الصورة المرفقة، صورة تعبيرية معالجة بالذكاء الاصطناعي
شيء للوطن
م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com
ملحمة الوعي: كيف انتصر القلم السوداني في أرض الكنانة؟
في أوقات الأزمات الكبرى، لا تُختبر الأمم فقط بقدرتها على الصمود العسكري، بل بمدى تمسكها بهويتها المعرفية وحمايتها لعقول أجيالها الناشئة. وما شهدته العاصمة المصرية القاهرة وعروس البحر الأبيض المتوسط الإسكندرية من اختتام لافت لامتحانات الشهادة المتوسطة السودانية، ليس مجرد حدث إجرائي أو نهاية لعام دراسي استثنائي، بل هو ملحمة وعي حقيقية وإعلان صريح عن انتصار الإرادة السودانية في “معركة المعرفة”، لتثبت للعالم أن التعليم سلاح لا يسقط من يد صاحبه حتى في أحلك الظروف.
إن نجاح هذه العملية التعليمية الضخمة، التي احتضنت فيها مصر أكثر من 80 ألف طالب وطالبة عبر المراحل الثلاث (الابتدائية، المتوسطة، والثانوية)، يمثل نموذجاً ملهماً لإدارة الأزمات العابرة للحدود. فعندما دقت أجراس النهاية بمادة الرياضيات، لم تكن تعلن فقط ختام الامتحانات، بل كانت تعلن فشل الرهان على تجهيل جيل كامل عصف ببلاده النزاع. لقد تحولت قاعات الامتحانات إلى ساحات صمود حقيقي، غادرها الطلاب بوجوه أرهقها غبار الحرب والنزوح، لكن ملأتها مآقي المجد وأمل التطلع نحو مستقبل أفضل يبدأ من مقاعد الدراسة في سبتمبر المقبل
هذا الإنجاز اللوجستي والتربوي الفريد لم يكن ليرى النور لولا تلك الوقفة الأخوية الصادقة من جمهورية مصر العربية؛ قيادةً وحكومةً وشعباً. وتستوجب الأمانة المهنية والإنسانية توجيه أسمى آيات الشكر والتقدير إلى فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي والسلطات المصرية التعليمية والأمنية، التي فتحت أبواب مدارسها بـ”أريحية” ودعم غير محدود، وهيأت بيئة آمنة ومستقرة جعلت من المدارس المستضيفة بيوتاً سودانية دافئة تسودها الطمأنينة والانضباط.
وراء هذا النجاح الاستثنائي تقف أوركسترا متناغمة من المسؤولين والتربويين الذين واصلوا الليل بالنهار لضمان سير الامتحانات بكل سلاسة ونزاهة. ونخص بالإشادة والتقدير جهود السلك الدبلوماسي السوداني، وعلى رأسهم سعادة السفير عماد الدين مصطفى عدوي، ونائب رئيس البعثة سعادة السفير كمال بشير الذي قاد الجولات التفقدية بحس وطني رفيع، مبرزاً أبعاد هذا الانتصار المعرفي. كما نثمن الدور المحوري للمستشار الثقافي الدكتور عاصم أحمد حسن، والمستشار حسن حجاج، بجانب القيادة التربوية الفذة لـالدكتور عبد المحمود النور مدير مدرسة الصداقة السودانية، والذين حولوا التحديات اللوجستية الصعبة إلى قصة نجاح مشهودة.
ولم يكن للميدان أن ينضبط لولا الروح الأبوية والمسؤولية العالية التي أظهرتها إدارات المدارس، وفي مقدمتها الأستاذة إيمان مديرة مدرسة الشهيد محمد أشرف بمدينة نصر، التي سهر طاقمها حتى خروج آخر طالب، مدعومين بحضور قامات وطنية وثقافية رفيعة كـالأستاذ علي مهدي سفير الثقافة والفنون باليونيسكو، مما بث في نفوس الطلاب روح الفخر والاعتزاز. وفي الإسكندرية، تجلت أبهى صور التنظيم والانضباط بمتابعة دقيقة من القنصل العام بالإنابة السيد غانم أحمد يحيى، وبالتعاون المثمر مع رئيس الجالية السودانية المهندس محمد إبراهيم، اللذين قدما نموذجاً يحتذى به في رعاية شؤون أبناء الوطن بالخارج.
ختاماً، إن هذه الملحمة التعليمية لم تكن لتكتمل لولا تضافر جهود مجهولة ومعلومة؛ من اللجان العليا للامتحانات، والفرق المالية، والإدارية، والطبية، والإعلامية، وأقسام الجوازات، الذين عملوا جميعاً بروح الفريق الواحد لحماية مستقبل السودان. لقد أثبت الإنسان السوداني للعالم أجمع أن دورات التاريخ قد تتعثر بالحروب، لكن عجلات الفكر والتعليم لن تتوقف، وأن الدفاتر والأقلام ستظل دائماً قادرة على صياغة فجر جديد مشرق للسودان، يعود فيه الجميع إلى وطنهم وقد تسلحوا بالعلم لبنائه من جديد.