صحيفة النيل الدولية | شيء للوطن | صلاح غريبة يكتب : سودانيون مصر.. خيار “التقنين” أو “الرحيل المرّ”
شيء للوطن
م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com
سودانيون مصر.. خيار “التقنين” أو “الرحيل المرّ”
بين أزقة القاهرة المزدحمة وهدوء أسوان الصبور، تعيش الجالية السودانية في مصر اليوم حالة من “الترقب المشوب بالحذر“، في مشهد أشبه بسباق محموم مع عقارب الساعة. لم تعد المسألة مجرد إقامة عابرة أو انتظار لانتهاء حرب في الداخل، بل أصبحت مواجهة مباشرة مع استحقاقات قانونية وضغوط اقتصادية جعلت من “تسوية الأوضاع” بوابة العبور الوحيدة للبقاء، أو “العودة الطوعية” الملاذ الأخير للهروب من شبح التوقيف.
لقد كشفت التحركات الأمنية الأخيرة لضبط الوجود الأجنبي في مصر عن واقع معقد تعيشه الجالية السودانية، التي تجد نفسها اليوم أمام معادلة صعبة. فمن جهة، هناك رغبة حكومية مصرية واضحة في حصر وتقنين أوضاع ملايين الوافدين لأسباب أمنية واقتصادية، ومن جهة أخرى، يواجه الفرد السوداني تعقيدات إجرائية ومالية تجعل من الحصول على “الإقامة السارية” تحدياً يومياً.
رغم التراجع الملحوظ في وتيرة الحملات الأمنية مع حلول شهر رمضان، إلا أن هذا الهدوء لا ينبغي أن يُقرأ كإلغاء للإجراءات، بل هو في جوهره “مهلة غير معلنة” منحتها السلطات للمخالفين لترتيب أوراقهم. هذا الانخفاض في حدة الملاحقات داخل أحياء مثل “فيصل” و”العاشر من رمضان” وأسوان، لم يوقف قلق الأسر السودانية، بل حوّل دفة الحديث في مجموعات التواصل الاجتماعي من “شكاوى التوقيف” إلى “استفسارات التقنين“؛ كيف نحصل على إقامة سياحية؟ وما هي شروط الإقامة الاستثمارية؟ كيف نغلق ملفات اللجوء؟
المثير للاهتمام في المشهد الحالي هو تنامي تيار “العودة الطوعية“. لم يعد الحديث عن العودة إلى السودان مجرد أمنيات، بل تحول إلى إجراءات لوجستية تقودها القنصليات ومبادرات رجال الأعمال. إن الإعلان عن تسيير رحلات جوية وبرية مجانية للمخالفين يعكس حجم المأزق الذي وصلت إليه فئات من الجالية غير قادرة على الوفاء بمتطلبات الإقامة الجديدة.
إن استضافة مصر للملايين تفرض عليها أعباءً ضخمة، وهذا أمر لا يمكن إنكاره، لكن الجالية السودانية تحديداً ترتبط بمصر بروابط تتجاوز مفهوم “الوافد والمضيف“. ومع ذلك، فإن “القانون لا يحمي غير المقنن“، والرسالة المصرية الحالية واضحة: الاستضافة مستمرة، ولكن تحت مظلة الشرعية القانونية فقط.
بينما تؤكد القيادات السودانية الرسمية عدم وجود توجه للترحيل القسري، يبقى العبء الأكبر على عاتق الفرد السوداني في مصر لاستثمار حالة الهدوء الحالية لتصحيح وضعه. إن المبادرات التي أطلقها رجال أعمال سودانيون لتغطية تكاليف سفر غير القادرين هي خطوة إيجابية، لكنها تظل “مسكّناً” لأزمة أعمق تتطلب حلولاً جذرية في تسهيل إجراءات الإقامة لمن يرغب في البقاء والمساهمة في المجتمع المصري بشكل قانوني.
إن الجالية السودانية في مصر تقف الآن في “منطقة برزخية“؛ فلا هي قادرة على العودة الكاملة لبلد ما زال يضمد جراحه، ولا هي قادرة على الاستمرار في وضع “المخالف” الذي يطارد صاحبه في كل نقطة تفتيش. إنها لحظة الحقيقة التي تتطلب وعياً قانونياً من الوافد، وتسهيلات إجرائية من الجهات المعنية، لضمان كرامة الإنسان وسيادة القانون في آن واحد.
