صحيفة النيل الدولية | شيء للوطن | صلاح غريبة يكتب …… تعليم السودان: من الركام إلى الريادة الرقمية

86

شيء للوطن
م.صلاح غريبة
Ghariba2013@gmail.com

تعليم السودان: من الركام إلى الريادة الرقمية

يمر السودان بمرحلة مفصلية في تاريخه، وبينما تشتد التحديات، تبرز فرصة ذهبية لإعادة صياغة العقل السوداني بما يتواكب مع لغة العصر. إن القضية اليوم ليست مجرد فتح المدارس، بل في ماذا ندرّس؟ وكيف نعدّ جيلاً قادراً على المنافسة عالمياً؟ إننا بحاجة إلى “ثورة تعليمية” تضع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في قلب المنهج، وتحوّل التعليم الفني من مسار ثانوي إلى قاطرة للتنمية الدولية.

لم تعد البرمجة ترفاً أكاديمياً، بل هي “القراءة والكتابة” الجديدة. يجب أن يتحرك السودان فوراً لإدراج مادة البرمجة والذكاء الاصطناعي في المناهج الدراسية. ولتحقيق ذلك، علينا الاستفادة من تجارب الدول الرائدة، وعلى رأسها اليابان، التي تمثل النموذج الأمثل في دمج التكنولوجيا بالقيم التربوية.

هذا التحول يتطلب تحديث المناهج لتتوافق مع المعايير الدولية، وتوفير أجهزة “التابلت” لطلاب التعليم الفني كأداة أساسية لا غنى عنها في مجال البنية التحتية الرقمية، وفي الجودة والاعتماد. يجب السعي لتحويل المدارس الفنية إلى مؤسسات دولية بالشراكة مع دول مثل إيطاليا، المعروفة بتميزها في التدريب المهني والتقني.

يتطلب سوق العمل المتسارع خريجين يمتلكون مهارات عملية حقيقية. إن النهوض بالتعليم الفني يعني إنشاء مدارس فنية جديدة متطورة، وتطوير المدارس القائمة لتصبح مركز إشعاع تقني. الهدف هو خلق خريج “جاهز للعمل” يلبي احتياجات السوق المحلية والإقليمية، وهو ما لن يتأتى إلا عبر عقد شراكات استراتيجية تضمن نقل الخبرات والتكنولوجيا.

في ظل الاقتصاد الرقمي، من الضروري إكساب الطلاب مهارات الرقمنة المالية وترسيخ الوعي المالي منذ الصغر. لا يقتصر الأمر على كيفية كسب المال، بل في كيفية إدارة الأموال بتوفير مهارات عملية في التمويل والاستثمار، وفي مجال الحماية القانونية يجب التوعية ضد الممارسات المالية غير المشروعة، مع توحيد الجهود لخلق تكامل بين المؤسسات التعليمية والرقابية لبناء اقتصاد قائم على المعرفة.

رغم الاندفاع نحو التكنولوجيا، لا يمكن إغفال الهوية الوطنية. يجب الاهتمام بتنمية مهارات القراءة والكتابة، والعودة لشغف الاطلاع بتوفير مزيد من المكتبات العامة، وضرورة إتقان اللغة العربية للأجيال الصاعدة، كوعاء للثقافة والفكر.

وبموازاة ذلك، تبرز ضرورة حوكمة منظومة الامتحانات. إن نزاهة الاختبارات هي الضامن الوحيد لتكافؤ الفرص. يجب تطبيق عقوبات رادعة على أي تجاوزات لضمان مصداقية الشهادة السودانية والحفاظ على سمعة مخرجاتنا التعليمية عالمياً، وبخاصة في مراكز الامتحانات الخارجية، ولقد سمعنا عن تمرير حالات غش في بعض المراكز وذلك لضعف الرقابة والتوتر وعدم التنسيق في بعض لجان الامتحانات.

لا يمكن للمنهج أن ينجح بدون معلم مؤهل. وفي ظل ظروف الحرب والنزوح، تبرز أهمية خاصة للمعلمين السودانيين في مصر. نحن بحاجة إلى برامج تدريبية مكثفة بالتعاون مع الجهات المختصة في مصر والاستعانة بالجامعات السودانية والدولية، مع رفع الكفاءة الرقمية بتمكين المعلمين من أدوات التدريس الحديثة، بالاضافة الى ضرورة دعم المدارس السودانية في المهجر لتكون نماذج تعليمية مشرفة تحت إشراف أكاديمي دقيق، ومشروع مكتب تعليمي متخصص.

إن بناء نظام تعليمي حديث في السودان ليس بمهمة مستحيلة، لكنه يتطلب إرادة سياسية وانفتاحاً على العالم. إن التوسع في التعاون مع الدول الصديقة والشراكة مع المؤسسات الدولية هو المفتاح لردم الفجوة المعرفية. السودان يمتلك العقول، وكل ما نحتاجه هو “النظام” الذي يطلق لهذه العقول العنان.

مصدر المقال

 

النيل الدولية العدد 1673

للانضمام لقروبات صحيفة النيل الدولية …. أضغط هنا @

Leave A Reply

Your email address will not be published.