شيء للوطن | صلاح غريبة يكتب …… النيل حين يضيق بضفافه: السودانيون في مصر وعشرة “الدم والماء”
شيء للوطن
م.صلاح غريبة
Ghariba2013@gmail.com
النيل حين يضيق بضفافه: السودانيون في مصر وعشرة “الدم والماء”
بين شوارع “فيصل” المزدحمة بلهجتنا السودانية، وهدوء “حدائق الأهرام” التي باتت تفوح بعبير القهوة (الجبنة) في كل ركن، يجد السوداني نفسه اليوم في اختبار هو الأصعب منذ اندلاع حرب أبريل اللعينة. السودانيون هنا ليس مجرد “لاجئين” بالمعنى الجاف للكلمة، بل هم جزء من نسيج اجتماعي وتاريخي، لكن مياهاً كثيرة جرت تحت جسور العلاقات الشعبية مؤخراً، مما يستوجب وقفة صريحة من قلب القاهرة، تضع النقاط على الحروف بعيداً عن ضجيج “التريند” ومنصات الاستقطاب.
علينا أن نعترف، وبلا مواربة، أن لمصر حقاً أصيلاً في حماية أمنها القومي. الحديث عن ملاحقة المخالفين أو الذين لا يحملون هوية ليس استهدافاً للجنسية السودانية، بل هو إجراء طبيعي لدولة تواجه تحديات إقليمية معقدة. وما كشفته الدكتورة أماني الطويل في مقالها الأخير عن وجود عناصر “خارجة عن القانون” أو مندسين من أطراف الصراع، يجعلنا كسودانيين أول المستفيدين من هذه الإجراءات؛ فالمجرم لا يمثلنا، والميليشيات التي شردتنا من بيوتنا في الخرطوم لا نريدها أن تلاحقنا في ملاذنا الآمن.
إن تأكيد وزارة الداخلية المصرية على الاعتداد بـ “ورقة الموعد” من المفوضية يقطع الطريق على الشائعات التي تروج لترحيل عشوائي. نحن مطالبون اليوم برفع وعي شبابنا بقوانين البلد المضيف، فالقاهرة التي فتحت أبوابها حين أوصدت في وجوهنا المطارات، تستحق منا الاحترام المطلق لسيادتها وقوانينها.
وهنا أوجه عتاباً صادقاً، كصحفي سوداني يرى التقصير بأم عينيه، إلى سفارتنا في القاهرة. لا يمكن للسفارة أن تكتفي بدور المتفرج أو بممارسة “الاستقطاب” وحصر تعاملها مع فئة بعينها. السودانيون في مصر يمثلون الطيف الوطني الواسع، ومن واجب السفير عماد العدوي أن يكون على مسافة واحدة من الجميع.
نحتاج إلى تحرك عاجل لدعم الفئات الأكثر هشاشة، وإلى تسهيل استخراج الأوراق الثبوتية دون تعقيدات، فنقص الكادر الإداري في السفارة هو ما يدفع البعض للوقوع في فخ المخالفات القانونية. كما أن على بعض إعلامنا السوداني في القاهرة أن يتوقف عن شيطنة الأصوات المصرية التي تحاول قراءة المشهد بما تراه. مصر تساند الجيش السوداني وتعتبر أمننا من أمنها، وأي محاولة لتشويه هذه الحقيقة هي طعنة في خاصرة “الأمن الإنساني” لملايين السودانيين.
إن معالجة “الاحتقان” الذي يظهر أحياناً على وسائل التواصل الاجتماعي تتطلب شفافية من الجانبين، فمصرياً، المطلوب الإعلان الرسمي عن الجرائم المرتكبة من أجانب يقطع الطريق على الشائعات، ويوضح للرأي العام أن الإجراءات أمنية بحتة وليست “شعبوية“، كما ذكرت اماني الطويل في مقالها، وسودانياً بتشجيع المزيد من الحوار السياسي في القاهرة كبوصلة للحل، تمهيداً لعودة طوعية “كريمة” لا تتحقق إلا بتوفير المزيد من الأمن والخدمات في الداخل السوداني، وهو أمر نأمل أن تضعه الإدارة المصرية ضمن أولوياتها في خطط مساعدة السودان في إعادة الإعمار.
آلمني ما نقلته الدكتورة أماني عن صدمة الكاتبة القديرة فاطمة من خطاب كراهية صدر من بعض الشباب. لهؤلاء أقول: إن مصر لم تكن يوماً مجرد محطة، بل هي “السند“. وما يربطنا ليس مجرد اتفاقيات دولية، بل هو “نيل” يجري في العروق قبل أن يجري في الأرض.
إن ما يمر به الشعب السوداني اليوم يتجاوز كونه مجرد محنة عابرة؛ إننا نواجه أزمة إنسانية تُصنف بأنها الأعمق والأكثر إيلاماً في تاريخنا الحديث. وفي خضم هذا الوجع، نوجه نداءً يحمل معاني الإخاء إلى أشقائنا في مصر، نلتمس فيه “الصبر الجميل” المعهود عنهم في استيعاب هذه الظروف الاستثنائية. وفي المقابل، فإننا نذكر أهلنا من السودانيين المقيمين في مصر بأن الاستضافة الكريمة تستوجب منا “وفاءً مستحقاً” يعكس تقديرنا لهذا البلد الذي فتح أبوابه لنا حين ضاقت الأرض.
إن الحقائق الجغرافية والتاريخية تؤكد أن وادي النيل سيظل نسيجاً واحداً لا يقبل القسمة، يمتد برباط لا ينفصم من الإسكندرية شمالاً وصولاً إلى الجنينة في أقصى غرب السودان. ورغم قتامة المشهد الحالي، إلا أننا نؤمن يقيناً بأن هذه الغمة ستنجلي قريباً، ليعود الأصل في علاقتنا وهو المحبة الخالصة، مهما بلغت محاولات “صناع الفتن” في تعكير صفو المياه بين الشعبين.
وعلى صعيد الوعي العام، أصبح من الملحّ والمطلوب وقف كافة أشكال الإعلام السلبي من كلا الجانبين. ويشمل ذلك الكف عن تداول ونشر الصور والفيديوهات المفبركة أو تلك التي تعود لأحداث قديمة وتُستحضر في غير سياقها لإثارة الاحتقان. إننا بحاجة ماسة اليوم إلى الاستزادة من المحتوى الإعلامي الإيجابي الذي يسلط الضوء على متانة العلاقات المصرية السودانية. إن هدفنا هو “تصفير” إحداثيات هذه الأزمة الطارئة، والعودة بوعي ومسؤولية إلى أجواء الصفاء والود التاريخي التي كانت ولا تزال تجمعنا.
وفي إطار المسؤولية الفردية التي تحفظ كرامة السوداني وتدعم استقراره، فإنه من الواجب علينا دائماً أن نحمل هويتنا الوطنية ونحرص على سلامة أوراقنا الثبوتية وقانونيتها أينما وجدنا.
