شي للوطن
م.صلاح غريبة
Ghariba2013@gmail.com
إرادة الصمود: الشباب كحائط صد ورهان المستقبل
لا يمكن قراءة المشهد الراهن في السودان بمعزل عن القوة الضاربة التي تشكل عماد المجتمع ووقوده الدائم؛ وهم الشباب. ففي ظل التحديات الوجودية التي تواجهها البلاد، تبرز “إرادة الجيل” كعامل حاسم في ترجيح كفة الحق وتثبيت أركان الدولة. وما شهدته الولاية الشمالية مؤخراً من حراك رسمي وشبابي ليس مجرد فعالية بروتوكولية، بل هو إعلان صريح بأن معركة الكرامة هي في جوهرها “معركة إرادة” يقودها جيل يدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه.
إن التحول من مرحلة “سماع صوت الشباب” إلى مرحلة “تمكين الشباب” في اتخاذ القرار هو الخط الصحيح نحو التعافي. عندما تجتمع القيادة العليا مع القواعد الشبابية لمناقشة توصيات حقيقية نابعة من رحم الواقع، فإننا نتحدث عن تحول إستراتيجي؛ فالشباب اليوم ليسوا مجرد مساندين في ميادين القتال، بل هم العقل المفكر الذي يخطط للبناء والإعمار.
لقد أثبتت التجارب أن الرهان على الشباب هو الرهان الوحيد الرابح، فبرغم محاولات التخذيل وبث روح اليأس، إلا أن الإرادة الوطنية ظلت هي المحرك الأساسي. إن انخراط الشباب في الأجسام القاعدية بالأحياء، ومشاركتهم الفاعلة في تأمين مناطقهم، يعكس وعياً سياسياً وعسكرياً ناضجاً يتجاوز الشعارات إلى الأفعال.
المعادلة التي طرحتها الولاية الشمالية اليوم تضع الشباب أمام مسؤولية مزدوجة لحماية الأرض عبر التواجد الفاعل في صفوف الدفاع عن الوطن وصون كرامته، بالاضافة الى بناء المؤسسات عبر تحويل التوصيات العلمية والمشروعات التشغيلية إلى واقع ملموس يعالج قضايا البطالة ويعيد عجلة الإنتاج.
إن الاعتماد على المنهج العلمي في ترتيب ملف الشباب، والتبشير بمشروعات إنتاجية للعام المقبل، يؤكد أن الدولة لا تنظر إلى الشاب كـ “مقاتل” فحسب، بل كـ “شريك إستراتيجي” في إدارة الدولة وتنميتها.
يمثل الشباب السوداني الكتلة الحرجة التي يمكنها تغيير الموازين. لذا، فإن تحويل مخرجات الملتقيات الشبابية إلى واقع تنفيذي هو الاختبار الحقيقي لمصداقية الرسمية. إن تشكيل أجسام شبابية في الأحياء ليس مجرد تنظيم إداري، بل هو خلق شبكة أمان اجتماعية تحمي النسيج الوطني وتراقب الأداء الخدمي وتساهم في التعبئة الوطنية.
خلاصة القول: إن معركة الكرامة لا تُخاض بالسلاح وحده، بل بالوعي والإرادة والإيمان بالحقوق. والولاية الشمالية اليوم، عبر احتضانها لهذا الحراك، ترسل رسالة واضحة: أن جيل الحسم قد استلم الراية، وأن المراهنة على انكسار السودان هي مراهنة خاسرة ما دام شبابه هم وقود نهضته وحراس أمنه.
لتحويل طاقات الشباب من حماس “العمل التطوعي” إلى احترافية “قيادة مؤسسات الدولة”، تحتاج إلى جسور مؤسسية تنقل الشاب من خانة (المساعد) إلى خانة (صانع القرار).
في هذه المرحلة الحساسة التي يمر بها السودان، يمكن تحقيق ذلك عبر مسارات ومنها مأسسة العمل الشبابي (التمكين الهيكلي)، فيجب ألا يظل العمل الشبابي محصوراً في المبادرات الفردية أو اللجان الشعبية المؤقتة، وتعيين مجالس شبابية استشارية ملحقة بمكاتب الولاة والوزراء، يكون لها صوت مسموع في صياغة السياسات، لا سيما في ملفات الإعمار والخدمات، والتمثيل في لجان الطوارئ بإشراك قيادات شبابية في لجان إدارة الأزمات واللجان الاقتصادية للاستفادة من قدرتهم على الابتكار والحلول غير التقليدية، بالاضافة الى التدريب التحويلي (من الميدان إلى الإدارة)، فالشاب الذي يدير “تكية” أو “غرفة طوارئ” بنجاح يمتلك مهارات قيادية فطرية، لكنه يحتاج إلى صقلها بالعلوم الإدارية، وإطلاق برامج “القيادة العامة” لتدريب الكوادر الشبابية على القوانين المنظمة للخدمة المدنية، وكيفية التعامل مع ميزانيات الدولة، وربط الأفكار الشبابية بالمنهج العلمي (كما أشار وزير الشباب)، لضمان أن تكون المبادرات قابلة للتطبيق والاستدامة.
الحاضنات الإنتاجية والمشروعات الذكية، بدلاً من انتظار الوظيفة الحكومية التقليدية، يمكن للدولة تحويل الشباب إلى “قادة اقتصاديين” بتخصيص مساحات زراعية أو مشاريع صناعية صغيرة في الولاية الشمالية لتقودها مجموعات شبابية بنظام “التعاونيات الإنتاجية”، ودعم ريادة الأعمال التي تخدم المجهود الحربي أو التعافي الاقتصادي، مما يخلق طبقة جديدة من القيادات الشابة في قطاع الإنتاج.
الرقابة الشعبية والشفافية بتحويل “الأجسام الشبابية بالأحياء” (التي ذُكرت في الملتقى) إلى ركائز للرقابة المجتمعية وإعطاء الشباب دوراً في مراقبة توزيع السلع الاستراتيجية والإشراف على المشاريع الخدمية في مناطقهم، مما يغرس فيهم روح المسؤولية تجاه مؤسسات الدولة.
تجديد الدماء في الخدمة المدنية والاستفادة من حالة “الاستنفار” الحالية لفتح باب الانتساب للخدمة المدنية للشباب المتطوعين المتميزين ووضع معايير كفاءة تمنح الأولوية في التعيينات القيادية لمن أثبتوا جدارة ميدانية خلال الأزمة، لضمان وصول دماء جديدة تؤمن بقضية الوطن ولديها طاقة للعمل تحت الضغط.
في الختام: الانتقال من “التطوع” إلى “القيادة” يتطلب ثقة متبادلة؛ ثقة الدولة في قدرات الشباب، وثقة الشباب في أن أصواتهم وتوصياتهم ستتحول إلى قرارات نافذة على أرض الواقع.