(الصورة معالجة بالذكاء الاصطناعي)
شيء للوطن
م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com
رسالة للعالم: السودان لن يجوع
لا تمثل الأرض في الوجدان السوداني مجرد مساحة للجغرافيا أو وسيلة لكسب العيش، بل هي العرض والكرامة والملاذ الأخير حين تضيق السبل. وما يشهده “مشروع الجزيرة” اليوم، ونحن في أبريل من عام 2026، ليس مجرد موسم حصاد ناجح أو استعادة مساحات مزروعة، بل هو “ملحمة بقاء” وصياغة جديدة لمفهوم السيادة الوطنية من قلب الطمي والترع. إن عودة هذا الشريان الحيوي للنبض، وبكفاءة تتجاوز مستويات ما قبل الحرب، هي الرسالة الأقوى بأن إرادة البناء دائماً ما تصرع معاول الهدم.
لقد تعرض مشروع الجزيرة لعملية تخريب ممنهجة استهدفت بنيته التحتية، من قنوات ري ومحطات وطرق وآليات، في محاولة لكسر إرادة الإنسان السوداني عبر سلاح التجويع. إلا أن الإرادة الإدارية والسياسية، مسنودة بعزيمة المزارعين، استطاعت في وقت قياسي تأهيل شبكة الري لتغطي نحو 85% من المساحات المستهدفة.
هذه العودة لم تكن تقليدية، بل جاءت “أقوى مما كانت“؛ فالمساحات التي دخلت دائرة الإنتاج الفعلي بلغت مليوناً و745 ألف فدان، وهي طفرة رقمية تعكس حجم الإصرار على تجاوز آثار الدمار. إن استعادة نشاط المحاصيل النقدية والغذائية في ظل هذه الظروف المعقدة يثبت أن المشروع ليس مجرد حقول، بل هو مؤسسة قادرة على امتصاص الصدمات والنهوض من وسط الركام.
لعل أذكى ما أفرزته مرحلة “التعافي” الحالية هو التحول نحو الحوكمة الرقمية. إن إدخال تقنيات الأقمار الصناعية في عمليات الري والزراعة، وإنشاء إدارة متخصصة لتقانة المعلومات، يمثل قفزة نوعية تنقل المشروع من النمط التقليدي إلى آفاق التنافسية الدولية. هذا التوجه يضمن الدقة في توزيع المياه لتقليل الفاقد وضمان وصول الري للمساحات الطرفية. مع المراقبة اللحظية للمحاصيل مما يسهم في مكافحة الآفات ورفع الإنتاجية الرأسية، وبالتالي جذب الاستثمار الأجنبي، فالشركات الدولية تبحث عن بيئة عمل تحكمها البيانات والشفافية التقنية.
إن القيمة الحقيقية التي استردها المشروع ليست في “التقاوي” أو “الآليات” فحسب، بل في “الإنسان“. لقد أفرزت سنوات المحنة وعياً جديداً لدى المزارع السوداني، الذي بات يرى في محراثه سلاحاً لا يقل أهمية عن البندقية في معركة الكرامة. التمسك بالأرض وتضاعف معدلات الإنتاج يعكس روحاً وطنية وثابة، جعلت من “الجزيرة” صمام أمان حقيقي يقطع الطريق أمام أي شبح للمجاعة، ويؤكد للعالم أن السودان، بامتلاكه لهذه التربة الخصبة والموارد المائية، يمتلك مفاتيح أمنه الغذائي بيده لا بيد غيره.
بناءً على المعطيات الراهنة، لم يعد الطموح يقف عند حدود الاكتفاء الذاتي. الرغبة الدولية الواسعة للدخول في شراكات استثمارية داخل المشروع، والتي تنتظر الضمانات السيادية، تفتح الباب واسعاً أمام السودان ليصبح “سلة غذاء” حقيقية للإقليم. إن تكامل الإنتاج الزراعي بشقيه المروي والمطري، مع استخدام أفضل التقنيات، سيجعل من “الجزيرة” قاطرة تقود الاقتصاد الوطني نحو الاستقرار والنمو.
إن قصة نجاح مشروع الجزيرة في موسم 2026 هي شهادة وفاة لكل المخططات التي أرادت إفقار هذا الشعب. لقد أثبتت “الأرض” أنها لا تخون من يخلص لها، وأن “الجزيرة” ستظل دائماً هي الرهان الرابح، والعمود الفقري الذي يستند إليه السودان وهو يخطو بثبات نحو عهد جديد من الإنتاج والسيادة.
“مشروع الجزيرة أثبت بالبرهان العملي: أن السودان لن يجوع أبداً ما دام هناك مزارع يعشق أرضه وإدارة تؤمن بالتغيير.”