من عمق المشهد| د. ست البنات حسن أحمد تكتب …… بين إنقاذ المعاش ومخاطر الانكشاف: قراءة في جراحة القرارات الاقتصادية الأخيرة

من عمق المشهد |
د. ست البنات حسن أحمد

بين إنقاذ المعاش ومخاطر الانكشاف: قراءة في جراحة القرارات الاقتصادية الأخيرة

تُمثل القرارات الاقتصادية والتنظيمية الأخيرة الصادرة عن رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان—والتي قضت بإلغاء قرار مجلس الوزراء رقم (74) القاضي بحظر استيراد 46 سلعة، وإعفاء السلع الغذائية الأساسية من الرسوم الجمركية، وفتح باب الاستيراد للأفراد والشركات، بالتوازي مع إعادة تشكيل مجلس النفط، وتوحيد جهة القرار في ملف المحروقات، وإعادة الروح للمؤسسة السودانية للنفط—منعطفاً بالغ الأهمية في فلسفة إدارة “اقتصاد الحرب”.
إن قراءة هذه الحزمة من عمق المشهد تكشف أنها تتجاوز المعالجات الإجرائية الروتينية؛ إنها محاولة لإجراء “جراحة اقتصادية عاجلة” تستهدف فك الاختناقات المعيشية، وكسر حلقات الاحتكار، واستعادة البوصلة المؤسسية لقطاع الطاقة الذي يشكل شريان الصمود الوطني. غير أن هذه الجراحة، بقدر ما تفتح نوافذ للنجاة والانفراج، تضع الاقتصاد المنهك أمام معادلة معقدة وحافة شديدة الحساسية بين متطلبات الوفرة السلعية ومخاطر الانكشاف النقدي والإنتاجي.
أولاً: الدوافع الاستراتيجية.. كسر الاحتكار واستعادة هيبة المؤسسة
جاءت هذه الحزمة استجابة لواقع ميداني واقتصادي ضاغط لم تعد تجدي معه سياسات الانغلاق البيروقراطي:
* كسر الاحتكار وتصحيح اختلالات الأسواق:
لقد أثبتت التجربة الميدانية أن قرار حظر استيراد السلع رقم (74) لعام 2026—ورغم مسوغاته النظرية لحماية النقد الأجنبي—تحول في الواقع العملي إلى مظلة لـ “احتكار القلة”؛ حيث استثمرت قوى طفيلية شبكات الندرة لمضاعفة هوامش الأرباح بصورة أرهقت المواطن. إن فتح باب الاستيراد وتوسيع قاعدته لكافة الشركات والأفراد يعيد الاعتبار لآليات العرض والطلب الحرة، ويفكك قبضة المضاربين، ويضمن تدفق البدائل السلعية بما يكسر حدة الغلاء المصطنع.
* أولوية المعاش والأمن الغذائي:
إن إعفاء السلع الأساسية (الدقيق، الأرز، البقوليات، وزيوت الطعام) من الرسوم الجمركية يمثل انحيازاً صريحاً ومستحقاً لمعاش الناس؛ فهو يعكس فهماً واعياً بأن وظيفة الدولة في زمن الحرب ليست الجباية على حساب جوع المواطنين، بل تأمين الحد الأدنى من الغذاء للأسر النازحة والمتضررة التي تلاشت مداخيلها النقدية.
* إنهاء فوضى قطاع الطاقة:
يعد قطاع النفط والمحروقات الضحية الكبرى للتخريب الممنهج وتعدد مراكز القرار الذي أعقب اندلاع الحرب، وهو ما كبد البلاد خسائر فادحة بانخفاض العائدات النفطية بأكثر من 50%. إن إعادة تفعيل “مجلس النفط” واستنهاض “المؤسسة السودانية للنفط” وتوحيد نافذة القرار في ملف الوقود يقطع دابر العشوائية والمضاربات، ويضع إدارة هذا المورد السيادي في يد الكفاءات الفنية، بما يؤمّن مدخلات النقل والمواسم الزراعية وخدمات المستشفيات.
ثانياً: مكاسب المشهد.. رئة للتنفس وتحفيز المبادرة
تحمل هذه القرارات في طياتها حزمة مكاسب فورية تنعكس إيجاباً على الدورة الاقتصادية:
* تخفيف العبء المعيشي المباشر: خفض كلفة استيراد الغذاء ينعكس سريعاً على استقرار أسعار سلة المستهلك اليومية.
* إحياء حركة التجارة وسلاسل الإمداد: تحفيز رأس المال الوطني والتجاري بعد ركود طويل، مما يولد فرص عمل واسعة في مجالات النقل، التخزين، والتوزيع.
* انتظام إمدادات الطاقة: مركزية القرار النفطي تضمن عدالة التوزيع الجغرافي للمحروقات بين الولايات، وتحد من تسربه إلى الأسواق الموازية.
ثالثاً: ميزان المخاطر.. الألغام الكامنة تحت بساط التحرير
في المقابل، فإن الإنصاف التحليلي يوجب الإشارة بوضوح إلى أن هذه القرارات تُمثل “سيفاً ذا حدين”؛ إذ تنطوي على مخاطر هيكلية تستوجب الحذر البالغ:
* النزيف النقدي ومصيدة سعر الصرف:
إن فتح الاستيراد على مصراعيه، في ظل شح الموارد الذاتية من النقد الأجنبي، سيخلق طلباً هائلاً ومفاجئاً على الدولار في السوق الموازي لتمويل فواتير الشحن؛ وهو ما يهدد بانهيار متسارع في قيمة الجنيه السوداني، ليتحول فرق التوفير الجمركي إلى تضخم نقدي يلتهم قدرة المواطن الشرائية من جديد.
* إغراق السوق وضرب ما تبقى من الإنتاج الوطني:
يمثل الإعفاء الجمركي الشامل خطراً داهماً على المزارع والمصنّع المحلي؛ إذ لا يستطيع المنتج الوطني—الذي يكابد كلفة الطاقة المرتفعة، ومخاطر النقل، وشح التمويل—أن ينافس سلعاً مستوردة معفاة بالكامل. إن لم يُراعَ توقيت وحجم الاستيراد بما يتكامل مع مواسم الحصاد، فإننا نغامر بتصفية ما تبقى من القاعدة الإنتاجية الزراعية والصناعية للبلاد.
* تراجع الإيرادات العامة للدولة:
في وقت تقاتل فيه الدولة لتأمين نفقات الدفاع والصحة والتعليم والأجور، يمثل التخلي عن الرسوم الجمركية خسارة لمورد مالي معتبر؛ مما قد يدفع وزارة المالية إلى طباعة النقود أو فرض جبايات ورسوم داخلية بديلة تزيد من تعقيد المشهد.
* تدفق السلع الرديئة وتراجع الرقابة:
إن فتح النوافذ دون رقابة صارمة، وفي ظل تراجع كفاءة أجهزة المواصفات والمقاييس والجمارك في المعابر البرية والبحرية، قد يغري بعض ضعاف النفوس بإدخال بضائع مقلدة، أو منتهية الصلاحية، أو فاقدة للاشتراطات الصحية، مما يمس أمن وسلامة المستهلك.
رابعاً: شروط العبور.. نحو حزمة إجراءات تكميلية
لكي لا تبتلع المخاطر مكاسب هذه القرارات، يتعين على الجهاز التنفيذي إحكام حلقة المعالجة عبر مسارات متزامنة:
* حوكمة الاستيراد وترتيب الأولويات: حصر الإعفاءات والتسهيلات بالسلع الاستراتيجية ومدخلات الإنتاج الحقيقية، وإغلاق المنافذ أمام السلع الكمالية الترفية التي تستنزف النقد الأجنبي بلا عائد تنموي.
* تفعيل أدوات حماية الإنتاج المحلي: إخضاع السلع المستوردة المنافسة لبدائل وطنية لرسوم نوعية مرنة خلال مواسم الإنتاج والحصاد، وتوجيه التمويل المصرفي التكافلي للمزارعين لمساعدتهم على خفض كلفة المحصول المحلي.
* الصرامة في الرقابة والمواصفات: تعزيز وجود الهيئة العامة للمواصفات وضبط الجودة في كافة المعابر والموانئ، وتطبيق المعايير الفنية دون أي تهاون تحت ذريعة تسريع الإجراءات.
* توظيف عائدات الذهب والنفط: إلزام مجلس النفط والجهات التعدينية بإيداع كامل العائدات في القنوات الرسمية للبنك المركزي، لبناء احتياطي نقدي يتدخل به البنك لامتصاص صدمات الطلب على العملات الأجنبية في السوق الموازي.
كلمة أخيرة.. في الميزان
إن القرارات الشجاعة لا تُقاس فقط بجرأة الإعلان عنها، بل بمدى نضج الآليات التنفيذية التي تحمي مقاصدها النبيلة من الانحراف.
لقد خطت الدولة خطوة ضرورية لكسر الجمود وتخفيف وطأة الحرب عن كاهل الصابرين، لكن العبرة تظل بالقدرة على ضبط التوازن الحرج: تأمين الغذاء والوقود اليوم، دون أن نرهن الاستقرار النقدي أو ندمر قاعدة الإنتاج الوطني للغد.
إن التحرير الاقتصادي في زمن الطوارئ لا يعني إطلاق العنان للفوضى، بل يفرض حضوراً أرشد وأقوى لسلطة الدولة الرقابية والتنظيمية؛ فالمعركة ليست في الميادين وحدها، بل في ميادين المعاش، والإنتاج، وحماية كرامة الإنسان السوداني.. والعبرة بالحصاد.

Comments (0)
Add Comment