صحيفة النيل الدولية | شيء للوطن | صلاح غريبة يكتب …… السودان: من محو الهوية إلى معركة الوعي والعدالة
شيء للوطن
م.صلاح غريبة
Ghariba2013@gmail.com
السودان: من محو الهوية إلى معركة الوعي والعدالة
لم تكن المشاهد القادمة من شوارع الخرطوم بعد تحريرها مجرد توثيق لآثار حرب عبثية، بل كانت “بيانًا بالعمل” لمخطط استهدف استئصال شأفة الدولة السودانية من جذورها. إن المتأمل في حجم الدمار الذي طال الحجر والبشر يدرك بيقين لا يداخله شك أننا لم نكن أمام محاولة لتغيير موازين القوى السياسية، بل كنا أمام مشروع تدميري متكامل صُمم بعناية لضمان عدم نهوض السودان لعقود قادمة.
شواهد الدمار: حين تنطق الجدران بالجريمة
ما جرى في الخرطوم هو محاولة لـ “تصفير” الحياة السودانية. الشواهد الدامغة تتحدث عن نفسها في كل زاوية:
اغتيال الذاكرة والوعي: تدمير الجامعات والمدارس لم يكن صدفة، بل سعي لزرع الجهل وتجهيل الأجيال القادمة.
شلل العصب الاقتصادي: حرق الوزارات، نهب البنوك، وتفكيك المصانع والشركات كان يهدف لتحويل السودان إلى “دولة فاشلة” اقتصاديًا، غير قادرة على إطعام مواطنيها.
العدوان على الوجدان والدين: لم تسلم المساجد العتيقة ولا الكنائس من النهب والعبث، في انحطاط قيمي يضرب عرض الحائط بكل الحرمات.
استباحة “الحرم الآمن”: وصلت الجرائم إلى حد نزع أسقف المنازل واقتلاع الأسلاك الكهربائية من الجدران، مما يكشف عن حقد دفين يتجاوز السرقة إلى الرغبة في جعل العودة للحياة الطبيعية مستحيلة.
إن هذه الفظائع، مضافًا إليها جرائم القتل الممنهج والاغتصاب التي تشيب لها الرؤوس، ترسم لوحة قاتمة لمليون “ناهب ومفسد” شاركوا في هذه الجريمة التاريخية، ولا يزال بعضهم يمارس حياته بيننا، وبعض المنهوبات تُباع جهارًا في الأسواق.
المعركة الحقيقية تبدأ الآن
إذا كان تحرير الأرض قد شارف على الانتهاء، فإن المعركة الأشد ضراوة قد بدأت لتوها. إن الحرب لا تنتهي بطلقة الرصاص الأخيرة، بل تبدأ يوم أن نضع اللبنة الأولى في جدار العدالة الناجزة. إن الدولة السودانية اليوم أمام واجب لا يحتمل التأجيل، يرتكز على مسارات حاسمة:
عدالة بلا تمييز: فتح محاكم متخصصة لمحاسبة كل من تلطخت يداه بالدم أو النهب، دون اعتبار قبلية أو جهوية؛ فالخيانة والفساد لا لون لهما.
تجفيف منابع الجريمة: الإيقاف الفوري لبيع المنهوبات في الأسواق ومصادرتها لصالح الدولة لإعادة بناء البنية التحتية، فمن غير المقبول أن يتربح المجرم من جريمته أمام أعين الضحايا.
السيادة والضبط: ضرورة تقنين الوجود الأجنبي، خاصة من الجنسيات التي ثبت تورطها في القتال، وتشديد العقوبات الرادعة لضبط الانفلات الأمني.
إعادة هندسة الوعي: لعل أهم الخطوات هي بناء “الإنسان” عبر مادة تعليمية وطنية تُعزز السلم المجتمعي، وتصنع جيلاً يدرك قيمة الوطن، لضمان عدم تكرار هذه المأساة مستقبلاً.
خاتمة: إرادة البقاء
إن الجرح الغائر في جسد السودان لن يندمل بالشعارات، بل بالإرادة الصلبة والعمل الوطني الجامع. إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الجميع؛ من الدولة في تأهيل قطاعاتها الخدمية، إلى المواطن في تشكيل لجان مجتمعية لحماية أحيائهم.
السودان الذي أريد له أن يُمحى، ينهض اليوم من وسط الرماد بصمود أهله. إن واجبنا اليوم هو تحويل هذا الخراب إلى فرصة لبناء دولة “أقوى، وأعدل، وأجمل“، فالسودان يستحق أن يُبنى من جديد، لا أن يُترك رهينة لآثار الغدر.



