صحيفة صوت الشمال | شيء للوطن | صلاح غريبة يكتب : المسرح السوداني.. بعثٌ من رماد الحرب وترميمٌ للذات الوطنية

57

شيء للوطن
م. صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com

المسرح السوداني.. بعثٌ من رماد الحرب وترميمٌ للذات الوطنية

حين تصمت المدافع أو يعلو ضجيجها، تبرز حاجة الشعوب إلى مرآة تعيد لها توازنها النفسي والاجتماعي، وليس هناك أصدق من خشبة المسرح لتقوم بهذا الدور الوجودي. ما شهدته الولاية الشمالية مؤخراً في احتفالية يوم المسرح العالمي، لم يكن مجرد طقس بروتوكولي أو استعراض فني عابر، بل كان “إعلاناً للحياة” في توقيت عصيب، واستعادة واعية لمفهوم الفن كقوة ناعمة قادرة على رتق ما مزقته الصراعات.

لقد تحول فضاء نادي “شيخ شريف” جنوب مدينة دنقلا من مجرد نادٍ رياضي واجتماعي إلى ساحة للمقاومة الثقافية. إن الاحتفاء بالمسرح تحت شعار “تواصل وتكوين” في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان، يحمل دلالة عميقة؛ فهي رسالة بأن الهوية السودانية عصية على الانكسار، وأن الوجدان الجمعي لا يزال ينبض بقيم الجمال والمحبة. الحشد الرسمي والشعبي الذي ضاقت به جنبات المكان يبرهن على أن المواطن السوداني، رغم انشغاله بتأمين معاشه وأمنه، يظل متعطشاً لـ “الكلمة” التي تلم الشمل وتواسي الجراح.

لعل أبهى ما في هذه التظاهرة هو الانتباه الذكي لدمج فئات المجتمع كافة، وتحديداً المبدعين من “ذوي الصمم“. إن تقديم عروض مسرحية تعبيرية صامتة في ليلة “أبو الفنون” يوجه صفعة قوية لكل أشكال الإقصاء؛ فالفن الحقيقي لا يحتاج إلى لسان ناطق بقدر ما يحتاج إلى روح مبدعة.

توجيه المؤسسات الإعلامية بفتح أبواب الإذاعة والتلفزيون لهذه الفئة ليس مجرد منحة، بل هو اعتراف باستحقاق أصيل، وتأكيد على أن المسرح السوداني يمتلك لغة عالمية تتجاوز الحواجز الحسية لتصل إلى عمق القضايا الإنسانية والوطنية.

لم يغب النقد الاجتماعي عن المشهد، حيث استطاعت الفرق الكوميدية المشاركة أن تمارس دور “المبضع” الذي يشخص أدواء المجتمع في قالب ساخر. هذا النوع من الفن هو الذي يجعل المسرح قريباً من الشارع، فهو لا يقدم وعظاً جافاً، بل يضع المرء أمام تناقضاته بابتسامة مريرة، مما يساهم في رفع الوعي الجمعي ويخفف من حدة التوترات الاجتماعية.

إن نجاح هذه الاحتفالية يضعنا أمام مسؤوليات جسيمة تتجاوز حدود الليلة الواحدة. بضرورة مأسسة الابداع بتحويل هذه المبادرات إلى برامج مستدامة، خاصة في رعاية الدراميين “الوافدين” الذين نزحوا بسبب الحرب، لضمان استمرارية عطائهم وتوطين خبراتهم في الولايات الآمنة، وتفعيل الدور الذي أبدته الهيئة الدولية للمسرح (ITI) التابعة لليونسكو، ليكون المسرح السوداني تحت مظلة عالمية توفر له التدريب والنشر، وتنقله من المحلية إلى آفاق أرحب.

يجب أن تتبنى الدولة والمجتمع المدني المسرح كأداة رئيسية للسلام في “رتق النسيج الاجتماعي“. المسرح هو المكان الوحيد الذي يجلس فيه الخصوم ليشاهدوا مصيرهم المشترك، وهو البداية الحقيقية لأي حوار وطني جاد.

ختاماً، إن ليلة المسرح في الشمالية لم تكن عرسًا للولاية فحسب، بل كانت برقية تهنئة لكل سوداني يؤمن بأن “الفن” هو الحصن الأخير ضد الانهيار. لقد أثبت المبدعون أنهم حراس الذاكرة وحملة مشاعل الضوء، وأن خشبة المسرح ستظل دائماً الأرض التي تنبت عليها بذور السلام المستدام.

مصدر المقال

صوت الشمالية 496

Leave A Reply

Your email address will not be published.