خارجية بلا حضور… حين تفضح جولة وزير الثقافة غياب الدولة ….. كتب: محمد عثمان الرضي
خارجية بلا حضور… حين تفضح جولة وزير الثقافة غياب الدولة
كتب: محمد عثمان الرضي
في مشهد يختزل ارتباك المشهد التنفيذي، خرج وزير الثقافة والإعلام والسياحة والآثار خالد الإعيسر في جولة ميدانية بالخرطوم، مصطحبًا القائم بالأعمال الصيني في السودان، في خطوة بدت في ظاهرها رسالة طمأنة، وفي باطنها فضحًا مؤلمًا لفراغ مؤسسي خطير.
الجولة التي شملت أسواقًا ومرافق بالعاصمة القومية لم تكن مجرد تحرك بروتوكولي عابر، بل تحولت إلى حدث سياسي ودبلوماسي أثار أسئلة أكبر من مساراتها.
الرسالة المعلنة من الوزير الإعيسر واضحة؛ الخرطوم آمنة، مستقرة، والحياة عادت إلى طبيعتها.
رسالة موجهة للخارج قبل الداخل، وللعواصم المؤثرة قبل المواطن البسيط.
غير أن الإشكال لا يكمن في مضمون الرسالة بقدر ما يكمن في حاملها.
فهذه المهمة، بكل المعايير الدبلوماسية، ليست من صميم اختصاص وزير الثقافة والإعلام.
بل هي في جوهرها مسؤولية مباشرة لوزارة الخارجية وأجهزتها المختصة.
وتحديدًا إدارة المراسم بوزارة الخارجية، التي يتولاها السفير محمد إسماعيل العوض.
الخلل هنا ليس إجرائيًا فحسب، بل مؤسسي يعكس غيابًا غير مبرر لوزارة سيادية يفترض أن تكون في مقدمة المشهد.
وزارة الخارجية، بقيادة الوزير السفير محيي الدين سالم، ما تزال ترابط بكامل طاقمها في العاصمة الإدارية المؤقتة بورتسودان.
ذلك في وقت عادت فيه غالبية الوزارات الاتحادية إلى الخرطوم لمباشرة مهامها من قلب الدولة.
الخرطوم، العاصمة السياسية والتاريخية، تُدار دبلوماسيًا من بعيد، وكأنها خارج الجغرافيا السيادية.
تمثيل وزارة الخارجية في الخرطوم حتى لحظة كتابة هذه السطور يقتصر على مكتب توثيقات تم افتتاحه مؤخرًا في مدينة أم درمان.
مكتب لا يصنع سياسة، ولا يدير علاقات، ولا يتعامل مع البعثات الدبلوماسية.
هذا الفراغ المريع هو ما دفع وزير الثقافة والإعلام لملء المساحة الخالية.
ليس حبًا في التمدد، بل لأن الكرسي الدبلوماسي تُرك شاغرًا.
تحركات السفراء والقائمين بالأعمال ليست نشاطًا علاقاتيًا عامًا.
بل هي عمل سيادي دقيق تحكمه الأعراف والاتفاقيات الدولية.
منح إذونات التحرك، ترتيب الزيارات، المتابعة، والرصد، كلها مهام خارجية بامتياز.
وعندما تغيب الخارجية، تختل الصورة، وتضيع المسؤوليات، وتتداخل الصلاحيات.
ما حدث في جولة الإعيسر ليس خطأ فرديًا بقدر ما هو نتيجة مباشرة لتقصير مؤسسي.
لكن ذلك لا يعفي الوزير الإعيسر من مسؤوليته السياسية.
فالتعامل مع شاغلي السلك الدبلوماسي يحتاج إلى تدريب وخبرة وبروتوكول صارم.
ويحتاج قبل ذلك إلى وعي بالحدود الفاصلة بين الوزارات.
العمل العام ليس ساحة نشاط سياسي ولا منصة استعراض.
الدولة تُدار بالاتزان، لا بالحماس، وبالحكمة لا بالاندفاع.
وزير الثقافة والإعلام مطالب بأن يحصر جهده في وزارته.
وأن يترك ما عداها لأصحابه، لا أن يسد ثغرات ناتجة عن غياب الآخرين.
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: أين وزارة الخارجية من كل هذا؟
وأين وزيرها من الخرطوم، ومن السفراء، ومن رسائل الطمأنة للعالم؟.
متى تعود الخارجية إلى موقعها الطبيعي في قلب العاصمة؟
ومتى ينتقل بعض الوزراء من خانة الناشط السياسي إلى مقام رجل الدولة؟
فالدول لا تُطمئن العالم بالجولات المرتجلة، بل بحضور مؤسساتها حيث يجب أن تكون.