شيء للوطن
م. صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com

الخرطوم: معركة الوعي وبقايا الفوضى

لا تنتهي الحروب بوضع أوزار السلاح فحسب، بل تبدأ فصولها الأكثر تعقيداً حينما تشرع الدولة في تنظيف “الألغام الاجتماعية” التي خلفتها الفوضى. ما كشفته التحركات الأمنية الأخيرة في محلية الخرطوم يتجاوز كونه مجرد نشاط شرطي روتيني، بل هو إعلان عن معركة استرداد “العقل السوداني” من براثن استهداف ممنهج استغل ظروف الحرب ليضرب أثمن ما تملكه البلاد: الشباب.
إن الكشف عن فتح عشرات البلاغات المرتبطة بالاتجار والتعاطي خلال أيام معدودة، يضعنا أمام حقيقة صادمة؛ وهي أن المواد المخدرة والمؤثرات العقلية لم تكن مجرد تجارة غير مشروعة عابرة، بل كانت “إرثاً مسموماً” تعمدت القوى المتمردة تركه خلفها.
لقد استخدمت المليشيات سلاح التغييب الذهني كأداة للسيطرة والتجنيد وتدمير النسيج القيمي للمجتمع. وما نراه الآن من حملات مكثفة هو محاولة جادة لبتر هذه اليد العابثة. إن استهداف قطاع الشباب لم يكن صدفة، بل هو استراتيجية تهدف إلى خلق جيل معطل القدرات، غائب الوعي، ومنقاد للغرائز، مما يسهل اختراق المجتمع أمنياً وأخلاقياً.
الناظر إلى الإجراءات الأخيرة يجدها تتحرك في مسارات متوازية لتشكيل “طوق نجاة” حول العاصمة، بالضبط المعلوماتي والشروع في حصر “الخفراء” في المواقع السكنية والتجارية وتدشين سجل معلوماتي وفحص أمني لهم، هو خطوة ذكية لسد الثغرات التي قد تُستغل في الجريمة المنظمة أو التجسس. وتفعيل السيادة الزمانية بالتشدد في إنفاذ “حظر التجوال الليلي” وحركة الشاحنات ليس تقييداً للحريات، بل هو ضرورة قصوى لفرز الأنشطة المشبوهة في وقت تتربص فيه الجريمة العابرة للمناطق بالهدوء الحذر، بالإضافة إلى تطهير الحواضن بضبط المتعاونين مع التمرد يؤكد أن العين الأمنية باتت ترصد بدقة محاولات الاختراق الداخلي، مما يعزز ثقة المواطن في قدرة الدولة على بسط هيبتها.
رغم الاحترافية التي أبدته الأجهزة النظامية في ضبط المتهمين وفتح البلاغات في وقت وجيز، إلا أن المسؤولية لا تقع على عاتق “البندقية” وحدها. إن محاصرة الجريمة في المناطق غير المأهولة وتكثيف الأطواف في الأحياء ذات الكثافة المنخفضة هو إجراء وقائي ضروري، لكنه يحتاج إلى ظهير شعبي.
“إن تجفيف منابع المخدرات وتطهير الأحياء من العناصر المخربة هو بمثابة ‘إعادة إعمار للروح السودانية’ قبل أن يكون إعادة إعمار للمباني.”
إن خلو المحلية من البلاغات الجنائية الخطيرة -وفق التقارير الأخيرة- هو مؤشر تعافٍ قوي، لكنه “تعافٍ مشروط” باليقظة المستمرة. الخرطوم اليوم لا تحارب مجرمين عاديين، بل تواجه مخلفات مخطط كان يهدف لتحويل عاصمتنا إلى بؤرة للمؤثرات العقلية والفوضى الأمنية.
إن الإشادة بالجهود الأمنية واجبة، ولكن المساندة المجتمعية بالتبليغ والوعي هي “الرصاصة الأخيرة” في صدر هذا المخطط التخريبي. لقد بدأ قطار المكافحة، ولن يتوقف حتى تُسترد العاصمة كاملةً؛ ليس من الغزاة فحسب، بل من سمومهم التي حاولوا غرسها في عقول أبنائنا.

    مصدر المقال

 

النيل الدولية العدد 1737

 

Download
Comments (0)
Add Comment