صحيفة صوت الشمالية | شيء للوطن | صلاح غريبة يكتب …….. دنقلا العجوز: حين تتحدث الحضارة يصمت الرصاص

شيء للوطن
م.صلاح غريبة
Ghariba2013@gmail.com

دنقلا العجوز: حين تتحدث الحضارة يصمت الرصاص

بينما تنشغل الأخبار بأصوات المدافع، يخرج من قلب الولاية الشمالية صوتٌ مختلف تماماً؛ صوتٌ يهمس بالتاريخ، ويخطط للمستقبل، ويعلن للعالم أن السودان، برغم الجراح، لا يزال حياً بإرثه وإنسانة. إن انطلاق الدورة التدريبية لخريجي الجامعات حول الإرشاد والوعي السياحي في موقع “دنقلا العجوز” ليس مجرد نشاط أكاديمي عابر، بل هو رسالة صمود “دبلوماسية ثقافية” بامتياز.

ما قامت به البعثة البولندية بالتعاون مع المجلس الأعلى للسياحة والآثار، تحت إشراف قامات مثل الأستاذ إبراهيم عوض وأرتور أوبلسكي، يمثل حجر الزاوية في مفهوم “السياحة المستدامة“. تدريب 12 خريجاً ليس رقماً هيناً إذا علمنا أن هؤلاء الشباب سيكونون هم “الرواة الجدد” لعظمة دنقلا العجوز، ومهمتهم الأساسية هي نقل هذا الشغف إلى المدارس والمجتمع المحلي.

نحن أمام نموذج ذكي لربط المجتمع بمحيطه الأثري؛ فحين يدرك الطالب في مدرسته قيمة الحجر والتاريخ الذي يحيط به، سيتحول تلقائياً من مجرد “جار” للموقع الأثري إلى “حارس” ومروج له.

استوقفتني جملة الأستاذ عبد الماجد محمود، كبير مفتشي الآثار، حين اعتبر أن تفعيل السياحة هو “بوادر تدل على أن الحرب انتهت“. وهي رؤية عميقة؛ فالسياحة بطبعها نشاط “سلام“، لا يزدهر إلا في بيئة آمنة ومستقرة. أن نرى بعثات دولية تعمل وخريجين يتلقون التدريب وسط هذه الظروف، فهذا يعني أن الأمل في “سودان ما بعد الحرب” بدأ يتشكل فعلياً من فوق رمال دنقلا العجوز.

بصفتي مؤسساً ورئيساً لمنظمة أصدقاء السياحة السودانية، أجد في هذه المبادرة تجسيداً حياً للأهداف التي نادينا بها دائماً. إن نشر ثقافة السياحة ليس ترفاً، بل هو ضرورة اقتصادية وهوياتية. نحن نحتاج إلى الاستدامة. ألا يتوقف التدريب بانتهاء الدورة، بل يتحول إلى نهج مستمر، والتوسع بتعميم تجربة دنقلا العجوز على كافة المقاصد السياحية في السودان، بالاضافة الى الشراكة وتعزيز التعاون بين البعثات الأجنبية والمنظمات الوطنية والمجتمعات المحلية.

نشيد بهذه الخطوة الشجاعة والموفقة، ونثني على جهود كل القائمين عليها. إن دنقلا العجوز، بكنائسها وقصورها وتاريخها الإسلامي والمسيحي الضارب في القدم، تستحق أن تكون واجهة السودان المشرقة. شكراً للبعثة البولندية، وشكراً للمجلس الأعلى للسياحة، وهنيئاً لشبابنا وهم يحملون مشعل المعرفة في وقت نحن أحوج ما نكون فيه للنور.

بقلم: م. صلاح غريبة رئيس منظمة اصدقاء السياحة السودانية

صوت الشمالية 459 (1)

مصدر المقال

Comments (0)
Add Comment