعجز فيها صانع القرار عن تحديد أو حتى تصور النتائج المحتملة التي قد تترتب على قراراته. وبذلك، يصبح اللايقين أكثر عمقًا وتعقيدًا من مجرد عدم وضوح النتائج، إذ يشير إلى غياب المعلومات الكاملة أو القدرة على استشراف كافة الاحتمالات، مما يجعل اتخاذ القرار في ظل هذه الظروف تحديًا كبيرًا يتطلب أدوات وأساليب خاصة لإدارته والتعامل معه.
ثانيًا: الفرق بين المخاطر واللايقين:
يُعد فهم الفرق بين المخاطر القابلة للقياس والتحليل، وبين اللايقين الذي يعكس غياب المعلومات الكافية وصعوبة التقدير الدقيق للنتائج، أمرًا بالغ الأهمية لصناع القرار. فعندما تسود البيئات المتقلبة، لا تقتصر مهمة القادة على إدارة المخاطر المعروفة فحسب، بل تتطلب قدرات أعلى للتعامل مع المواقف غير المؤكدة وغير القابلة للقياس، حيث تلعب الخبرة، الحدس، الاعتبارات الأخلاقية دورًا رئيسًا في صياغة قرارات مرنة وفعالة.
المخاطر
تُعرَّف المخاطر بأنها حالات يمكن قياسها وتحليلها باستخدام البيانات الكمية والإحصائية. بمعنى آخر، المخاطر تُفهم على أنها “حالة من اللايقين قابلة للقياس”، حيث يمكن تقدير احتمالية وقوع حدث معين بناءً على معلومات تاريخية أو بيانات واضحة. يُمكن عبر هذا المفهوم تطبيق أدوات علمية واحتمالية لتقدير النتائج المحتملة، وبالتالي تصميم استراتيجيات تعتمد على توقعات نسبية ودقيقة إلى حد ما. وبذلك تسمح المخاطر باتخاذ قرارات مدروسة مبنية على معطيات واضحة أو قابلة للقياس، مما يقلل من عنصر المفاجأة أو الفشل. على سبيل المثال، تعتمد شركات التأمين على سجلات الحوادث السابقة لتقييم خطر وقوع حادث سير، مما يمكنها من تحديد قيمة التأمين وفرض الشروط المناسبة.
اللايقين
في المقابل، اللايقين هو حالة يصعب فيها تقدير الاحتمالات أو النتائج بدقة، سواء بسبب عدم توافر بيانات كافية أو بسبب طبيعة المشكلات المعقدة التي تتجاوز قدرات أدوات التحليل الكمي التقليدية على معالجتها بشكل فعال. وقد وصف الاقتصادي “نايت” هذه الحالة بأنها “حالة من اللايقين غير قابلة للقياس”، وهو حالة يكون فيها المستقبل غير معروف بشكل جذري، بحيث لا يمكن التنبؤ بنتائجه أو حتى تكوين استنتاجات منطقية بشأنه.
في هذه الحالات، يعتمد اتخاذ القرار بشكل كبير على الخبرة الشخصية والتقديرات الحدسية، حيث لا تتوافر بيانات دقيقة أو معارف قابلة للقياس العلمي تساعد على التنبؤ الدقيق بالنتائج. لذلك يتطلب الأمر من صانع القرار مهارة عالية تجمع بين الخبرة المتعمقة التي تسمح بفهم للتفاصيل الدقيقة، والقيم الأخلاقية التي توجه الاختيارات بما يضمن العدالة والمسؤولية، إلى جانب فهم شامل للسياق المحيط بالبيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر بشكل مباشر في نتائج هذه القرارات.
ثالثًا: مستويات اللايقين ودلالاتها في التخطيط الاستراتيجي:
يرتكز التخطيط الاستراتيجي على فهم وتحليل المعلومات المتاحة، والتي تنقسم عادة إلى فئتين:
المعلومات الواضحة والمحددة، مثل؛ الاتجاهات الديموغرافية للسوق التي تساعد على تقدير الطلب المستقبلي المحتمل على المنتجات أو الخدمات.
المعلومات القابلة للاكتشاف بعد التحليل الدقيق، كأداء التقنيات الحالية، مرونة الطلب، وخطط المنافسين لتوسيع قدراتهم.
فيما يأتي بعد ذلك اللايقين المتبقي (Residual Uncertainty)، وهو مستوى الغموض الذي يظل قائمًا حتى بعد تطبيق أفضل الأدوات والأساليب التحليلية الممكنة، وينشأ نتيجة نقص المعلومات أو تغيّر المتغيرات بشكل مستمر. هذا النوع من اللايقين يشكل تحديًا رئيسًا لصناع القرار، وينقسم عادة إلى أربعة مستويات رئيسة:
المستوى الأول، المستقبل واضح بما فيه الكفاية: في هذا المستوى، يكون اللايقين المتبقي ضئيلاً، ولا يؤثر بشكل جوهري في القرارات الاستراتيجية، حيث يكون صانع القرار محاطًا ببيانات ومعلومات دقيقة تتيح له التنبؤ بشكل معقول بمستقبل القطاع أو السوق التي يعمل فيها. تتسم بيئات العمل في هذا المستوى بالاستقرار النسبي، حيث تتوافر اتجاهات واضحة وثابتة مثل التركيبة السكانية للسوق، سلوك المستهلكين، ومستوى الطلب المحتمل على المنتجات أو الخدمات. لذلك، يستطيع المديرون بناء استراتيجياتهم على توقعات دقيقة نسبيًّا باستخدام أدوات التحليل التقليدية، مثل أبحاث السوق، وتحليل التكلفة، ودراسة المنافسين عبر نماذج مثل إطار القوى الخمس لمايكل بورتر. كما يمكن استخدام نماذج مالية معقدة لتقييم السيناريوهات المختلفة بدقة، مثل نموذج التدفقات النقدية المخصومة، والذي يحسب القيمة الحالية للاستثمار بناءً على التوقعات المستقبلية.
المستوى الثاني، مجموعة محددة من السيناريوهات المستقبلية البديلة: في هذا المستوى، لا يكون المستقبل واحدًا واضح المعالم، بل يُنظر إلى إليه على أنه مجموعة محدودة من السيناريوهات المنفصلة المحتملة، لكن لا يمكن الجزم بأي منها سيتحقق فعليًا. ويظهر هذا النوع من اللايقين في البيئات التي تشهد تغييرات قانونية أو تنظيمية كبيرة، أو عندما تعتمد نتائج الشركة على تحركات المنافسين التي يصعب التنبؤ بها. لذلك، يحتاج المديرون إلى إعداد سيناريوهات منفصلة وتحليل احتمالاتها، مع متابعة مؤشرات السوق التي تساعد على تقييم المخاطر والعوائد لاتخاذ القرار المناسب.
المستوى الثالث، مجموعة من الاحتمالات المستقبلية: في هذا المستوى، يصبح المستقبل أكثر غموضًا، إذ لا توجد سيناريوهات منفصلة بشكل طبيعي، وإنما نطاق واسع من النتائج المحتملة، والتي يصعب في ضوئها التنبؤ بنتيجة محددة. هذا المستوى يشمل عادةً الصناعات الناشئة، الأسواق الجغرافية الجديدة، أو التكنولوجيا التي لم يتم اختبارها بعد بشكل كافٍ. هنا، يكون من الصعب جدًا تحديد طلب السوق بدقة أو فهم كامل لخصائص التكلفة والأداء للتقنيات الجديدة.
الشركات التي تعمل في هذا المستوى تحتاج إلى تطوير عدد محدود من السيناريوهات التي تغطي النطاق المحتمل للنتائج، مع التركيز على رصد المؤشرات التي توجه السوق نحو سيناريو معين. ويُعدّ الاستثمار التدريجي، مع الإبقاء على الخيارات مفتوحة، من الاستراتيجيات الفعّالة في هذا السياق، إذ يتيح للشركات اختبار السوق عمليًا ورصد المؤشرات الدالة على ترجيح أحد السيناريوهات، مع إمكانية تعديل الاستراتيجية تدريجيًا استنادًا إلى البيانات الجديدة دون الالتزام المبكر بمسار واحد.
المستوى الرابع، الغموض الحقيقي: يمثل هذا المستوى أعقد حالات اللايقين، حيث تتشابك عدة أبعاد ومحددات تجعل من المستحيل التنبؤ بالمستقبل أو حتى تحديد المتغيرات التي ستؤثر فيه. تظهر هذه الحالة عادةً في فترات الصدمات الكبرى، سواء أكانت تكنولوجية، اقتصادية، أم سياسية، مما يؤدي إلى بيئة غير مستقرة وغير متوقعة بشكل مطلق.
في هذا السياق، لا يمكن رسم سيناريوهات واضحة أو توقع نتائج معقولة، ويحتاج المديرون إلى الاعتماد على التحليل النوعي لتصنيف المعلومات المتاحة واختيار مؤشرات تساعدهم على تتبع تطورات السوق. استراتيجيات النجاح في هذا المستوى تعتمد بشكل كبير على المرونة، الاستعداد للتكيف السريع، والتعلم المستمر من التجارب الجديدة.
هذه المستويات تساعد على توجيه اختيار الأدوات والأساليب المناسبة لإدارة التخطيط الاستراتيجي في بيئات مختلفة من اللايقين، وتشجع على تبني المرونة والتعلم المستمر وتحليل السيناريوهات بدقة لضمان اتخاذ قرارات أكثر وعيًا وفعالية.
رابعًا: نشأة مفهوم العالم المتقلب وغير المؤكد والمعقد والغامض (VUCA) وتطوره وانتشاره عالميًّا
في ظل تصاعد حالة اللايقين بوصفها سمة بنيوية للنظام العالمي المعاصر، ظهرت محاولات تحليلية متعددة لفهم طبيعة البيئة الدولية الجديدة التي لم تعد تحكمها علاقات مستقرة أو مسارات واضحة قابلة للتنبؤ. وقد سعت هذه المقاربات إلى تجاوز النماذج الخطية الكلاسيكية، والبحث عن أطر تفسيرية أكثر شمولًا تعكس التشابك المتزايد بين مصادر الاضطراب وتعدد مستويات التأثير في النظام الدولي.
وفي هذا السياق، برز مفهوم العالم المتقلب وغير المؤكد والمعقد والغامض (VUCA World) بوصفه أحد أبرز الأطر التحليلية التي سعت إلى توصيف التحولات الهيكلية في طبيعة النظام العالمي وتفسير أنماط عدم الاستقرار المتزايدة التي باتت تحكم البيئة الدولية. تمت صياغة هذا المفهوم لأول مرة في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، استجابةً لتغيرات عميقة في السياقين الأمني والاستراتيجي، ثم شهد لاحقًا انتشارًا واسعًا في مجالات الإدارة، وصنع السياسات العامة، والقيادة المؤسسية.
ويركز إطار VUCA على أربعة عناصر رئيسة تُشكّل الركائز الأساسية لفهم طبيعة التحديات التي تواجه الدول والمؤسسات والقيادات في مختلف القطاعات المعاصرة، حيث يُجسّد الخصائص الجوهرية لبيئة العمل والقيادة في العصر الحديث، ويوفر إطارًا تحليليًا منهجيًا للتعامل مع التعقيدات المتزايدة، وفيما يلي نستعرض هذه المكونات بالتفصيل لنكشف عن طبيعة التحديات الراهنة وكيفية التعامل معها بفعالية:
وبذلك، يشكل نموذج VUCA إطارًا تحليليًا متكاملاً يُمكّن القادة والمؤسسات من فهم البيئات المتغيرة، وصياغة استراتيجيات قادرة على الصمود في عالم متقلب، غير مؤكد، معقد، وغامض.
خامسًا: من VUCA إلى BANI – تحوّل أطر تفسير اللايقين في النظام العالمي المعاصر:
على الرغم من أن إطار VUCA شكّل منذ نهاية الحرب الباردة، أحد أكثر الأطر شيوعًا في تحليل بيئات اللايقين في النظام الدولي ومجالات الإدارة والقيادة، فإن التحولات البنيوية العميقة والمتسارعة التي شهدها النظام العالمي خلال العقد الأخير كشفت عن قصور متزايد في قدرته التفسيرية. فقد كان نموذج الـ VUCA ملائمًا لعالم يتسم بالتقلب واللايقين والتعقيد والغموض، لكنه ظل – نسبيًا – عالمًا يمكن التعامل معه وإدارته؛ إذ كانت التقلبات ذات إيقاع يمكن استيعابه، وكان التعقيد قابلًا للتفكيك والتحليل، كما كان الغموض يعني المفاضلة بين بدائل معروفة نسبيًا.
إلا أن الواقع الدولي المعاصر تجاوز هذه الافتراضات والخصائص، ليدخل مرحلة أكثر اضطرابًا وفوضوية، تتسم بانهيار الافتراضات التقليدية المتعلقة بالاستقرار وإمكانية التنبؤ، وتتزايد فيها الصدمات المفاجئة والتداعيات غير المتوقعة العابرة للحدود.
في هذا السياق، برز نموذج BANI بوصفه إطارًا تحليليًا يمثل انتقالًا نوعيًا في فهم اللايقين، إذ يعكس عالمًا تتسم أنظمته بالهشاشة، تحكمه علاقات غير خطية بين الأسباب والنتائج، ويتسم بدرجة من التعقيد والهشاشة تتجاوز القدرة على الفهم أو الاستيعاب الكامل. ويُعبّر نموذج BANI عن أربع سمات رئيسة للنظام العالمي المعاصر:
في هذا الإطار، يمكن النظر إلى نموذج BANI بوصفه أداة تحليلية وقيادية تسهم في فهم طبيعة التحديات التي يفرضها عالم يتسم بالهشاشة، والقلق، واللاخطية، وعدم القابلية للفهم. ولا يهدف هذا النموذج إلى تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إعادة توجيه التفكير الاستراتيجي وأنماط القيادة، بما يعزز بناء منظمات أكثر مرونة وقدرة على الصمود والتكيف في ظل بيئة عالمية سريعة التغير وشديدة الاضطراب.
وفي حين ركّز نموذج VUCA على آليات الفهم والتخطيط في بيئات غير مستقرة، يركز نموذج BANI بدرجة أكبر على تعزيز الصمود المؤسسي والقدرة على الاستجابة الفعّالة للأزمات المركّبة.
ولا يعني بروز نموذج BANI نهاية صلاحية إطار VUCA بشكل كامل، بل يمكن النظر إلى النموذجين بوصفهما عدستين تحليليتين متكاملتين. تعكسان مستويات مختلفة من تعقيد النظام العالمي المعاصر، حيث تتداخل مظاهر التقلب واللايقين مع الهشاشة واللاخطية والقلق الجماعي. وعليه، فإن تحليل الواقع الدولي أو السياسات العامة أو أنماط القيادة الاستراتيجية يتطلب توظيفًا مرنًا لهذه الأطر، بدلًا من اختزال التعقيد المتزايد في نموذج واحد جامد؛ فالعالم اليوم هو عالم VUCA في بنيته العامة، وBANI في ديناميكياته العميقة.
على مدى العقود الأخيرة، تحول اللايقين من ظاهرة عابرة إلى سمة هيكلية للنظام العالمي، تعكس تعقيدات الاقتصاد الدولي وتشابك الأبعاد السياسية والجيوستراتيجية التي تؤثر في مساراته، فقد أدى تتابع الأزمات المالية، والصراعات الجيوسياسية، والتحولات التكنولوجية السريعة، إلى بيئة متقلبة تتسم بانتشار المخاطر وتداخلها عبر الحدود.
ينعكس هذا الواقع بشكل مباشر على صانع القرار على المستوى الاقتصادي والسياسي، إذ بات العمل ضمن سيناريوهات متعددة ومراعاة تقلبات الأسواق جزءًا من الاستراتيجية الأساسية لأي دولة أو شركة. وقد أدت الحاجة إلى قياس اللايقين بشكل منهجي إلى تطوير مؤشرات عالمية متخصصة، مثلمؤشر اللايقين العالمي (World Uncertainty Index – WUI)، الذي يتيح تتبع التقلبات الاقتصادية والسياسية بما يوفر صورة متكاملة حول طبيعة التحديات العالمية ومستوى المخاطر في مختلف القطاعات.
مع تصاعد هذه العوامل، أصبح فهم أبعاد اللايقين والتنبؤ بمساره أمرًا محوريًا للتخطيط الاقتصادي والسياسات العامة، ليس فقط على المدى القصير، بل لضمان المرونة المؤسسية والاقتصادية في مواجهة صدمات محتملة على المستويين الإقليمي والعالمي، وفي هذا السياق، يستعرض هذا القسم تطورات اللايقين العالمي في السنوات الأخيرة، مع تحليل الأزمات الكبرى المؤثرة فيه، والاضطرابات الاقتصادية والسياسية التي استمرت خلال 2025، والتوقعات والتحديات المستمرة في عام 2026.
وفي هذا السياق، برز مفهوم اللايقين بوضوح في خطابات المؤسسات الدولية والمحافل الاقتصادية العالمية، كما تكرر حضوره في تصريحات عدد من القيادات والشخصيات الدولية. وفيما يلي عرض لمجموعة من المقولات التي تعكس ذلك:
أصبح اللايقين سمة مميزة للاقتصاد العالمي، نتيجة التحولات الجيواقتصادية والتوترات الجيوسياسية التي تقلب الافتراضات الاقتصادية الراسخة. وتعكس مفاهيم مثل VUCA وBANI طبيعة العالم المعاصر القائم على التغير السريع وتشابك المخاطر.
تزامن ذلك مع أزمات عالمية متتابعة أعادت تشكيل البيئة الدولية، أبرزها: الأزمة المالية العالمية، تداعيات الكساد الكبير، تصاعد الاستقطاب السياسي، النزاعات التجارية، جائحة كوفيد-19، الأزمة الروسية–الأوكرانية، حرب غزة، والأزمات المناخية والكوارث الطبيعية. وقد انعكست هذه الأزمات مباشرة على الدول من خلال اضطراب سلاسل الإمداد، تباطؤ حركة التجارة، تقلب إمدادات وأسعار النفط والغذاء، وإعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية والتجارية الدولية، مع ضغوط على الاستقرار الاجتماعي. وأصبح اللايقين عاملًا مؤثرًا في صنع القرار على المستوى الاقتصادي والسياسي، حيث يعمل صانعو القرار في بيئة تتسم بتعدد السيناريوهات، صعوبة التنبؤ بالنتائج، وارتفاع مستويات المخاطر، مما يستلزم أنماطًا جديدة وأكثر مرونة في التخطيط وصياغة السياسات.
ونتيجةً لهذه التطورات، تم تطوير مؤشر اللايقين العالمي (World Uncertainty Index – WUI) بوصفه أداة كمية تهدف إلى قياس مستويات اللايقين عبر الدول، والذي طُوِّر لسد فجوة منهجية في قياس اللايقين على نطاق دولي مقارن. يعتمد المؤشر على قاعدة بيانات تغطي 143 دولة بصورة ربع سنوية منذ عام 1952، وقد جرى تطويره بواسطة خبراء من صندوق النقد الدولي وجامعة ستانفورد، ليُعد أول مؤشر واسع النطاق يتيح المقارنة المنهجية لمستويات اللايقين بين الاقتصادات المتقدمة والنامية على حد سواء.
ويستند المؤشر إلى تحليل تقارير الدول الصادرة عن وحدة الاستخبارات الاقتصادية (Economist Intelligence Unit – EIU)، حيث يُقاس اللايقين من خلال احتساب تكرار ورود كلمة «اللايقين» ومشتقاتها داخل هذه التقارير، ثم تُعايَر النتائج بقسمة عدد مرات التكرار على إجمالي عدد كلمات التقرير (عدد مرات الذكر لكل ألف كلمة)، بما يضمن قابلية المقارنة بين الدول وعبر الزمن، بحيث تعكس القيم الأعلى للمؤشر مستويات أعلى من اللايقين.
تم تطوير مجموعة من المؤشرات الفرعية للايقين التي تساهم بشكل رئيس في ارتفاع مؤشر اللايقين العالمي (WUI) في السنوات الأخيرة، وتشمل:
1- مؤشر انتشار اللايقين (Uncertainty Spillover): يقيس هذا المؤشر مدى انتقال تأثيرات اللايقين من الاقتصادات النظامية الكبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية، مجموعة السبع، والصين إلى باقي دول العالم. يعتمد المؤشر على تحليل نصوص تقارير الدول للكلمات المرتبطة باللايقين والأحداث الرئيسة ذات الصلة بكل دولة (مثل الانتخابات الأمريكية والبريكست).
2- مؤشر اللايقين التجاري (World Trade Uncertainty Index – WTUI): يتم بناء هذا المؤشر عبر احتساب عدد المرات التي تذكر فيها كلمة “اللايقين” قرب كلمات مرتبطة بالتجارة مثل الحمائية، التعريفات الجمركية، اتفاقية التجارة (نافتا)، ومنظمة التجارة العالمية (WTO).
3- مؤشر اللايقين المرتبط بالوباء (World Pandemic Uncertainty Index – WPUI): مع انتشار جائحة كوفيد-١٩، أصبح الخوف من العدوى وخسائر الدخل من أهم مصادر اللايقين العالمي. ولقياس هذا الجانب، تم تطوير مؤشر اللايقين العالمي للأوبئة (WPUI) الذي يعتمد على تعداد ذكر “اللايقين” بجانب كلمات مرتبطة بالجوائح في تقارير وحدة الاستخبارات الاقتصادية.
تكشف بيانات مؤشر اللايقين العالمي عن مجموعة من السمات والنتائج التحليلية ذات الدلالة، التي تسهم في فهم طبيعة اللايقين في النظام العالمي، ويمكن تلخيص أبرزها فيما يلي:
التزامن العالمي: تُظهر القفزات الحادة في المؤشر ارتباطًا وثيقًا بالأحداث العالمية الكبرى، مثل هجمات 11 سبتمبر، وحرب الخليج الثانية، والأزمة المالية العالمية وانهيار بنك ليمان براذرز، وأزمة ديون منطقة اليورو، وخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي (البريكست)، وجائحة كوفيد-19، وهو ما يعكس الطابع العابر للحدود للايقين وعدم انحصاره داخل الاقتصادات الوطنية.
الاتجاه التصاعدي منذ عام 2012: سجّل المؤشر مسارًا تصاعديًا واضحًا منذ أزمة ديون منطقة اليورو، وبلغ ذروته التاريخية في الربع الثاني من عام 2020 مع تفشي جائحة كوفيد-19، في ظل انتقال عدوى اللايقين من الاقتصادات الكبرى إلى بقية دول العالم.
العلاقة بالديمقراطية: يكشف المؤشر عن علاقة غير خطية على شكل حرف (U) مقلوب بين مستوى اللايقين ودرجة الديمقراطية، حيث يرتفع اللايقين خلال فترات التحول السياسي مثل الانتخابات الرئاسية الأمريكية وغيرها من فترات الانتقال السياسي للسلطة، ثم ينخفض نسبيًا مع ترسخ المؤسسات الديمقراطية واستقرار قواعد الحكم، ثم يُعاود الارتفاع نتيجة عدد من العوامل والدوافع التي تختلف من دولة لأخرى.
الأثر الاقتصادي: تُظهر التحليلات أن ارتفاع مستويات اللايقين يرتبط بانخفاضات ملموسة في الاستثمار والنمو الاقتصادي، ويكون هذا الأثر أكثر حدة واستدامة في الدول ذات الجودة المؤسسية المنخفضة مقارنة بتلك التي تتمتع بمؤسسات قوية وقدرات تنظيمية أعلى.
ثانيًا: أهم الأزمات العالمية التي عززت مستويات اللايقين في السنوات الأخيرة
1- جائحة كوفيد-19 في عام 2020
أدّت جائحة كوفيد-19 إلى إحداث صدمة غير مسبوقة في الاقتصاد العالمي، وأسهمت بصورة مباشرة في تعميق حالة اللايقين على المستويين الاقتصادي والمالي، في ظل غياب الرؤية الواضحة بشأن مسار الجائحة وتداعياتها الصحية والاقتصادية. وقد ساهمت الإجراءات الاحترازية التي تبنتها الدول، وعلى رأسها فرض الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي، إلى جانب تصاعد المخاوف من العدوى وفقدان الدخل، إلى توسيع نطاق الغموض الاقتصادي وانتقاله سريعًا من الاقتصادات الكبرى إلى مختلف دول العالم.
وفي هذا السياق، أظهر مؤشر اللايقين العالمي للوباء (WPUI) أن مستوى اللايقين المحيط بجائحة كوفيد-١٩ بلغ وفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي في أبريل 2020، مستويات مرتفعة بشكل استثنائي، تفوق بكثير تلك التي سُجلت خلال موجات تفشّي أمراض سابقة. ورغم أن هذه الحالة برزت في مراحلها الأولى داخل الصين، فإنها سرعان ما امتدت إلى عدد واسع من الاقتصادات التي شهدت معدلات إصابة مرتفعة، من بينها فرنسا وألمانيا وإيران وإيطاليا وإسبانيا وسويسرا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، مع بلوغ ذروة اللايقين في الاقتصادات المتقدمة والناشئة، مقابل مستويات أقل نسبيًا في الاقتصادات منخفضة الدخل، وإن كانت في اتجاه تصاعدي.
تُظهر التجربة أن الاقتصادات الناشئة كانت من الأكثر تضررًا من جائحة كوفيد-١٩، إذ كشفت الأزمة عن مواطن هشاشة هيكلية كانت قائمة بالفعل، وأسهمت في تعميقها وتفاقم آثارها. ووفقًا لتقرير التنمية العالمية للبنك الدولي (2022)، لن تتمكن أكثر من نصف الأسر في الاقتصادات الناشئة والمتقدمة من الحفاظ على استهلاكها الأساسي لأكثر من ثلاثة أشهر في حال فقدان الدخل، كما لم تستطع الشركات المتوسطة تغطية نفقاتها لأكثر من 55 يومًا من احتياطاتها النقدية. وقد أسهمت مستويات الديون المرتفعة قبل الأزمة، إلى جانب التراجع الحاد في الدخل والإيرادات، في تعقيد الأوضاع المالية وتعزيز حالة اللايقين وإطالة أمد التعافي الاقتصادي، خاصة في الاقتصادات الأضعف قدرة على امتصاص الصدمات.
أفضت الأزمة الروسية–الأوكرانية عام 2022 إلى إعادة تشكيل عميقة لمصادر اللايقين الاقتصادي العالمي، من خلال تعطيلها المتزامن لعدد من سلاسل التوريد الحيوية التي يقوم عليها الاستقرار الاقتصادي الدولي. فقد كشفت الأزمة عن هشاشة بنيوية في النظام الاقتصادي العالمي، نتجت عن التركّز الجغرافي للإنتاج والتجارة في قطاعات استراتيجية، وعلى رأسها الغذاء والطاقة والمواد الخام، وهو ما جعل الصدمة الجيوسياسية تتحول سريعًا إلى أزمة اقتصادية عالمية ممتدة.
أسهمت تداعيات الأزمة في مجال الأمن الغذائي، وزعزعة استقرار الأسواق الزراعية، وإغلاق المواني وتعقيد مسارات التصدير، إلى نقص فعلي في الإمدادات العالمية -نظرًا للمكانة الاستراتيجية لكل من روسيا وأوكرانيا في تصدير عدد من السلع الأساسية- في زيادة حالة اللايقين، خاصة في الدول المستوردة الصافية للغذاء، ولا سيما في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء، حيث تزامنت الصدمة الخارجية مع هشاشة اقتصادية وهيكلية قائمة، الأمر الذي فاقم مخاطر التضخم الغذائي والاضطرابات الاجتماعية. أما أسواق الطاقة، فقد شكّلت أحد أبرز قنوات انتقال اللايقين الاقتصادي، نظرًا للمكانة المركزية لروسيا كمصدّر رئيس للنفط والغاز. وقد أدى فرض العقوبات الغربية وإعادة تشكيل خريطة إمدادات الطاقة إلى تقلبات حادة في الأسعار، وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل عالميًّا، بما انعكس على معدلات التضخم والنمو الاقتصادي.
هذا، وامتد أثر الأزمة كذلك إلى سلاسل توريد المواد اللازمة للصناعات المتقدمة، مثل أشباه الموصلات، والأسمدة، والمعادن النادرة. فقد أدى تعطل إمدادات الغازات الصناعية والمعادن الاستراتيجية إلى اختناقات إنتاجية متتالية، خاصة في قطاعات السيارات والتكنولوجيا والصناعات الكيماوية. وأسهم ذلك في زيادة حالة اللايقين لدى الشركات متعددة الجنسيات، التي وجدت نفسها أمام صعوبات في التخطيط طويل الأجل، وارتفاع في تكاليف المدخلات، وضغوط على هوامش الربح.
وعلى صعيد الأسواق المالية، عكست استجابات المستثمرين حالة القلق العالمي، إذ شهدت الأسواق تحولات في تدفقات رؤوس الأموال نحو الأصول الآمنة، وارتفاعًا في أسعار الذهب والطاقة، مقابل تباين أداء أسواق الأسهم بحسب درجة الانكشاف الجغرافي وسلاسل التوريد. وقد عزز ذلك من تقلبات الأسواق، ورسّخ مناخًا استثماريًا يتسم بالحذر وتفضيل السيولة، وهو ما انعكس سلبًا على قرارات الاستثمار طويلة الأجل.
وعلى المستوى الهيكلي، أسهمت الأزمة في تسريع إعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي، عبر تعميق الاتجاه نحو إعادة توطين سلاسل التوريد، وتنويع الشركاء التجاريين، كما عززت من المخاوف المرتبطة بتباطؤ النمو العالمي وارتفاع التضخم، واتساع الفجوة بين الدول المتقدمة والنامية في القدرة على امتصاص الصدمات الاقتصادية والتكيف معها. وبالتالي، لم تقتصر آثار الأزمة الروسية–الأوكرانية على كونها صدمة إقليمية، بل تحولت إلى عامل مركزي في تعميق اللايقين الاقتصادي العالمي، من خلال تداخل أزمات الغذاء والطاقة والتمويل والتجارة. ودفعت الأزمة باتجاه مرحلة جديدة تتسم بارتفاع المخاطر وتزايد اللايقين.
أدت حرب غزة التي اندلعت في السابع من أكتوبر 2023، إلى صدمة جيوسياسية وإنسانية واقتصادية واسعة النطاق، عمّقت حالة اللايقين العالمي، وعكست هشاشة نظم الاقتصاد الدولي أمام الأزمات. إذ أفضت الحرب إلى خسائر واسعة النطاق للأرواح والممتلكات والبضائع، وخلقت اضطرابات كبيرة في التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، مع زيادة واضحة في تقلبات الأسواق المالية وارتفاع أسعار الطاقة، وتراجع عائدات السياحة والسفر، وزيادة مخاطر الركود والتضخم، وتأجيل القرارات الاستثمارية والتجارية. كما امتدت آثار صدمات التضخم والناتج المحلي الإجمالي إلى دول أخرى، مما يوضح الطبيعة العابرة للحدود لتداعيات هذه الحرب.
إضافةً إلى ذلك، أسفرت الحرب عن كارثة إنسانية في قطاع غزة، شملت نقصًا حادًا في المياه والكهرباء والوقود والغذاء والإمدادات الطبية، وصعوبة دخول المساعدات الإنسانية، وتدمير الأحياء السكنية والمدارس والمساجد والمرافق الصحية والبنية التحتية المدنية، مما زاد من تعقيد الأزمة الإنسانية والاقتصادية في المنطقة.
علاوة على ذلك، أصبح البحر الأحمر بؤرة توتر جيوسياسي متصاعد نتيجة استهداف الحوثيين للسفن التجارية، وتهدد هذه الاضطرابات أحد أهم الشرايين البحرية العالمية، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من حركة الحاويات الدولية، وتُقدَّر قيمة التجارة السنوية التي يعتمد عليها بأكثر من تريليون دولار. وقد انعكس ذلك في الاضطرابات الملحوظة التي شهدتها قناة السويس والبحر الأحمر، اللذان يُعدّان معًا مسارًا حيويًا لنحو 30% من حركة الحاويات العالمية، بما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على سلاسل الإمداد والتجارة الدولية. وبالتالي شهدت سوق الشحن البحري العالمي مرحلة غير مسبوقة من اللايقين الهيكلي، نتيجة تداخل الضغوط الجيوسياسية مع اختلالات العرض والطلب في النقل البحري.
وفي هذا السياق، حوّلت كبرى خطوط شحن الحاويات، بما في ذلك Maersk، Hapag-Lloyd ، MSC ، و CMA CGM ، مسارات سفنها بعيدًا عن قناة السويس نحو رأس الرجاء الصالح. وأدى ذلك إلى زيادة طول الرحلات بنحو 7000–11000 ميل بحري، وإطالة زمن العبور بمقدار 10–15 يومًا، وقد يصل إلى 25 يومًا على بعض خطوط آسيا–أوروبا. كما ارتفعت تكاليف الوقود والتشغيل بنحو 300 ألف دولار لرحلة الذهاب فقط، وما يقارب مليون دولار للرحلة ذهابًا وإيابًا للسفن الكبيرة، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار الشحن.
وتجسد هذا الاضطراب في تراجع حركة الملاحة عبر قناة السويس، حيث انخفض عدد سفن الحاويات العابرة في مايو 2025 إلى أقل من 100 سفينة، وهو أدنى مستوى منذ يوليو 2024. وفي المقابل، سجلت قناة بنما نشاطًا قياسيًّا خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2025، مع عبور أكثر من 1200 سفينة، بزيادة 10.2% مقارنة بعام 2024، ما يشير إلى إعادة تشكيل لمسارات التجارة البحرية العالمية.
وتسهم هذه التطورات في تعميق اللايقين الاقتصادي العالمي، من خلال ارتفاع تكاليف الشحن، وتقلب أسعار السلع، وتعقيد التخطيط الإنتاجي، وزيادة مخاطر نفاد المخزون، لا سيما في الأسواق المعتمدة على الواردات، مثل؛ الشرق الأوسط والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية. كما تدفع الشركات إلى إعادة تقييم استراتيجياتها اللوجستية والاحتفاظ بمخزونات أكبر أو البحث عن بدائل جديدة للموردين، بما يرفع التكاليف، ويحد من الكفاءة.
ثالثًا: استمرار التقلبات واللايقين على الصعيد العالمي في عام 2025
في منتصف عام 2025، بلغ مؤشر اللايقين أعلى مستوى له في هذا القرن، متجاوزًا المستويات التي سُجلت خلال الأزمة المالية لعام 2008 وجائحة كوفيد-19.
تعكس بيانات مؤشر اللايقين خلال عام 2025 بلوغه مستويات مرتفعة وغير مسبوقة على مدار العام، مع اتجاه تصاعدي واضح. إذ سجل المؤشر نحو 48.146 ألف كلمة في الربع الأول، ثم ارتفع إلى 80.038 ألف كلمة في الربع الثاني، قبل أن يشهد زيادة حادة خلال الربع الثالث ليصل إلى 106.862 آلاف كلمة، ثم تراجع نسبيًا في الربع الرابع مسجلًا 94.947 ألف كلمة. ويعكس هذا المسار تصاعدًا ملحوظًا في حدة الغموض وعدم الاستقرار، بما يؤكد أن عام 2025 اتسم ببيئة شديدة التقلب ومستويات مرتفعة ومستمرة من اللايقين.
ويتسق هذا المسار التصاعدي مع نتائج استطلاعات المنتدى الاقتصادي العالمي لكبار الاقتصاديين، والتي أُجريت ضمن تقرير توقعات كبار الاقتصاديين. ففي مايو 2025، أفاد 82% من المشاركين بأن مستوى اللايقين الحالي مرتفع للغاية، مؤكدين أن اللايقين بات السمة الغالبة على المشهد الاقتصادي العالمي. وأشار الخبراء إلى أن موجة من الصدمات في السياسات التجارية منذ مطلع عام 2025 أسهمت في تراجع التوقعات الاقتصادية وتهديد استقرار عملية صنع القرار الاقتصادي والتجاري، مع التحذير من انعكاس ذلك سلبًا على حجم التجارة العالمية، ومعدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي، وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر.
وعلى الرغم من أن أغلبية نسبية (56%) من الخبراء تتوقع تحسن الأوضاع خلال عام 2026 فإن 21% يرجّحون استمرار تصاعد مستويات اللايقين، بما يعكس استمرار هشاشة البيئة الاقتصادية العالمية.
وجاءت النسخة اللاحقة من توقعات كبار الاقتصاديين الصادرة عن منتدى الاقتصاد العالمي في سبتمبر 2025 مصحوبة بملاحظة مفادها أن الاقتصاد العالمي قد دخل “حقبة جديدة من اللايقين المتزايد”.
في هذا السياق، يشير تقرير شركة كي بي إم جي إنترناشونال (KPMG International) الصادر في يونيو 2025 إلى أن حالة اللايقين الجيوسياسي والاقتصادي أصبحت عاملًا محوريًا يحدد مسار الاقتصاد العالمي في المرحلة الراهنة. ويعود ذلك إلى تصاعد المخاطر المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية وتقلبات الأسواق العالمية، وهو ما يدفع الشركات والحكومات إلى تبني سياسات أكثر تحفظًا.
ويصف التقرير حالة اللايقين بأنها تعمل بمثابة ضريبة اقتصادية تعرقل النمو، وتحدّ من ثقة المستثمرين بالأسواق الوطنية. وقد أظهر استطلاع أجرته الشركة في يونيو 2025 أن 34% من الرؤساء التنفيذيين حول العالم يعتبرون تقلبات الاقتصاد الكلي التهديد الأكبر لمؤسساتهم، بينما يرى 30% منهم أن عدم الاستقرار الجيوسياسي هو مصدر القلق الرئيس. وتعكس هذه النتائج مدى التأثير المباشر للايقين على الاقتصادات الوطنية، سواء من خلال تراجع الاستثمارات، أو اضطراب الأسواق، أو الغموض المحيط بالسياسات التجارية والمالية.
وعلى الصعيد الدولي، يمر العالم بمرحلة تحول هيكلي عميق من نظام دولي أحادي القطب إلى نظام أكثر تعددية قطبية، مع بروز قوى اقتصادية جديدة، مثل؛ الهند والبرازيل وتركيا وعدد من اقتصادات جنوب شرق آسيا. ويصف فريق الجغرافيا السياسية في الشركة الوضع الراهن بأنه “ركود حاد”، إذ تتزايد الصراعات الإقليمية والمنافسات الدولية حول النفوذ والممرات التجارية الاستراتيجية مثل قناة السويس وبحر الصين الجنوبي وقناة بنما. وقد أدى هذا الوضع إلى تفكك جزئي في منظومة العولمة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، مما زاد من هشاشة التجارة الدولية. كما أن تصاعد النزاعات واستمرار الغموض بشأن التعريفات الجمركية والسياسات التجارية العالمية يعمّق من حالة اللايقين، ويعيد تشكيل توازنات النظام الدولي. ويؤكد التقرير أن هذه البيئة الدولية المتقلبة تفرض على الدول والشركات إعادة تقييم استراتيجياتها للتعامل مع عالم أكثر اضطرابًا وأقل قابلية للتنبؤ.
شكل اللايقين المحرك الرئيس لمعظم القطاعات الاقتصادية خلال عام 2025، حيث أدت الصدمات المتكررة في السياسات التجارية إلى زعزعة بيئة الأعمال، وتقويض القدرة على اتخاذ قرارات اقتصادية مستقرة، مع تراجع ديناميكية الأسواق واهتزاز ثقة المستثمرين. وساهم غياب وضوح السياسات التجارية والنقدية في زيادة التقلبات الاقتصادية، ما أثر مباشرة في مؤشرات الاقتصاد الكلي وحركة التجارة والاستثمار الأجنبي.
واتصالًا،أشار تقرير توقعات كبار الاقتصاديين الصادر عن منتدى الاقتصاد العالمي في سبتمبر 2025 إلى أن الاضطرابات العالمية باتت واسعة النطاق، مع توقعات قوية باستمرارها، وهو ما يعمق حالة اللايقين وما يرافق ذلك من آثار متسلسلة تمتد إلى معظم القطاعات التي تمثل أعمدة للاقتصاد العالمي.
1- التجارة وسلاسل القيمة العالمية
شهدت التجارة العالمية أكبر اضطراب لها منذ عقود، إذ قيّم 70% من كبار الاقتصاديين وفقًا لتقرير توقعات كبار الاقتصاديين الصادر عن منتدى الاقتصاد العالمي في سبتمبر 2025 مستوى الاضطراب بأنه «مرتفع جدًا»، وهو الأعلى مقارنة ببقية قطاعات الاقتصاد العالمي. وقد أسهمت السياسات التجارية التي اتخذتها الولايات المتحدة الأمريكية، بما في ذلك فرض رسوم جمركية واسعة النطاق، في رفع متوسط التعريفة إلى مستويات لم تُسجَّل منذ ثلاثينيات القرن الماضي، ما أدى إلى زيادة الاختلالات داخل سلاسل القيمة العالمية.
ورغم أن حالة اللايقين في سياسات التجارة تراجعت قليلاً عن ذروتها المسجلة في أبريل، فإنها لا تزال تفوق بأكثر من الضعف مقارنة بمستوياتها خلال فترة جائحة كوفيد-19، ما يشير إلى مرحلة ممتدة من التقلب وعدم الاستقرار. وفي هذا السياق، تتكيف التجارة العالمية بوتيرة بطيئة وغير متكافئة؛ إذ تشير توقعات منظمة التجارة العالمية الصادرة في أغسطس 2025، إلي نمو في تجارة السلع لا يتجاوز 0.9% في عام 2025، مقارنة بتوقعات سابقة بلغت 2.7%.
ووفقًا لتحليلات صندوق النقد الدولي (IMF) في أكتوبر 2025، فقد أسهمت السياسات التجارية خلال عام 2025 في تعميق حالة اللايقين التي تهيمن على الاقتصاد العالمي، ففي أبريل، زعزعت الولايات المتحدة الأمريكية قواعد التجارة العالمية بإعلانها فرض تعريفات جمركية شاملة، ما مثّل صدمة مباشرة للنظام التجاري الدولي، وأثار مخاوف واسعة بشأن تداعياتها على النمو والاستقرار الاقتصادي.
هذا، ويؤكد صندوق النقد الدولي أن السياسات التجارية ليست العامل الوحيد المؤثر، بل تتفاعل مع قوى اقتصادية أخرى تسهم في تعقيد المشهد وزيادة حالة اللايقين. ففي الولايات المتحدة الأمريكية، أدت السياسات الأكثر صرامة تجاه الهجرة إلى تقليص المعروض من العمالة الأجنبية، ما شكّل صدمة عرض سلبية إضافية إلى جانب تلك الناجمة عن الرسوم الجمركية. ورغم أن هذا الأثر جرى تعويضه جزئيًا بانخفاض الطلب على العمالة واستقرار معدل البطالة، فإن الأوضاع المالية المرنة، وانخفاض الدولار خلال عام 2025، والطفرة في الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، جميعها عوامل دعمت الطلب الكلي، لكنها في الوقت ذاته ساهمت في تفاقم الضغوط التضخمية الناتجة عن صدمات العرض.
أما في الاقتصادات الأخرى المتأثرة بالرسوم الجمركية، فقد خففت بعض العوامل من حدة الصدمة؛ إذ تمكنت الصين من احتواء آثار التعريفات من خلال انخفاض سعر صرفها الحقيقي، وإعادة توجيه صادراتها نحو أسواق آسيا وأوروبا، إلى جانب الدعم المالي. كما أسهم التوسع المالي في ألمانيا في دعم نمو منطقة اليورو، بينما استفادت الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية من تيسير الأوضاع المالية العالمية، مدعومة جزئيًا بتراجع قيمة الدولار الأمريكي، وهو ما يعكس قدرًا من المرونة الناتجة عن تحسن أطر السياسات الاقتصادية.
2- التكنولوجيا والبيانات والابتكار
يتسارع التغير التكنولوجي بوتيرة لافتة، إذ يرى 69% من كبار الاقتصاديين أن مستوى الاضطراب في هذا المجال مرتفع أو مرتفع جدًا. ويواصل الذكاء الاصطناعي التوليدي لعب دور محوري، حيث يتوقع أكثر من ثلثي المشاركين في استطلاع منتدى الاقتصاد العالمي سبتمبر – 2025 أن يُحدث اضطرابًا تجاريًّا خلال عام 2026، ما يضيف طبقة جديدة من اللايقين الاقتصادي في الأسواق العالمية.
وقد أعاد الذكاء الاصطناعي تشكيل أساليب البحث والتطوير، وزاد المنافسة على المواهب، مع إطلاق موجة استثمارية كبيرة: حيث ظهرت أكثر من 100 شركة يونيكورن -هي شركات ناشئة خاصة، تركز على القطاعات التكنولوجية- خلال العامين الماضيين، ليصل الإجمالي العالمي إلى نحو 500 شركة. ويُعتبر بروز الذكاء الاصطناعي كـمنهج عام للابتكار تحولًا هيكليًّا يعمق التعقيد في النظام الاقتصادي.
ويتوقع 75% من المشاركين أن يكون الاضطراب طويل الأمد، فيما يرى أكثر من 90% أنه سيؤدي إلى آثار متسلسلة في مجالات أخرى، تشمل ارتفاع الطلب على الطاقة من مراكز البيانات، وتسارع التقدم في الطاقة المتجددة، وتصاعد التوترات الجيوسياسية حول السلع التكنولوجية المتقدمة مثل أشباه الموصلات، ما يضيف مزيدًا من التحديات واللايقين في التخطيط الاقتصادي والاستثماري العالمي.
3- الموارد الطبيعية والطاقة والبيئة
يرى 61% من كبار الاقتصاديين أن مستوى الاضطراب في الموارد الطبيعية والطاقة والبيئة مرتفع أو مرتفع جدًا، وسط مخاوف حادة من اختناقات الإمداد، لا سيما فيما يتعلق بالمعادن الأرضية النادرة والمعادن الحيوية الأخرى الضرورية للتحول إلى الطاقة النظيفة، حيث يتركز الإنتاج بشكل كبير. ورغم انخفاض أسعار النفط نسبيًّا بعد التوترات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وإيران في يونيو 2025، فإن فرض عقوبات إضافية على روسيا وإيران قد يخلّ بتوازن العرض والطلب مستقبلاً، ما يزيد من اللايقين في أسواق الطاقة العالمية.
كما أبرزت الظواهر المناخية المتطرفة التكاليف الاقتصادية الكبيرة لتغير المناخ. وتشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن الطقس المتطرف تسبب بخسائر سنوية في الناتج المحلي الإجمالي تجاوزت 0.3% خلال الفترة 2006–2018، مع توقع ارتفاع هذه النسبة في المستقبل.
ويتوقع 78% من كبار الاقتصاديين أن يستمر الاضطراب في هذا القطاع على المدى الطويل، مع توقع آثار نظامية واسعة، محذرين من أن المخاطر البيئية لا تزال مُستهانًا بها إلى حد كبير، ما يجعل هذا القطاع أحد المصادر البارزة للايقين الاقتصادي العالمي وتحديات التخطيط المستقبلي.
4- الأسواق المالية والسياسة المالية واستثمار رأس المال
وفقًا لاستطلاع منتدى الاقتصاد العالمي سبتمبر 2025 يرى كبار الاقتصاديين أن الاضطراب في الأسواق المالية والسياسة النقدية مؤقت في الغالب، إذ قيّم 45% من كبار الاقتصاديين مستوى الاضطراب بأنه مرتفع أو مرتفع جدًا، بينما توقّع 21% آثارًا طويلة الأمد فقط. فقد شهدت الأسواق تراجعًا مبكرًا هذا العام؛ نتيجة اضطرابات الرسوم الجمركية، لكنها تعافت بسرعة، فيما تعمل السياسة النقدية في بيئة أكثر تعقيدًا دون تغيير جذري في مسارها. ومع ذلك، يشير 85% من المشاركين إلى أن أي صدمة مالية قد يكون لها آثار نظامية واسعة، مع التحذير من مخاطر غير مقدَّرة، بما فيها التقاطع بين الابتكار والتمويل، وتشريعات العملات المشفرة، والمضاربات المحتملة على الأصول المدفوعة بالذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة.
في السياسة المالية، قيّم 45% من كبار الاقتصاديين الاضطراب بأنه مرتفع أو مرتفع جدًا، مع تراكم الدين العام العالمي الذي تجاوز 100 تريليون دولار في 2024، وتوقع زيادة في أكثر من ثلث الدول الممثلة 75% من الناتج العالمي الإجمالي خلال 2025. وتشهد الاقتصادات المتقدمة تخفيفًا للسياسات المالية، مثل؛ برنامج الإنفاق الأمريكي بعجز متوقع يتجاوز 7% من الناتج المحلي الإجمالي، وتعديل ألمانيا لدستورها للسماح بتوسع مالي كبير. ويتوقع 57% استمرار الاضطراب على المدى الطويل، مع تحذير ثلثي المشاركين من أن اختلالات الديون ستؤدي إلى آثار متسلسلة في الاقتصاد العالمي، خصوصًا مع توقع 80% زيادة مواطن ضعف الديون في الاقتصادات المتقدمة خلال عام 2026.
أما اضطرابات تدفقات الاستثمار، فهي ملحوظة لكنها ليست من أكثر الاتجاهات إثارة للقلق؛ فقد قيّم 42% الاضطراب بأنه متوسط، و30% بأنه مرتفع أو مرتفع جدًا. ومع تصاعد الرسوم الجمركية ومتطلبات الاستثمار الجديدة، لجأت الشركات إلى إعادة توطين الإنتاج، ما انعكس على انخفاض تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 52.8 مليار دولار في الربع الأول من عام 2025، مقابل ارتفاع إعلانات المشاريع الجديدة إلى 183 مليار دولار. ويتوقع ثلاثة أرباع المشاركين استقرار هذه الاتجاهات على المدى القصير إلى المتوسط، مع آثار نظامية محدودة حاليًّا (27% يتوقعون تأثيرات متسلسلة أوسع).
5- أسواق العمل ورأس المال البشري
تظل أسواق العمل ورأس المال البشري مستقرة نسبيًّا، حيث قيّم 45% من كبار الاقتصاديين مستوى الاضطراب بأنه متوسط، و24% مرتفع و 6% مرتفع جدًا، إلا أن الآثار الكاملة للذكاء الاصطناعي لم تتجسد بعد، مع توقع 54% اضطرابًا طويل الأمد، ذلك وفقًا لاستطلاع منتدى الاقتصاد العالمي سبتمبر 2025، ما يشير إلى تحول عميق في أساليب العمل وليس مجرد تقلب مؤقت. كما تستمر التحولات الديموغرافية والتكنولوجية في إعادة تشكيل مستقبل العمل، مع توقع 57% لحدوث آثار متسلسلة إذا اشتد الاضطراب.
أدت التغيرات التكنولوجية، خاصة الذكاء الاصطناعي، إلى أتمتة بعض المهام وإعادة توجيه مسارات وظيفية، ما خلق نمط عمل أكثر مرونة، لكنه أقل استقرارًا، ويتسم بضعف قابلية التخطيط طويل الأمد. استجابت المؤسسات بإدارة صارمة أو تعزيز الأمان النفسي للموظفين، إذ يقلل شعورهم بالقيمة والانتماء من أثر اللايقين، ويعزز الابتكار والمشاركة، بينما تساعد المهارات الإنسانية مثل: (حل المشكلات والتفكير النقدي والتواصل) على التكيف وإدارة حالة اللايقين بفعالية.
كما أثر اللايقين في أنماط التوظيف، فنتيجة انخفاض الطلب على العمالة، دفع ذلك الشركات لتفضيل التعاقدات المؤقتة أو المرنة. كما يعزز التحول الرقمي والتغيرات الديموغرافية الإنتاجية في بعض الوظائف، بينما يهدد الوظائف الروتينية والإدارية، ما يزيد غموض سوق العمل، ويجعل التخطيط المؤسسي أكثر حذرًا.
6- قرارات وسياسات الشركات
يشكّل عدم القدرة على التنبؤ بالمستقبل تحديًا جوهريًا للتخطيط الاستراتيجي التقليدي، حيث يؤدي اعتماد الخطط الثابتة على افتراضات مستقرة إلى فشلها عند حدوث تغييرات غير متوقعة. لذلك، تبنت شركات مثل Shell منهج التخطيط بالسيناريوهات، الذي يقوم على وضع بدائل “ماذا لو” واستراتيجيات متعددة لمواجهة سيناريوهات متفائلة وأخرى متشائمة، مع متابعة مؤشرات تساعد على تحديد السيناريو الأكثر احتمالًا مع مرور الوقت. ويبرز هذا النهج أهمية المرونة وتعدد الخيارات الاستراتيجية مقارنة بالتخطيط التقليدي ذي الرؤية الواحدة للمستقبل.
ويظهر تأثير اللايقين على الشركات بوضوح في صعوبة اتخاذ القرارات الاستراتيجية، إذ يصبح تحديد اتجاهات الاستثمار أو التوسع أصعب، ويزداد الاعتماد على التكيّف السريع بدل الالتزام بخطط ثابتة. كما تواجه الشركات في بيئات غير مستقرة مخاطر أكبر في التمويل وسلاسل التوريد والتوسع، ما يجعل اللايقين الاقتصادي عامل ضغط رئيسًا يدفع الشركات إلى اعتماد سياسات أكثر حذرًا وأساليب مرنة وإجراءات سريعة لتقليل المخاطر المرتبطة بالقرارات طويلة المدى.