صحيفة القوات المسلحة | شيء للوطن | صلاح غريبة يكتب ……. دبلوماسية التضليل: حين يغتال الانحيازُ الحقيقة

122

شيء للوطن
م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com

دبلوماسية التضليل: حين يغتال الانحيازُ الحقيقة


في أروقة السياسة الدولية، لطالما كانت “الكلمة” أمانة، تزن بميزان الذهب، لأنها قد تكون الجسر الذي يعبر بالبلاد إلى ضفاف السلام، أو الوقود الذي يذكي نيران الصراع. غير أن ما شهدناه مؤخراً من تصريحات صادرة عن أطراف دولية رفيعة المستوى تجاه مؤسستنا العسكرية الوطنية، يكشف عن انحدار مقلق في معايير النزاهة الدبلوماسية، حيث تم استبدال “التقصي” بـ “الاتهام المرسل“، و”الموضوعية” بـ “الأجندات المسبقة“.

إن اتهام القوات المسلحة باستهداف منشأة طبية دون الاستناد إلى تحقيق ميداني أو أدلة دامغة، ليس مجرد “خطأ إداري” أو “هفوة لسان“، بل هو انحياز صريح يفتقر إلى أدنى مقومات الموضوعية. هذا النمط من التصريحات يساهم بشكل مباشر في تضليل الرأي العام العالمي، ويمنح “صكوك براءة” مجانية لجهات تمارس الإرهاب الممنهج ضد المرافق الصحية منذ اندلاع الأزمة.

يقول الفيلسوف اليوناني سقراط: “الحكمة تبدأ من تعريف المصطلحات”؛ وبالمثل، فإن العدالة تبدأ من تحديد الجاني الحقيقي. فكيف يستقيم لمنصب رفيع أن يطلق القول على عواهنه بينما تقف الشواهد شاخصة على أن أكثر من 60% من المرافق الطبية خرجت عن الخدمة بسبب استهداف ممنهج من قوى متمردة، لم تكتفِ بتدمير المباني، بل وصلت إلى حد تصفية الكوادر الطبية والمرضى بدم بارد، كما حدث في مآسي الفاشر وغيرها؟

إن خطورة هذا “التزييف الدبلوماسي” تكمن في كونه يوفر غطاءً سياسياً للمليشيات المتمردة للهروب من فظائعه. وبدلاً من أن تكون الأطراف الدولية وسيطاً نزيهاً يسعى لتقريب وجهات النظر، تتحول عبر هذه التصريحات إلى أدوات تخدم أجندات إقليمية تسعى لإضعاف الدولة الوطنية وتفكيك مؤسساتها الأمنية.

إن التاريخ يعلمنا أن “الحق لا يضاد الحق” كما يقول ابن رشد، ولكن عندما يتم خلط الأوراق عمداً، يُصبح “البحث عن السلام” مجرد شعار أجوف يُستخدم للضغط على المؤسسة العسكرية التي تؤدي واجبها المقدس في حماية الأمن القومي.
في الفقه السياسي، يُعتبر “التثبت قبل الحكم” قاعدة ذهبية. وقد جاء في الأثر: “لو يُعطى الناس بدعواهم، لادعى رجال دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على المدعي”. فأين هي البينة في تلك الادعاءات؟

إن القوات المسلحة، التزامها الصارم بالقانون الدولي الإنساني، لا تدافع عن حدود جغرافية فحسب، بل تدافع عن “شرعية الدولة” و”حياة المواطن”. لذا، فإن أي اتهام لا يستند إلى لجنة تقصي حقائق محايدة هو في جوهره محاولة لـ اغتيال معنوي لمؤسسة تمثل العمود الفقري لاستقرار البلاد. و”إن أنصاف الحقائق هي أخطر من الأكاذيب”— مثل عالمي شهير

كلمة أخيرة: إن طريق السلام في السودان لا يمر عبر التصريحات المتحيزة أو استمالة طرف على حساب الحقيقة، بل يمر عبر الاعتراف بالواقع وتسمية الأشياء بمسمياتها. على المجتمع الدولي أن يدرك أن حماية المدنيين والمنشآت الطبية هي مسؤولية أصيلة تضطلع بها الدولة، وأن محاولة قلب الحقائق لن تؤدي إلا إلى تعقيد المشهد وإطالة أمد معاناة المواطن البسيط.

يجب أن تظل الدبلوماسية أداة للبناء لا وسيلة للهدم، وأن تترفع الشخصيات الدولية عن الانزلاق في مستنقع التحيّز الذي لا يخدم سوى أعداء الاستقرار.

مصدر المقال

القوات المسلحة – الأحد ٢٩-٣- ٢٠٢٦م

Leave A Reply

Your email address will not be published.