من عمق المشهد | د. ست البنات حسن أحمد تكتب ….. ترميم النسيج الممزق: و تحدي استرداد الثقة في فجر التعافي

من عمق المشهد |

د. ست البنات حسن أحمد

ترميم النسيج الممزق: و تحدي استرداد الثقة في فجر التعافي

حين تصمت البنادق وتتوقف نيران المدافع، يظن الكثيرون أن المعركة قد حُسمت، وأن الوطن بات على مشارف النجاة. لكن الحقيقة الميدانية المؤلمة تخبرنا بعكس ذلك؛ فصمت السلاح لا يمثل سوى إسدال الستار على الشق العسكري، لتبدأ مباشرة المعركة الأخطر والأكثر تعقيدا :
معركة استرداد الثقة التي تآكلت حتى النخاع، وترميم نسيج اجتماعي تمزقت أواصره بفعل خطاب الكراهية، وتفشي الشكوك، والانتهاكات الجسيمة.
إن الخراب الأكثر فداحة الذي تخلفه الحروب الداخلية لا يستقر في كتل الإسمنت المهدمة، بل في الوجدان الجمعي؛ حين يتحول الجار إلى مصدر تهديد، وتُنظر فيه أجهزة الدولة كخصم، ويصبح الشك هو آلية الدفاع الأولى للمواطن المكلوم. إن فجر التعافي لن يكتمل ما لم نخض غمار استحقاقات حاسمة تعيد بناء هذا الجدار المتصدع:
أولاً: إزالة شوائب الضغينة ومحاصرة إعلام التحريض
تعتمد استدامة النزاعات على تغذية الانقسامات الأهلية والشحن المناطقي والإثني.
* تجريم خطاب الكراهية بقوة القانون: وضع أطر تشريعية وقضائية صارمة وناجزة تحاسب منابر التحريض وصناع الفتن، وتجعل التمييز على أساس العرق أو الجغرافيا جريمة تمس الأمن القومي.
* صناعة خطاب إعلامي بديل: إطلاق منصات توعوية مجتمعية تركز على المشتركات الوطنية، وتوثق قصص التضامن التي حدثت أثناء الحرب كشواهد حية على قدرة الشعب على التوحد والتعايش.
ثانياً: عدالة بلا انتقام ومكاشفة بلا إنكار
لا يمكن تأسيس ثقة مستدامة على أوهام “عفا الله عما سلف” بالصيغ السياسية التلفيقية التي تعيد إنتاج الأزمة.
* العدالة الانتقالية الشفافة: إنشاء مفوضيات مستقلة للمكاشفة والمحاسبة تجبر الضرر، وتعتذر للضحايا، وتعيد الحقوق والممتلكات المنهوبة، مع التمييز الواضح بين القصاص العادل من الجناة وبين النزعات الثأرية الفردية.
* إحياء آليات “الجوديات” والمصالحات الأهلية: دعم الهياكل الأهلية التاريخية النزيهة لتقود مسارات جبر الخواطر والتسويات المجتمعية في القرى والأرياف، وتخليصها من التسييس والاستقطاب الحزبي.
ثثالثاً: عقد تنفيذي جديد بين المواطن والمؤسسة الوطنية ،
لن يثق المواطن في أي مشروع وطني ما دامت أجهزة الدولة تمارس الإقصاء أو تُدار بعقلية المحسوبية.
* إصلاح أجهزة إنفاذ القانون: إعادة بناء الثقة في جهاز الشرطة والمؤسسات العدلية عبر تدريب مكثف على معايير حقوق الإنسان، وضمان أن مهمتها الأولى هي حماية المدنيين وصون كرامتهم بلا تحيز.
* حوكمة أموال الإعمار والشفافية: إبعاد ملفات إعادة بناء المدن والتعويضات عن البيروقراطية الفاسدة، وفتح سجلات المساعدات والمنح للرقابة الشعبية والإعلامية لترسيخ شعور العدالة في توزيع موارد الدولة.
رابعاً: كسب الثقة من بوابة المعاش اليومي
تبدأ الثقة في ذهن الإنسان العادي من تفاصيل يومه، لا من الشعارات الرنانة.
* سرعة تطبيع الحياة المدنية: إعادة تشغيل شبكات المياه، ومحطات الكهرباء، والمستشفيات، وفتح المدارس في المناطق المتضررة فوراً؛ فالخدمات العامة هي الرسالة المادية الأسرع التي تؤكد عودة الدولة كجهة راعية لا جابية.
* تأمين الأسواق وتثبيت الملكيات: حماية حقوق الملكية العقارية والتجارية التي طالها السطو أثناء الحرب، وضمان حرية حركة البضائع وحماية النشاط الاقتصادي اليومي للمواطنين.
إن النسيج السوداني الذي انصهر لقرون قادر على لملمة شتاته من جديد؛ فالثقة لا تُمنح كمنحة ولا تُسترد بالشعارات، بل تُبنى لبنة لبنة عبر سيادة حكم القانون، وإقامة موازين العدل، وإعلاء كرامة الإنسان كأولوية قصوى لمسار التعافي الوطني.

Comments (0)
Add Comment