شئ للوطن
صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com
عبرة رواندا ونجاة السودان: تأملات في ذكرى الإبادة الجماعية
في مثل هذا اليوم ( السابع من أبريل)، تتجدد في قلوبنا مشاعر الحزن العميق والألم الذي لا يندثر، ونحن نستذكر الذكرى السنوية للمجزرة المروعة التي حصدت أرواح مليون إنسان بريء في رواندا عام 1994. أطفال ونساء ورجال، قضوا ضحية كراهية مقيتة وعنف ممنهج، تاركين وراءهم ندوبًا غائرة في جبين الإنسانية. لم تكن تلك الأحداث مجرد فورة غضب عابرة، بل كانت فصولًا دامية في قصة كراهية مُبيتة، تغذت على خطاب شيطاني زرع بذور الفرقة والانقسام، وروّج للأكاذيب التي استباحت الدماء وامتهنت الكرامة الإنسانية. أغلب الضحايا كانوا من التوتسي، لكن لم يسلم من هذا الجحيم أفراد من الهوتو وغيرهم ممن تجرأوا على الوقوف في وجه آلة القتل.
إن استحضارنا لهذه الفاجعة لا يجب أن يقتصر على استذكار الضحايا والتعبير عن الأسى. بل يجب أن يدفعنا إلى التفكير العميق في الأسباب التي أدت إلى هذا الكابوس الإنساني، وأن نتأمل في أوجه التشابه المقلقة بين تلك الظروف وبين ما يشهده عالمنا المعاصر.
فالعصر الذي نعيشه يتميز بتصاعد مقلق لخطاب الكراهية والانقسام. تتغذى النعرات الطائفية والعرقية والسياسية على ثنائية “نحن” و “هم”، مما يؤدي إلى استقطاب حاد داخل المجتمعات. لقد أصبحت التكنولوجيا الرقمية، التي كان من المفترض أن تكون أداة للتواصل والتقارب، وسيلة لتأجيج مشاعر الكراهية، وإثارة الانقسام، ونشر الأكاذيب التي تسمم العقول وتهيئ النفوس للعنف.
في هذا السياق المثير للقلق، يحق لنا أن نحمد الله ونشكره على أن شعب السودان نجا من سيناريو مشابه، كان يلوح في الأفق مع تصاعد وتيرة العنف الذي مارسته مليشيات الدعم السريع. فبالرغم من الآلام والجراح التي خلفها هذا الصراع المؤسف، إلا أن وحدة النسيج الاجتماعي السوداني وصموده في وجه محاولات التقسيم والفتنة، يمثل بارقة أمل تستحق التقدير. لقد أظهر الشعب السوداني وعيًا عميقًا بمخاطر الانزلاق إلى أتون حرب أهلية طاحنة، وأبدى رفضًا قاطعًا لخطاب الكراهية الذي حاول البعض ترويجه.
إن عبرة رواندا يجب أن تكون حاضرة دائمًا في أذهاننا. يجب أن نتعلم من الماضي الأليم كيف يمكن لخطاب الكراهية أن يتحول إلى عنف مدمر، وكيف يمكن للانقسام أن يقود إلى الإبادة. مسؤوليتنا جميعًا، كأفراد ومجتمعات ودول، أن نعمل بكل جدّ على وقف مدّ هذا الخطاب السام، وأن نحول دون تحول الخلافات السياسية والاجتماعية إلى صراعات دامية.
إن التمسك بحقوق الإنسان، وضمان المساءلة عن الجرائم، وتعزيز قيم التسامح والتعايش السلمي، هي الضمانات الحقيقية لعدم تكرار مأساة رواندا في أي مكان آخر. إنني أناشد الدول قاطبة أن تفي بالتزاماتها بموجب الميثاق الرقمي العالمي للتصدي للأكاذيب والكراهية عبر الإنترنت، وأن تمتثل للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، وأن تنضم إلى اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها دون أي تأخير.
في هذه الذكرى الأليمة، نجدد التزامنا باليقظة والتكاتف من أجل بناء عالم يسوده الكرامة والعدل لجميع البشر. هذا هو أقل ما يمكننا تقديمه إكرامًا لأرواح ضحايا الإبادة الجماعية في رواندا ولكل من نجوا من أهوالها. إن صمود السودان في وجه الفتنة يمثل خطوة مهمة نحو هذا العالم الذي نطمح إليه، ولكنه يظل تذكيرًا دائمًا بأن الحذر والعمل المستمر لمواجهة الكراهية والانقسام هما السبيل الوحيد لضمان عدم تكرار فواجع الماضي.
استعمل هذا الرابط للانضمام إلى صحيفة النيل الدولية -25- في واتساب: https://chat.whatsapp.com/Lp7p07dAJOeAD2nb4y3VJy